فن

الفن والخوف: ما الدافع وراء صُنع الفن؟

لماذا نصنع الفن رغم الخوف والشك وعدم اليقين؟ قراءة في كتاب الخوف والفن تستكشف رحلة الإبداع، ومصدر الأفكار، وما يجعل الفنان يواصل طريقه رغم كل الصعوبات.

future غلاف كتاب «الفن والخوف»

بينما يُخلق العباقرة مرة كل قرن أو نحو ذلك، يُصنع الفن الجيد طوال الوقت. صُنع الفن هو نشاط إنساني ومألوف، ممتلئ بكل المخاطر والمكافآت التي تصاحب أي جهد نافع.

وليست المصاعب التي يواجهها صُنّاع الفن بالمنعزلة أو البطولية، بل هي شائعة ومعروفة.

يصلح النص الأعلى للتأسيس حول أن المشكلات التي تقابلها أنت كصانع فن (رسام، كاتب، مخرج، مؤلف، موسيقار، ..) ليست فردية، بل هي مشتركة بين العديد من صُنّاع الفن الآخرين، وهذا مُبشر جدًا، كونه يعني بشكل غير مباشر أن لهذه المشكلات والعقد حلولًا اكتشفها السابقون، وحيلًا أبدعها أُناس آخرون.

(١)

الجزء الأول: كيف يُصنع الفن؟ وما طبيعة الصعوبات التي تعترض كثيرين ممن بدأوا؟

«يعني صُنع الفن، الآن، العمل في مواجهة عدم اليقين، يعني العيش مع الشك والتناقض، وفعل شيء لا أحد يهتم كثيرًا إذا كنت تفعله، وقد لا يجذب جمهورًا، ولا يلقى مكافأة».

ما الدافع وراء صناعة الفن إذًا؟ ولماذا قد يختار عاقلٌ هذه المعاناة؟

بالرغم من كل تلك المصدات والحواجز التي قد تقف أمام الشخص الذي يسعى لصناعة وتقديم فنه الخاص، إلا أن عملية صناعة الفن تظل ساحرة، وقادرة على جذب (ندَه) عدد كبير من البشر!

يضع الكتاب يده على نقطة محورية بالنسبة لعملية صناعة الفن في العصر الحديث بقوله: «يعني صُنع العمل الذي تريده أن تجد روافد الإمداد داخل العمل نفسه، هذا ليس عصر الإيمان والحقيقة واليقين».

ومن خلال تجربة شخصية مر بها كاتب هذه السطور؛ عند كتابة كتابه الأول، وقت لم يكن يعرفه أحد، ولم يكن قد بدأ في نشر المقالات بشكل موسع، وكانت هذه التجربة، تجربة تأليف كتاب كامل، أول تجربة له في العمل على عمل كبير متكامل بهذا الشكل.

كان بداخلي وقتئذٍ الكثير من الأسئلة عن: من قد يكون مهتمًا بقراءة هذا الكتاب؟ وهل هناك من يعرفني من الأساس؟ وهل أستطيع تأليف كتابٍ بالكامل؟ وهل سيتم نشره؟ وهل من الممكن أن ينال إعجاب من يقرأه؟ ومن الذي سيقرأ أول عمل لكاتب غير معروف من الأساس؟

استمرت عملية الكتابة، رغم كل هذه الأسئلة المُعطلة، ستة أشهر إلى أن خرج الكتاب إلى النور. وما أظنه كان سببًا في إتمام هذه العملية الشاقة المرهقة هو أن روافد الإمداد كانت من داخل العمل نفسه. حيث كانت رحلة البحث والمعرفة قبل الكتابة، والانبهار، ولحظات السحر أثناء الكتابة نفسها، كافية لإمدادي بالطاقة اللازمة لاستكمال العمل على الكتاب.

ولهذا من أهم المهمات أن يكون العمل الفني نفسه يحمل بداخله، وفي عملية صنعه والعمل عليه، طاقة إمداد لصانعه حتى يستطيع أن يكمل العمل عليه، وتحمل الطاقة والمجهود الكبير الذي يتطلب صنعه.

