بوستر فيلم «س الديب ورحلة البحث عن التاج المفقود»
مُفتتح
رغم مناشدات أهل الفنون الدائمة بالحرية، فإنهم، بشكلٍ ما، يقعون تحت وطأة السوق، فيفقدون جزءًا أصيلًا من عملية صناعة الفن، ألا وهو الحرية، دون أن يكونوا على دراية تامة بذلك. ويحدث هذا من خلال السعي إلى مجاراة السوق تارة، ومجاراة ذائقة المشاهدين تارة أخرى.
أما في حالتنا هذه، يبدو الصانع الذي نتحدث عنه قد وصل إلى مستوى عالٍ من الثقة بالنفس بعد أن فاز بجائزة السعفة الذهبية عن فيلمه القصير «ستاشر»، وبعد سعي عدد كبير من شركات الإنتاج العالمية للتعاون معه، وصل إلى درجة من الثقة واليقين حفزته على التجريب دون قلق من العواقب.
فتوجه إلى صناعة فيلم رسوم متحركة (Animation)، في حين أنه يعمل على فيلمه الطويل الأول، ثم يستمر في كسر حواجز الخوف بعد ذلك، ويُقدم على تجربة غير متوقعة أخرى بإخراج مسلسل ينافس في السباق الرمضاني!
لماذا قد يتجه صانع أفلام فاز مؤخرًا بجائزة السعفة الذهبية لأول مرة في تاريخ الأفلام المصرية إلى صناعة فيلم رسوم متحركة قصير، بدلًا من أن ينشغل بصناعة أفلام روائية طويلة كما هو متعارف عليه؟
سؤال يطرح نفسه مباشرة فور مشاهدة فيلم الرسوم المتحركة «س الديب ورحلة البحث عن التاج المفقود» للمخرج سامح علاء.
الذي نتعرف من خلال النظر إلى مسيرته السينمائية، التي لا يزال على أعتابها، أننا أمام مخرج جريء يتمتع بالحرية الكاملة في القدرة على التخيل، والاختيار، والتنفيذ.
قدم سامح علاء من قبل فيلمه الشهير «ستاشر» الذي فاز عنه بالسعفة الذهبية، ومن قبله فيلم روائي قصير آخر، وهو «خمستاشر».
ولكن يفاجئنا بعدها ليقدم لنا فيلم رسوم متحركة لطيف يمكن تصنيفه كوميديا سوداء. فيلم قادر على وضع الابتسامة والضحك على وجه المشاهد طوال مدة عرضه رغم مأساوية الحكاية. وهذه هي ملامح العبقرية عند سامح علاء؛ باستطاعته، بذكاء شديد، تقديم قصة فلسفية عميقة مأساوية في قالب كوميدي خفيف.
تعد البساطة أهم مميزات الفيلم؛ البساطة في طبيعة الحكي، واختيار وسيط الرسوم المتحركة، الذي يبدو هنا أقرب إلى الرسم الكاريكاتوري، واختيار قالب الكوميديا، واعتماد الفيلم على مونولوج صوتي يحكيه سامح علاء نفسه.
في حين أنه عادةً ما تكون الأفلام القصيرة بها الكثير من الاستعراضات في محاولة من صُنّاعها لإبراز قدراتهم، وكأنهم يقولون: انظروا، نحن نعرف كيف نصنع فيلمًا!
على العكس تمامًا، في هذا الفيلم يدرك سامح جيدًا ما يريد قوله، ولأننا أمام مخرج متحقق لا يبحث عن إثبات ذاته، لم نرَ أي استعراضات في الفيلم، بل على العكس، كل الاختيارات هنا تنبع من البساطة. وكان التركيز الأكبر على الحكاية، ولذلك فإن المشاهد يُسحر مع الحكاية التي تفيض بالمشاعر دون أن يتشتت تركيزه على شيء آخر.
يحكي لنا الفيلم قصة المراهق (س)، وصراعه منذ الطفولة مع والده حول مظهر شعره، فبينما يريد هو التشبه بالشباب من حوله، يصر والده على أن يحلق الابن كما يحلق هو.
ومن خلال بساطة هذا الصراع يصور لنا المخرج، بشكل غير مباشر، صراعًا آخر حول الهوية، والبحث عن الذات.
الفيلم يروي حكاية رجل يتأمل مسار حياته عبر قصة شعر رأسه، بدءًا من صدمات الطفولة على كرسي الحلاقة، إلى الحب الأول، وحتى فقدان شعره، وصولًا إلى خسارة أغلى شخص في حياته. الفكرة جاءت من تجربة المخرج الشخصية مع فقدان والده، ومن هذه المشاعر خرج الفيلم. ورغم تباين الحالة الشعورية بين الواقع والفيلم، الذي يعالج أحد أسئلة الطفولة المربكة والمقلقة حول الموت والرحيل بطريقة مُضحكة، فإن هذا الصدق يظل ملموسًا ببساطة أثناء المشاهدة.
