فن

الجواهر الخفية من السينما المصرية: «شحاتين ونبلاء»

«شحاتين ونبلاء» تجربة فلسفية آسرة من قلب السينما المصرية، فيلم استثنائي يغوص في أعماق النفس ويعيد طرح أسئلة الوجود الكبرى؛ فهل العيش بلا معنى راحة أم فراغ؟

future بوستر فيلم «شحاتين ونبلاء»

مفتتح

في نهاية النصف الأول من القرن الماضي، وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي تمثل لحظة انكسار المثقفين، ينعزل أستاذ جامعي في بيئة شديدة الفقر بغرفة نائية نائمًا على سطح الأرض المفروش بالجرائد التي تصرخ بأخبار وصراعات العالم. هكذا نبدأ فيلمنا «شحاذون ونبلاء»، للمخرجة أسماء البكري، في تجربة شديدة التفرد تنسج من عالم الروائي المصري الفرانكفوني ألبير قصيري حكاية شديدة التعقيد مليئة بالأسئلة الفلسفية الصعبة، والمحيرة.

قد يكون اسم المخرجة أسماء البكري غير مألوف للقارئ نتيجة قلة أعمالها، والتي تبلغ ثلاثة أفلام روائية، أضف إلى ذلك نوعية تلك الأعمال التي تتمتع بنوع من الخصوصية، يمكن وصفها أحيانًا بالتعقيد من المشاهد العادي بسبب ما قد يواجه المتفرج من صعوبة فهم.

وهذا يدل على خصوصية عالم أسماء البكري، التي أخذت على عاتقها الاهتمام بالأسئلة الكبرى، والمواضيع الفلسفية التي نادرًا ما نراها في السينما المصرية التي تقيد نفسها في عوالم محددة مكررة تضمن لصناعها النجاح والاستمرارية.

لذلك يمكن إرجاع السبب وراء قلة الإنتاج الذي أصاب مشروع المخرجة الفني إلى السبب نفسه الذي عانى منه المخرج المعروف يوسف شاهين، الذي كثيرًا ما تم اتهام أعماله بأنها غير مفهومة ومعقدة. غير أن يوسف شاهين نجح في الاستمرار معتمدًا على الإنتاج المشترك في بدايته ثم الإنتاج الشخصي بعد ذلك. بينما لم تفلح أسماء في تخطي هذه العقبة وتعثرت أمامها.

ويعد فيلمها «شحاذون ونبلاء»، أكثر أعمالها تماسكًا ونضجًا. ويشكل هذا الفيلم نافذة يمكن من خلالها الولوج إلى عالم أسماء البكري، وعالم صاحب النص الأصلي الروائي والمفكر ألبير قصيري، الذي يمكن تلخيص فلسفته إن جاز لنا ذلك، في تعبيره عن السعادة؛ بأن الذي لا يملك شيئًا هو السعيد، لأنه ليس لديه ما يضيعه، أو يفقده فيحزن عليه، فعدم الملكية هو الحكمة، لقد كان يكره أن يكون محاطًا بالأشياء، لذا فإنه لم يسع إلى تملك شيء ما، لا منزل، ولا غيره، وعاش في غرفة فندق (لا لويوزيان) ستين عامًا، ومات هناك.

عالم الفيلم

في عالم من المهمشين والصعاليك شديد الفقر، وبعد أن تقدم لنا شخصيات العمل شديدة التميز؛ جوهر، ويكن، والكردي، الصعاليك الثلاثة بالإضافة إلى الضابط نور الدين. تضع أمامنا المخرجة جريمة قتل محيرة بلا دافع، ويحاول الضابط الكشف عن ملابساتها، وخلال هذه الرحلة يتكشف لنا جوهر الحكاية. وتنقسم هذه المقالة إلى جزأين؛ الأول- نقدم فيه شخصيات هذا العالم الفريد، والثاني نطرح فيه الأسئلة التي وضعها أمامنا صناع العمل محاولين الاشتباك معها.