بعض الافتراضات، هناك بعض الافتراضات التي ذكرها المؤلفان على أساس كونها مساعدة في رحلة صناعة الفن.

أ. ينطوي صُنع الفن على مهارات يمكن تعلمها!

هناك معركة طويلة، وجدال لا ينقضي حول ما إذا كان الفن موهبة إلهية أم مهارة يمكن تعلمها.

وفي حين يظن كثيرون أن الفن موهبة سحرية ومنحة إلهية، وليس بإمكان الشخص العادي تعلمها، على العكس من الحرف الأخرى التي يمكن إتقانها من خلال الممارسة المستمرة، إلا أن هذا الافتراض خاطئ، من وجهة نظر الكتاب على الأقل. فبالرغم من وجود مواهب فذة (فلتات) على مر التاريخ دون دراسة، فإن الممارسة والعمل الشاق يصلان بالشخص العادي/المتوسط إلى نتائج مبهرة. فالفن يصنعه أُناس عاديون.

كل الموضوع أن الأمر يتوقف بشكل كبير على الوقت والمجهود الذي يضحي به كل شخص في سبيل التعلم والتقدم. فنادراً ما يمكن تمييز الموهبة، على المدى الطويل، من المثابرة والكثير من العمل الشاق.

وإذا أردنا مثالًا عمليًا على هذا الأمر، فأمامنا سيرة المخرج الشهير يوسف شاهين، الذي بدأ كمخرج عادي أقل من المتوسط، ويمكن مراجعة أفلامه الأولى للتأكد، ومن ثم في مراحل متقدمة وصل إلى مستوى عالٍ من الموهبة والإتقان.

وإذا كان الفن معتمدًا في الأساس على الموهبة، وليس المثابرة والعمل الجاد، فلماذا يفقد العظماء/ أصحاب الموهبة، في بعض الأحيان، قدرتهم على صناعة فن مبهر؟!

يوضح المؤلفان نقطة مهمة في عملية صناعة الفن، نستطيع من خلالها معرفة أهمية التعرف على النفس أولًا، وتقبلها للوصول إلى نتيجة مرضية تشبهنا عند صناعة فن ما.

كما جاء في المتن: «أن تصبح فنانًا فذلك يتوقف، إلى حد بعيد، على تعلمك أن تقبل نفسك، الأمر الذي يجعل فنك شخصيًا، وعلى اتباع إحساسك الخاص، الذي يجعل عملك مميزًا».

وهذا أمر واضح للغاية في مسيرة أي فنان متميز في مجاله، مثل: يوسف شاهين في صناعة الأفلام، ونجيب محفوظ في كتابة الرواية، وإبراهيم أصلان في القصة، وغيرهم.

في كل عمل من صناعة هؤلاء يمكننا بكل بساطة إدراك أن هذا العمل يشبه، بشكل كبير لا يمكن إغفاله، شخص صانعه.

وهذا بالفعل ما يميز عملًا عن الآخر، كون صانع هذا العمل مختلفًا لا يشبه شيئًا آخر، يتوقف على كون صانعه مختلفًا عن الآخرين، شريطة أن يكون قد تعرف على نفسه، وقطع شوطًا في التعرف عليها وتقبلها، ليصل بفنه إلى مستوى خاص وشخصي يجعل من عمله هذا مميزًا عن غيره.

 ب. الفن يصنعه أشخاص عاديون.

«ليس بالمخلوقات المنزهة حاجة إلى صُنع الفن».

لماذا نصنع الفن إذًا؟ وماذا يعني لنا صنعه؟ يشير النص السابق إلى أن «عيوبنا ونقاط ضعفنا، على الرغم من أنها تشكل، على الأغلب، عوائق في طريق إنجاز أعمالنا، فإنها كذلك مصدر قوة».

فلولا هذا الضعف الإنساني ما وُجدت العواطف الإنسانية الجميلة التي تنتج أحيانًا الأعمال الإنسانية العظيمة، إن الضعف هو أيضًا مظهر جمالٍ في بعض الأحيان، لا يجب أن ننسى ذلك كما يقول توفيق الحكيم.