كما يمكن، من خلال الحكاية، ملاحظة تشابه تيمة الفيلم مع أعمال سامح علاء السابقة، التي تدور وتنشغل بما يُعرف بـ (Coming of Age).
حيث يركز سامح، من خلال قصص أفلامه، على رحلة الشخصيات مع النضج والتغيرات التي تحدث في حياتهم، والصدمات التي يمرون بها لأول مرة، وبكارة مشاعرهم.
كما حدث في فيلمه القصير «خمستاشر» عندما اختبر البطل مشاعر الفقد لأول مرة مع أهله.
وكذلك في فيلمه «ستاشر» وتجربة البطل مع فقد حبيبته.
الشخصيات عادةً في مثل هذه النوعية من الأفلام تكون أطفالًا أو مراهقين، ويوثق الفيلم التغيرات التي تحدث معهم وتصل بهم إلى مرحلة النضج.
الفيلم هو رحلة نفسية وفكرية يتنقل فيها المتلقي عبر مراحل الحياة المختلفة من خلال سردية غير تقليدية تتعامل مع الهوية، والذاكرة، والعلاقات الإنسانية. نجاح الفيلم يكمن في قدرته على الجمع بين الجوانب الجمالية العميقة والتعبيرات الرمزية المعقدة بأسلوب بسيط وواضح. سامح علاء استطاع أن يخلق عالمًا متكاملًا يلامس قلوب المشاهدين ويثير فيهم تأملات حول التحولات التي تطرأ على حياة الإنسان، وكيف يمكن للأشياء البسيطة مثل قصة الشعر أن تكون محورية في تشكيل المصير والهوية.
الشعر في فيلم «س الديب» يمثل الرمز المركزي الذي يربط بين المراحل المختلفة في حياة البطل. في البداية، يظهر الشعر كعنصر يمكن التحكم فيه وتغيير شكله، وهو ما يتماشى مع رغبة البطل في تمثيل نفسه بشكل يناسب تطلعاته أو يعكس مواقفه الاجتماعية. هذا التغير في الشعر يعكس، بشكل غير مباشر، مراحل التحول الداخلي لشخصيته.
ففي بداية الفيلم، يواجه البطل صدمة الطفولة من خلال شكل شعره الذي يتم تحديده من قبل والده. يُظهر الأب في هذه المرحلة كما لو أنه يسعى للتحكم في كل تفاصيل حياة ابنه، بدءًا من مظهره. في هذه اللحظة، يكون الشعر رمزًا للقيود المفروضة على الشخصية، حيث يعتبر الأداة التي تحدد هويته في نظر الآخرين.
مع نمو الشخصية، يظهر البطل وهو يتحدى هذه القيود ويبدأ في تغيير شكل شعره كرمز لتمرده. يروي لنا سامح، من خلال قصة الشعر هنا، قصة التمرد على السلطة (الوالد) والرغبة في بناء هوية مستقلة، وهو ما يعكس بوضوح مرحلة المراهقة التي يتميز فيها الشخص بمحاولة كسر القيود الموروثة.
ومع مرور الوقت، يتطور الأمر ليصبح أكثر من مجرد شكل مادي؛ يصبح رمزًا للمراحل التي مر بها البطل في حياته. عندما يفقد الشعر، يبدأ الفيلم في تصوير هذه الخسارة على أنها خسارة جزء من الهوية، أي أن غياب الشعر يمثل غيابًا لمراحل معينة من حياته، وللأشخاص الذين كانوا جزءًا من تلك المراحل.
الأب في الفيلم يمثل رمزًا للسلطة والقيود، ليس فقط في العلاقات الأسرية، ولكن في السياق الأكبر للحياة الاجتماعية. منذ البداية، يُظهر الأب رغبة قوية في تحديد شكل حياة ابنه، بما في ذلك طريقة تسريح شعره. الأب هنا يمثل ذلك الجزء من المجتمع الذي يسعى إلى فرض معاييره على الأفراد، ويحد من حريتهم في التعبير عن أنفسهم.
فقدان الأب في الفيلم يعكس، بشكل رمزي، خسارة التوجيه الأبوي، التي غالبًا ما تكون مصحوبة بتحديات جديدة يتعين على البطل مواجهتها بمفرده. في غياب الأب، يصبح البطل مضطرًا لاكتشاف هويته وتحديد طريقه بنفسه، ولكن يظل هذا الفقد يؤثر عليه.