الجزء الأول: الشخصيات

أ- جوهر (صلاح السعدني) بعبقرية ترسم لنا أسماء البكري مبكرًا ملامح الشخصية من خلال المشهد الأول الذي يستيقظ فيه جوهر على ماء الغُسل في غرفته الفارغة الدالة دلالة واضحة على حياة التقشف التي يعيشها. من ملابس الشخصية، وملامح المكان الجاف، والبيئة بشكل عام، يدفعنا ذلك كله للحكم على شخصية جوهر بشكل متسرع ونؤطره في فئة معينة، إلا أننا نتفاجأ بأنه أستاذ جامعي. مما يدفعنا للتساؤل حول الأسباب التي دفعته إلى ذلك؟ ومن هذا التساؤل تتكشف لنا ملامح الشخصية. جوهر يعتنق الفلسفة العدمية؛ وهي مذهب فكري يرى أن الحياة تفتقر إلى معنى جوهري، أو غاية، وهي مدرسة لا تؤمن بالقيم الأخلاقية المطلقة أو المعرفة اليقينية.

من خلال مشاهد الفلاش باك، نعرف أن جوهر لم يكن على هذا النمط منذ البداية، بل يبدو أنه في الماضي أكثر حيوية، واشتباكًا مع الواقع، وفي لحظة ما تحول إلى غير مبالٍ تحت مظلة العدمية. قد يكون هذا نتاج إخفاق متتالي في إصلاح العالم، وقد يكون راجعًا إلى الانخراط الزائد في الواقع أكثر من اللازم. يتساءل الضابط نور الدين هو الآخر عما الذي يدفع أستاذًا جامعيًا إلى ترك عمله متجهًا لحياة الصعاليك؟ يرد جوهر عن ذلك، بقوله: أنا بعيش كده لأني بحب أعيش كده، حياة من غير قيود. فما هي القيود المقصودة؟

ب- نور الدين (عبد العزيز مخيون) يمكن اعتبار شخصية الضابط نور الدين بطل الحكاية رغم أنه ليس بطل الفيلم. ولكنه الشخصية الوحيدة التي يحدث لها تغيير، وتتطور عبر رحلة الفيلم، وتتغير قناعته؛ حيث ينتهي عند نقطة غير التي بدأ عليها. يبدأ نور الدين ضابطًا عاديًا يبحث عن تحقيق العدالة وتطبيق القانون، ولكنه يصطدم بفلسفة جوهر التي تُحدث تغييرًا جذريًا في حياته. فإذا عدنا إلى سؤال: ما هي القيود المقصودة؟ فيمكننا لمسها هنا في شخصية الضابط كونه لم يتحرر منها بعد، فهو مقيد بقيود المجتمع فنراه يحاول جاهدًا إخفاء حقيقة علاقته مع صديقه الذي يبدو بينهما علاقة حب يرفضها المجتمع.

والقيد الثاني؛ القانون؛ تلك النصوص القاصرة أمام الواقع. في حوار فلسفي مرير، يواجه نور الدين سؤالًا من جوهر: «إنت عايز التقدم ولا راحة البال؟». سؤال بسيط ظاهريًا، لكنه يهزّ أساس التصورات الأخلاقية التي نشأ عليها الضابط. كيف يمكن للمرء أن يسعى للعدالة، وهو يطارد المعدمين في الأزقة، فيما تشتعل الحروب على مرمى حجر؟ هل النظام القانوني هو شكل من أشكال العدالة، أم مجرد قناع للسيطرة؟ هذه الأسئلة لا تنتمي فقط لخيال سينمائي، بل تلتقي مع لبّ أطروحة خيانة المثقف: حينما يصمت العقل أمام السلطة، أو حين يتحوّل إلى خادم لها، فلا فرق كبير بين مثقف يحتمي بالهيروين، ورجل أمن يبرّر القهر باسم القانون.

وخلال رحلة الفيلم يتحرر نور الدين من هذه القيود؛ ففي مشهد نراه يعرف صديقه إلى جوهر دون مبالاة أو أي اعتبارات لمكانته وشكله الاجتماعي. وفي مشهد آخر يرمي الطربوش على صورة الملك، وفي النهاية مشهد معبر عن ذروة التغير عندما يمشي كصعلوك في الشوارع في صورة يتشابه فيها مع جوهر ويكن والكردي.

ج- الكردي (محمود الجندي) موظف الحكومة الحالم المتأثر بالأدب الغربي.
د- يكن (أحمد آدم) وهو تلميذ جوهر المخلص.