أما بخصوص سؤالنا؛ لماذا نصنع الفن إذًا؟ وماذا يعني لنا ذلك؟

فهناك بالفعل شيء بخصوص صُنع الفن يتعلق بتجاوز العقبات. أتذكر جيدًا أنني في الفصل الأخير من كتابي أضفت فصلًا عن فيلم (حب في الزنزانة)، تحدثت من خلاله عن فكرة الحب المحرم، وذكرت تجربة شخصية معقدة لم أستطع تجاوزها أو فهمها جيدًا إلا بعد الكتابة عنها أثناء هذا الفصل، فمن خلال الكتابة اتضحت أمور بشكل لم أكن أتوقعه أبدًا، وكأن هناك من أمسك بالقلم يكتب دون إرادة أو وعي مني.

الأمر غريب، وليس من السهل شرحه، ولكن الحقيقة هي أن صناعة الفن قادرة على جعلنا نتجاوز العقبات. ومهما حاول البعض شرح الأمر، إلا أن التجربة هي التي ستكون دليلًا لا يمكن إنكاره.

يعود المؤلفان من جديد للتأكيد على أهمية كون الفنان يجب أن ينشغل بالأساس بعملية صناعة الفن، والأهم أن يكون هذا الفن يعني له شيئًا. فإذا «لم يخبرك صُنع الفن (أنت، صانعه) بالشيء الكثير عن نفسك، عندها سيكون من المستحيل أن تصنع الفن الذي يعني لك شيئًا».

وهذا عايشته بشكل أوضح خلال تجربتي الشخصية مع العمل على وثائقي، تعرفت من خلاله على جوانب كثيرة لم أكن مكتشفها في نفسي، حدث ذلك أيضًا خلال تجربتي مع الكتاب، وكذلك المقالات التي أكتبها.

الأمر ساحر؛ في حين أننا نكتب لمحاولة الفهم، سريعًا ما تنفك العقد وتتضح الرؤى خلال عملية العمل على صناعة الفيلم/ الكتاب/ الفن.

ومن بعد فهم هذه النقطة توجه المؤلفان لتوضيح نقطة مهمة بخصوص الفارق بين نظرة المشاهدين/ متلقي الفن، وبين نظرتك أنت كصانع. فـ"ما يهم بالنسبة لجميع المشاهدين، عداك، هو المنتج؛ العمل الفني المنتهي. أما بالنسبة إليك، وإليك وحدك، فما يهم هو العملية؛ تجربة صياغة هذا العمل الفني".

لذلك دائمًا ما يكون تقدير العمل الفني بالنسبة لصانعه مختلفًا بشكل كلي عن تقدير المشاهدين.

حيث إن «انشغالات المشاهدين ليست هي انشغالاتك».

في ورشة ما كنت أعمل على تطوير سيناريو فيلم قصير يحكي قصة حب كنت طرفًا فيها في يوم من الأيام.

لذلك أستطيع القول إن تجربة كتابة وتطوير هذا العمل كانت ممتعة جدًا، وأدركت من خلالها أشياء عن نفسي، وعن العلاقة التي مررت بها.

مبهر كيف يساعدنا العمل على قصة تهمنا بالفعل في معرفة أنفسنا. الغريب والمفاجئ أن السيناريو نفسه لم يكن على درجة عالية من الجودة، وتلقيت من المُدرب/المطور عددًا من التعليقات السلبية، عملت على تنفيذها فيما بعد، ولكن ما أحاول قوله هو أنه بالفعل بالنسبة إليك وحدك ما يهم هو العملية والتجربة التي تعايشها خلال العمل على صناعة العمل.

فالأثر النفسي الذي خلفه العمل عليّ، هذا الفيلم، كان بمثابة مفاجأة لي بعد تلمس أثره، مع التحفظ الشديد على جودة العمل الفنية في الأخير.

ومن الأشياء المهمة إدراكها أيضًا تقبل الخطأ وعدم توهم الكمال لمواصلة التجربة، لأن التجربة والعمل هو ما يعرفنا على أنفسنا، ويساعدنا على اكتشاف ما نريده فعلًا، واكتشاف أسلوبنا الخاص.

«فوظيفة الغالبية العظمى من أعمالك الفنية هي فقط أن تعلمك إنجاز النزر اليسير من أعمالك الفنية».