وهذا ما يثير تساؤلًا: كيف يتحول غياب السلطة والقيود إلى أثر سلبي؟ فبرغم تحكم الأب في حياة الابن، إلا أن فقدانه كان مؤثرًا، وذلك لأن باختفاء الأب فجأة يختفي معه الإطار الذي كان البطل يفهم من خلاله نفسه.
بالإضافة إلى أن جزءًا كبيرًا من شخصية/هوية البطل كانت تتشكل عبر التمرد وعلاقته المشتبكة مع الأب، ولذلك برحيل الأب يختفي معه التمرد، مما يخلق فراغًا وجوديًا عميقًا من بعده.
من المهم إذًا فهم أن الانتصار بالحرية قد يكون عبئًا ثقيلًا، خاصةً في البداية، مما يتطلب من الشخص تماسكًا كبيرًا ليتخطى هذه المرحلة.
بالنظر إلى اسم الفيلم؛ «س الديب ورحلة البحث عن التاج المفقود» يمكننا القول بأن الرحلة في الفيلم هي رمز آخر مهم يعكس البحث المستمر عن الذات. من خلال التحديات التي يواجهها البطل أثناء تنقلاته في رحلة البحث عن التاج المفقود، يظهر البطل في سعي دائم لفهم هويته وتحديد ما يعنيه أن يكون هو في هذا العالم. هذه الرحلة هي عملية داخلية أكثر منها خارجية، حيث يحاول البطل الموازنة بين الذات المفقودة في الماضي والهوية التي يسعى لبنائها في الحاضر.
هذا المستوى من العمق المحكي عبر صورة بصرية بسيطة من الرسوم المتحركة يجعلنا في حرج، وبشكل شخصي أخشى أننا كجمهور لم نصل إلى مستوى التلقي الذي يسمح لنا بقراءة وفهم هذه النوعية من الأفلام العميقة المعتمدة على الرسوم المتحركة، كما كان الأمر في الفيلم الذي تناولناه في مقال سابق «خائنة الأعين».
ولكن لعل تجارب هؤلاء الشباب تكون هي العتبة الأولى في طريق التغيير لنصل، بعد عدد من السنوات، إلى مرحلة جديدة مختلفة تتسع فيها الأفهام.
هنا لا يتعامل الفيلم مع الشعر كتفصيلة شكلية، بل كعلامة اجتماعية ونفسية محمّلة بالسلطة والهوية والوراثة. وكأن كل خصلة هنا تحمل أثر الأب، وكل محاولة لتغييرها تبدو كأنها محاولة لإعادة كتابة الذات بعيدًا عن الصورة المفروضة. ومن هذا المنطلق، يتحول الشعر إلى ساحة صراع خفية بين الرغبة في التشبه والانفصال، بين الامتداد والتمرّد.
هذه الفكرة كان يمكن أن تبدو سطحية لو عولجت بشكل مباشر، لكن الفيلم يمنحها عمقها الإنساني عبر تفاصيل يومية صغيرة تجعلها مألوفة وقريبة. وهنا تكمن قوته؛ في قدرته على استخراج أسئلة كبرى عن الأبوة والذكورة والقبول الذاتي من أكثر الأشياء عاديةً وهامشية. فيلم يبدو أن صانعه يعرف جيدًا أن التفاصيل التي نستهين بها في طفولتنا قد تتحول لاحقًا إلى مفاتيح لفهم علاقتنا بالعالم وبأنفسنا.
وفي النهاية، وبعد رحلة طويلة من المقاومة والسخرية والبحث عن صورة مختلفة للذات، يصل البطل إلى لحظة إدراك تتجاوز مسألة الشعر نفسها. فلم يعد الأمر متعلقًا باستعادة ما فُقد أو إصلاح ما أفسده الزمن، بل بفهم العلاقة المعقدة مع الأب بوصفها جزءًا من تكوينه الشخصي.
النهاية لا تقدم مصالحة مباشرة بقدر ما تمنح شعورًا بالنضج؛ كأن الابن يتصالح مع ماضيه ومع الإرث الذي حاول الهروب منه طويلًا. ولهذا تبدو اللحظة الأخيرة مؤثرة لأنها تعيد تعريف الرحلة كلها؛ حيث لم تكن الرحلة رحلة بحث عن التاج المفقود فقط، بل من خلالها اكتشف البطل أن ما قد نظنه خسارة قد يكون في جوهره شكلًا من أشكال الانتماء.
أخيرًا؛ يثبت هذا العمل، كسابقه، عن موهبة استثنائية تقف خلف الكاميرا. ويُضاف إلى مكتبة مخرجه سامح علاء، الذي تبشر أعماله القصيرة، ومعه أسماء أخرى، بجيل جديد قادر على تقديم شكل مختلف من السينما المصرية.