الجزء الثاني: ((الأسئلة))

ينتهي الفيلم تاركًا بداخلنا الكثير من الأسئلة المعقدة التي تحتاج الإجابة عليها جهدًا جهيدًا من التفكير والتفكر والتأمل والتدبر. وتبرز عبقرية المخرجة أسماء البكري كونها غلفت تلك الأسئلة الفلسفية المُحيرة إطار حكاية سينمائية مُسلية ومحبوكة. ومن بين تلك الأسئلة التي يطرحها العمل؛ سؤال من هم النبلاء؟ ومن الشحاذون؟ يملك صاحب النص الأصلي الروائي ألبير قصيري إجابة جاهزة، وكذلك انحازت للإجابة نفسها المخرجة في الفيلم، ولكن هل النبل فعلًا ألا تفعل شيئًا؟ تحتاج الإجابة على هذا السؤال محاكمة مذهب العدميين، ورؤيتهم للحياة. فهل فعلًا الحياة ليس لها جوهر أو غاية من ورائها؟ وهل عدم الفعل هو الحل؟ لا يمكن الإجابة على هذا التساؤل إجابة قطعية، فهي تختلف من شخص لآخر، فهناك من يرى غاية من وجوده، وآخر لا يعترف بها.

ولكن في كلتا الحالتين هل العدمية هي الحل؟ فحتى إذا سلمنا بعدم وجود غاية أكبر ألا يكون هذا دافعًا للسعي وخلق معنى أو غاية ذاتية. فهناك مدرسة أخرى على النقيض ترى في عدم وجود غاية مسبقة للحياة، وفي كون الموت نهاية حتمية لكل شيء فرصة تُتيح لكل شخص بناء على إرادته الحرة واختياره الشخصي أن يخلق قيمه ويجعل لحياته معنى وغاية.

يمكن قراءة عدمية جواهر داخل الفيلم في صورة أكبر على أنها خيانة من مثقف لدوره المنوط به اجتماعيًا. فبينما يتوجب على المثقف أن يكون منحازًا للحقيقة والقيم المجردة، يتخلى جوهر هنا عن كل ذلك بعدما أصبح عاجزًا أمام الحروب العالمية، والمجازر البشرية الحاصلة أمام مرمى العالم فمثلت تلك اللحظة انهزام المثقف أمام الواقع، فهي لحظة انهيار للمعنى فقد فيها الإنسان الفعال (المثقف) الإيمان بأي قيمة عليا. وتمثل شخصية جوهر شخصية مثقف أدرك الهزيمة والظلم، ولكنه قرر التواطؤ معه بدلًا من المقاومة مستخدمًا العدمية كمذهب فلسفي يبرر موقفه.

من بين الأسئلة التي يطرحها الفيلم سؤال عن ماهية الواقع؟ كما في المشهد الذي اعترض فيه جوهر على لفظة الواقع عندما أطلقها الضابط نور الدين. يطلق العمل أيضًا أسئلة حول مفهوم السعادة المسماة داخل الفيلم (راحة البال)، فهل نعيش السعادة عندما نكون محاطين بأسباب الرفاهية والأشياء المادية أم عندما نكون خلوًا منها؟ وما الذي يحدث عندما ينخرط الإنسان المثقف في الواقع أكثر من اللازم؟ كلها أسئلة بالغة التعقيد تطلقها أسماء البكري في وجه المشاهد، وتتركها تعبث في دماغه بعد انتهاء المشاهدة.

الخاتمة

مثلت تجربة مشاهدة هذا العمل لأول مرة صدمة كبيرة، أولًا لاكتشاف جوهرة من جواهر السينما المصرية نادرًا ما تجد نقاشًا حولها. وثانيًا؛ دهشة من مستوى العمق الذي يتمتع به العمل، ولأن الأعمال الفلسفية الرصينة نادرة في السينما المصرية لذلك يعد هذا العمل جوهرة مخفية من جواهر السينما المصرية التي تحاول هذه السلسلة من المقالات تقصي أثرها.

وكان من المفترض الكتابة عن العمل فور مشاهدته من عامين لولا أني أجد صعوبة دائمًا في الكتابة عن أفلامي المفضلة خوفًا من ألا تسعفني حصيلتي اللغوية للتعبير عن مشاعري تجاه العمل. ولذلك أتمنى أن أكون قد أجدت الحديث عن هذا العمل الذي يستحق أن نشاهده جيدًا، وأن نجعله محور نقاش في جلساتنا النقاشية حول السينما.

top-ads

# فن # سينما مصرية # سينما

حوار مع المخرج المصري محمد حماد: الفيلم فعل سياسي
الجرأة والتجريب: قراءة في ثلاثة أفلام قصيرة.
معزوفة محفوظ التي لا تبلى: «حديث الصباح والمساء»

فن