فرحلة يوسف شاهين، على سبيل المثال، كانت هي الطريقة التي تعلم بها، وهي السبب في وصوله إلى النضج الفني الذي توصل إليه في النصف الثاني من عمر تجربته الفنية. لذلك «أحد الدروس الأساسية والصعبة التي يتعلمها كل فنان، أنه حتى أعمالك الفاشلة ضرورية».

(٢)

نعود للسؤال الذي بدأناه؛ ما الدافع وراء صنع الفن إذًا؟ ولماذا قد يختار عاقلٌ هذه المعاناة؟

أحد أهم الأسئلة التي يحاول الكتاب الإجابة عنها وتوضيحها.

ويبدأ الفصل الثاني باقتباس لستيفن ديستلبر يقول فيه: «لا يشرع الفنانون في العمل حتى يصبح الألم الناتج عن عدم العمل أكبر من الألم الناتج عن العمل».

يفسر هذا جانبًا من إصرار الفنان على الاستمرارية مع الضغوط والعوامل المحبطة الكثيرة التي يواجهها.

الفن الحقيقي يكون الدافع من ورائه شخصيًا، والعائد المنتظر منه عائد معنوي، مثل: تخفيف ثقل حمل تجربة ما من خلال الحكي عنها، أو اكتشاف الذات من خلال إعادة النظر من جديد في علاقته بأشخاص أو ذكرى ما.

يربط الكتاب، كذلك، بين صناعة الفن وإحساس الشخص بذاته: «تُعد رغبتك في صُنع الفن، سواء كان فنًا جميلًا، أو مؤثرًا، جزءًا لا يتجزأ من إحساسك بهويتك. بمجرد أن يرتبط الفن بالحياة، سرعان ما يصحبان متلازمين».

وقد تكون هذه من أكبر المشكلات التي يواجهها الفنان في طريقه، حيث إنه دائمًا ما يربط بين تقييم المُنتج الفني، وبين تقييم ذاته كشخص.

وهذا الفخ كثيرًا ما نقع فيه لأننا، نتيجة للصدق الذي نعمل به على أعمالنا، ونتيجة لقربها منا بشكل شخصي، ونتيجة لما يمثله هذا العمل بالنسبة لنا، نربط بين تقييمه كمنتج وبين تقييمنا لأنفسنا.

القبول

من المعضلات التي تواجه الفنان أيضًا؛ معضلة قبول الجمهور لعمله، وكون هذا العمل مفهومًا، ومرضيًا عنه من الجمهور أم لا. ولكن، هل في الأصل يجب أن ينال عمل الفنان قبولًا وترحيبًا من الجميع؟ وهل يجب أن ينشغل الفنان بذلك؟

في الواقع، الأهمية التي تقع على عاتق الفنان هي كون هذا العمل يشبهه، وجزءًا منه فعلًا، وأن هذا العمل يشغله بشكل كبير، وحقيقي، وليس ادعاءً.

وهذا ما يحدث عندما يتبع الفنان قلبه أثناء صنعه للفن. «باتباعك لقلبك، من المحتمل أن عملك لن يكون مفهومًا للآخرين. ليس على نحو فوري على الأقل، وليس لجمهور عريض.

معضلة جديدة من المعضلات التي يقابلها صانع الفن أثناء عمله على الفن الخاص به. فكثيرًا ما تُقابل الأعمال الفنية في بدايتها بالرفض والنقد والتهكم. والأمثلة على ذلك، من الواقع، كثيرة. ففي وقت ما كانت أفلام كل من خيري بشارة، وداوود عبد السيد، ويوسف شاهين، وآخرين، تقابل بالنقد الحاد.

أما عند النظر إليها الآن، فهي تشكل جزءًا محوريًا من تاريخ السينما المصرية.

ولكن ليس هذا الأمر بالأمر الذي يفتخر به صانع الفن. «لأن رغبة الفنان بأن يكون مفهومًا هي احتياج أساسي، وتأكيد على الإنسانية التي تشاركها مع كل من حوله».

