بوستر فيلم «وقائع زمن الحصار»
على مدخل الشارع الذي أقيم به، أجد لافتةً مضيئةً معلقةً على مبنى أثري في ميدان أسكانيشر بلاتز، تقول تلك اللافتة:
«لا أمتلك أرضًا أخرى».
أراها كل يوم بينما أنا في طريقي للمهرجان أو للفندق، وأتسائل: يا ترى من علق تلك اللافتة؟ هل لها علاقة بما يحدث حولنا في العالم؟
ببحث بصري على جوجل، أجد أنها من صنع فنان اسكتلندي هو ناثان كولي، بالتعاون مع متحف المنفى في برلين، وهو متحف مختص بموضوع/ثيمة النفي. بمزيد من البحث نجد تأويلات مختلفة لتلك اللافتة، فيمكنها أن تتعلق بشكل ما بالنفي من أوروبا في الفترة ما بين 1933 و1945، جراء الحرب العالمية الثانية وحركات الفاشية. ولأن الفن قابل لكل التأويل، وجدت نفسي أتأمل تلك اللافتة كل يوم، وأفكر في فيلم عبدالله الخطيب «وقائع زمن الحصار» المعروض في قسم «وجهات نظر» أو «بريسبيكتيفز» في الدورة الـ67 لمهرجان برلين السينمائي الدولي.
يحكي «وقائع زمن الحصار»، والمتأثر اسمه بالفيلم الجزائري «وقائع سنين الجمر» لمحمد الأخضر حامينا - وربما يأتي ذلك من كون الفيلم إنتاج جزائري فلسطيني مشترك أو لتشابه موضوعات الفيلمين بشكل ما - عن مجموعة ما من البشر واقعين تحت حصار في مدينة مُجهلة لا اسم لها، نستطيع تأويلها أنها غزة أو مخيم لاجئين أو منطقة عربية واقعة تحت الحصار. من خلال خمس قصص، يصور الفيلم لحظات من الإنسانية والفكاهة السوداء والخيارات الصعبة.
تشترك تلك الحكايات بشكل ما في كونها تحكي عن أناس يرغبون في أشياء عادية طبيعية، تتحول تحت وطأة الحصار والقصف إلى مهمة مستحيلة. يلتقط الخطيب تلك الفكرة ليعيد تكرارها في قصص عرفات وشباب محل الفيديو، ووليد وفارس وصديقته وصالح، بينما يبحثون عن رغيف خبز أو سجارة أو شعلة نار للتدفئة أو لحظة حميمية خاطفة أو تبرع بالدم لإمرأة تلد مولودها في عالم قاسٍ.
الحصار في الفيلم لا يتخذ شكلًا واحدًا؛ فهو حصار للجسد في قصة عرفات صاحب محل الفيديو المكتئب الذي يبحث عن رغيف عيش فلا يجده، فيذهب إلى بيته باحثًا عن أي لقمة نسيها في أي مكان في المنزل، ناهيك عن حصار عقله، وهو الممنوع عنه دوائه النفسي. على الجانب الآخر، وبينما يدخل الشباب إلى محل الفيديو الخاص بعرفات احتماءً من حصار القصف، فيجدون أشرطة الفيديو وسجلات المؤجرين لتلك الأشرطة، ويتشاركون حكايات عن حبهم للسينما وعن أفلام مثل «أحدهم طار فوق عش الوقواق» وفيلم «12 رجلًا غاضبًا»، في تحية من المخرج لأفلامه المفضلة ولمحلات الفيديو التي وفرت مساحة خيال في قرى صغيرة، وحُرم روادها من تلك المتعة الصغيرة البسيطة تحت وطأة الحصار.
يجد هؤلاء الشباب أنفسهم أمام خيار صعب لاستخدام تلك الأفلام - الممتلكة لقيمة عاطفية كبيرة لديهم - كمادة لإشعال النيران. هنا الحصار يتخذ شكلًا آخر، حيث يُحاصر خيال هؤلاء الأشخاص، فيضطرون لحرق ذكرياتهم لتلبية غريزة بدائية أكثر أهمية. ربما هنا يكون المجاز هو حرق الذاكرة في مقابل الوجود لبضع ساعات أو أيام أكثر قليلًا.
في الحكاية الثالثة، يتجه الخطيب إلى حكاية أكثر طرافة، فنرى شخصيات منهم من يسرق ثلاجة أو جهازًا كهربائيًا ليبيعهم مقابل نفس سيجارة. خمسة أشخاص - وبينهم دور وليد الذي يؤديه مخرج الفيلم - أمام رجل انتهازي يستغل احتياج كل هؤلاء إلى النيكوتين لاستغلالهم إلى أقصى حد، ويقفون أمامه بشكل إدماني أملًا في تدخين سيجارة وحيدة مجتمعين.
أما في الحكاية الرابعة، نجد فارس يُحرك مجموعة مراقبة باستخدام أجهزة الووكي توكي ليمهد طريقًا آمنًا لحبيبته لتصل إلى بيته، ويحظيا بوقت قليل من الحميمية، يفسده أشخاص باحثون عن مساعدة يطرقون الباب أو خبر سيء يأت من المشفى الميداني.
في المشفى، نجد أنفسنا أمام الحكاية الخامسة، حيث تتداخل الخيوط، وفي نفس الوقت الذي يواجه صديق فارس الموت، تأتي إمرأة تلد إلى المستشفى. يتوفر كيس دم واحد أمام حالتين، كلاهما طارئ إذ تنزف المرأة أيضًا. تتنوع النغمات الدرامية باختلاف الحكايات، لكن كما ذكرنا من قبل فإن كلها رغبات ربما تتوفر لنا بشكل يومي دون أن ندركها، لكن تحت الحصار تصبح قيمتها أغلى من الماس.
يستخدم المخرج مواقع تصوير لقرية مُهدمة، ويستخدم مواقع مختلفة لما يحدث، بدءًا من بيت عرفات الخالي من أي سبيل للحياة، ومحل الفيديو الممتلئ بالأفلام، والساحة العامة التي تُباع فيها أنفس الدخان بكل ما يملك المرء، وبيت العاشق الذي ربما يبدو أكثر رفاهية - مقارنة ببقية المواقع - وأخيرًا المستشفى، التي تبدو كمكان لا يصلح للعيش، فما بالك بعلاج حالات حرجة. إلى جانب ذلك، فعلى المستوى البصري يستخدم المخرج أسلوبًا بصريًا متقشفًا يغلب عليه الألوان الباهتة، فتختفي زهوة الألوان، وتسيطر الألوان الرمادية بأطيافها على المشاهد.
رغمًا عن قسوة تلك الحكايات، فإن الخطيب لا يصور شخصياته كشخصيات خانعة، بل محبة للحياة، محاولة للبقاء وللتمتع بمتعهم الصغيرة رغم كل ما يدور حولهم. ينجح في بعض الحكايات في التقاط الإحساس بشكل أفضل من الأخرى، لكن إجمالًا فإنه يقدم فيلمًا يصور كيف تبدو الحياة اليومية تحت استمرارية الحرب، سواء كانت في غزة أو في مخيم لاجئين في لبنان أو في أي مكان آخر.