ولكن يكشف لنا المؤلفان خطورة هذا الاحتياج لأنه «من خلال صُنعك لعملك الحقيقي، فإنك تمنح الجمهور سلطة إنكار التفهم الذي تسعى إليه، تمنحهم السلطة ليقولوا: أنت لست مثلنا، أنت غريب الأطوار، أنت مجنون».

وبالرغم من ذلك، فلا يمكن إنكار أن الجمهور، في كثير من الأحيان، قد يكون محقًا، فمن بين الأسماء التي تحتفي بمكانتها الآن، وتعرضت للرفض في بدايتها، هناك الكثير غيرهم استحقوا هذا النقد.

الخوف الحقيقي من معضلة حاجة الفنان للاعتراف بفنه عند «الاستجابة لمخاوفك من ألا تكون مفهومًا، تجعلك خاضعًا لجمهورك. في أبسط السيناريوهات، وأشدها فتكًا مع ذلك، تخفف الأفكار إلى ما تتصور أن بوسع جمهورك أن يتخيله، مما يؤدي إلى عمل متعالٍ أو متعجرف أو كليهما. والأسوأ من ذلك أن تتخلى عن رؤيتك الأكثر سموًا من خلال هذه العملية».

ولدينا قصة المخرج المصري سعيد حامد تصلح مضرب المثل للتدليل على ذلك، فهو صاحب الفيلم الرائع«الحب في الثلاجة»، أول أفلامه، ولكنه قرر بعدها التخلي عن رؤيته الخاصة في مقابل كسب رضا الجماهير، ورضوخًا منه لمعادلة شباك التذاكر، فتغير الاتجاه تمامًا. والغريب أننا، الآن، نرى احتفاءً كبيرًا بعمله الأول، وتجربته الأولى.

ولذلك ينصح المؤلفان، وكذلك كاتب هذه السطور؛ «غنِّ الأغنية النابعة من قلبك، وعاجلًا أم آجلًا، سيقبل العالم الصوت الأصيل ويكافئه».

تبدو المعضلة واضحة بالنسبة إلى الفنان: تعرض لخطر الرفض باستكشاف عوالم جديدة، أو تملق لنيل القبول باتباع مسارات مستكشفة جيدًا.

((المرجعية الذاتية)) - من أين تأتي الأفكار؟

«المرجعية الذاتية، والتكرار، والمحاكاة الساخرة، والهجاء... أيكون الفن شيئًا إن لم يكن حميميًا؟»

الآن، بعد إدراكي للأمر، يمكنني إرجاع معظم الأعمال -مقالات أو أفلام- إلى شيء شخصي جدًا، فمثلًا، لم تكن كتابتي عن أروى صالح سوى ستار للكتابة عن نفسي، فمن خلال حكايتها نفذت إلى صراع شخصي مع الانتحار.

وكذلك في مقال بعنوان: (العقل، الجنون، المعرفة.. مسارات لا متناهية)، والذي أتحدث فيه عن حدود العقل وعالم الأفكار، وعلاقة الفن بالجنون، وغيرها من الأسئلة التي كانت تشغلني بشكل شخصي، وكانت تجربة كتابة المقال في داخلها رحلة للبحث عن إجابات ومحاولة للفهم.

«وبتحويل النقطة المرجعية إلى الداخل، يتضح عند مستوى ما، أن كل الفن هو سيرة ذاتية -حتى الأعمال الخيالية أو العجائبية الواضحة، تبقى سيرًا ذاتية على المستوى العاطفي».

فمهما بدا العمل الفني غريبًا ومختلفًا عن صانعه، فهو في جوهره تعبير عما في جوف صانعه.

«وإذا كان الفن يدور حول الذات، فإن النتيجة الطبيعية المقبولة على نطاق واسع، هي أن صُنع الفن يدور حول التعبير عن الذات، وهكذا يكون.. لكن ليس ذلك بالضرورة كل ما في الأمر. قد يكون مجرد ملمح عابر، من ملامح عصرنا، أن يقدم التحقق من إحساسنا بهويتنا باعتباره سببًا رئيسيًا للحاجة إلى صُنع الفن، ما يفقده هذا التأويل هو معنى قديم يقول إن الفن هو شيء تفعله في العالم، أو تفعله حيال العالم، أو حتى تفعله من أجل العالم. قد لا تنبع الحاجة إلى صُنع الفن من الحاجة إلى التعبير عن هويتك فقط، ولكن من الحاجة إلى إتمام العلاقة مع شيء ما خارجك. بوصفك صانعًا للفن، فأنت مسؤول عن قضايا أوسع من الذات».

لذلك فإننا نرى أن اختزال الفن في كونه فعلًا ذاتيًا خالصًا، يبدو تصورًا ناقصًا لطبيعة العملية الفنية نفسها. فالفن لا يولد فقط من الداخل، بل من الاحتكاك الدائم بين الداخل والخارج؛ بين الإنسان والعالم، بين التجربة الفردية وما يحيط بها من أسئلة ووقائع وتناقضات. وحتى أكثر الأعمال ذاتية وحميمية تحمل في داخلها أثر الزمن الذي وُلدت فيه، والناس الذين مروا عبر صاحبها، والأفكار التي تصارع معها. لذلك يصبح النظر إلى الفن بوصفه مجرد "تعبير عن الذات" نوعًا من التضييق لمعناه الواسع، وكأن الفنان لا يفعل سوى الإنصات لصوته الداخلي، بينما هو في الحقيقة يحاول أيضًا الإنصات لما هو أبعد من ذاته؛ للواقع، وللآخرين، وللأشياء التي يعجز العالم العادي عن قولها مباشرة. فالفن ليس فقط كشفًا للنفس، بل محاولة لفهم العالم، أو إعادة ترتيبه، أو حتى مقاومته أحيانًا.

«قد يكون الدافع لبعض الناس الذين يصنعون فنًا، هو الإلهام، ولآخرين، هو التجربة، ولآخرين غيرهم، هو اليأس. يتيح صُنع الفن النفاذ إلى عوالم قد تكون خطرة، أو مقدسة، أو محظورة، أو مغوية، أو كل ما سبق. يتيح النفاذ إلى عوالم ربما لم تكن قط، لنقتحمها بالكامل، بغير ذلك من الطرق. في الواقع، قد يكون الاقتحام، وليس الفن، هو ما تسعى إليه. يمكن الاختلاف في أن صُنع الفن يتيح لك، بل يضمن بالفعل، أن تعلن عن نفسك. الفن هو التواصل، ويكشف فنك بالضرورة هذا التواصل. بصُنعك للفن، تعلن عما هو مهم».

الخاتمة

في النهاية، لم تكن هذه المقالة سوى محاولة متواضعة للاشتباك مع أفكار كتاب «الخوف والفن»، ومحاولة أخرى للاشتباك مع تلك الأسئلة التي لا تكف عن الدوران في عقل صانع الفن؛ الأسئلة التي تبدو وكأنها جزء أصيل من عملية الخلق نفسها. لماذا نصنع الفن؟ وما الذي يمثله لنا فعل الصناعة هذا؟ ولماذا قد يختار إنسان عاقل كل هذا القلق والمعاناة وعدم اليقين؟ كيف تولد الأفكار أصلًا؟ ومن أين تأتي تلك الرغبة المستمرة في الحكي والتعبير وإعادة النظر إلى العالم؟ أسئلة ربما لا تملك إجابات نهائية بقدر ما تملك قدرة دائمة على فتح أبواب جديدة للتأمل والتفكير.

ورغم كل ما سبق، فهذه المقالة لا يمكنها بأي حال أن تكون بديلًا عن قراءة الكتاب نفسه، ربما يكون دورها الحقيقي هو التحفيز على قراءته، والاشتباك المباشر مع أفكاره، ومحاولة بناء علاقة شخصية مع الأسئلة التي يطرحها. كانت هذه محاولة شديدة التواضع مني للاشتباك مع الكتاب، إيمانًا بأهمية ما يقدمه من أفكار.

top-ads

# فن # سينما

The Black Mirror Experience: عندما لا نكتفي بمشاهدة الكابوس… بل نصبح جزءاً منه
ما وراء السجادة الحمرا.. عن دور المهرجانات في دعم صناع الأفلام الشباب
من الشاشة إلى التجربة: لماذا صارت مسابقات الأعمال الغامرة ضرورة في مهرجان كان؟

فن