أغلفة أفلام: من اليمين «خائنة الأعين»، «ولا عزاء للسيدات»، «تاني يوم»
يمتلك صُناع الأفلام القصيرة هامشًا أرحب من الحرية، على عكس القيود والمضايقات التي يفرضها السوق على الأفلام الروائية الطويلة. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب، من بينها غياب الرقابة الجماهيرية، نتيجة عدم توافر الأفلام القصيرة بسهولة للمشاهدة لدى الجمهور العام، إذ يقتصر عرضها في الغالب على المهرجانات الفنية، التي يتميز حضورها بجمهور نوعي أكثر وعيًا واهتمامًا بالمستوى الفني.
ويُضاف إلى ذلك عدم اكتراث الرقابة الرسمية بها بالقدر نفسه، وهو ما يمكن اعتباره امتدادًا للسبب الأول، حيث تدرك الجهات الرقابية أن الأفلام القصيرة لا تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة يُخشى من تأثيرها أو من ردود الفعل تجاهها.
ومن جهة أخرى، فإن صانع الفيلم القصير غالبًا ما يكون في بداية مسيرته الفنية، ولم يتأثر بعد باعتبارات السوق وضغوطه، ولأن هذا النوع من الأفلام لا يُنتج في الأساس بغرض تحقيق عائد مادي أو إرضاء الجمهور العام، فإن حضوره في دور العرض التجارية يكاد يكون نادرًا.
وتُمثّل الأفلام القصيرة في كثير من الأحيان مرحلة لإثبات الذات، حيث يسعى صانعها من خلالها إلى تقديم رؤيته الخاصة وإبراز قدراته أمام جهات الإنتاج والوسط السينمائي.
وغالبًا ما تتمتع هذه الأفلام بمستوى فني مرتفع، كما تميل إلى الانتماء لما يُعرف بسينما المؤلف.
وفي هذه المقالة نستعرض ثلاثة أفلام قصيرة تتسم بالجرأة، سواء على مستوى الطموح الفني، أو الفكرة، أو أسلوب التنفيذ.
ونفتتح بهذه المقالة أولى حلقات سلسلة مخصصة للحديث والنقاش حول الأفلام القصيرة، التي لا تنال حظها الكافي من النقد والنقاش.
ونختار هنا ثلاثة أفلام، تتباين في الشكل والمضمون، لكنها تلتقي جميعًا عند نقطة أساسية؛ ألا وهي الجرأة:
جرأة الفكرة في فيلم «ولا عزاء للسيدات»، وجرأة الموضوع والحكاية في «تاني يوم»، وجرأة الأسلوب في «خائنة الأعين».
1
خلال مهرجان الجونة السينمائي تم عرض الفيلم المصري «خائنة الأعين»، وهو فيلم أنيميشن = صور متحركة من إخراج الأخوين سعد وعبدالرحمن دنيور.
يأتي فيلم «خائنة الأعين = My brother, My brother»، بوصفه محاولة لافتة داخل سياق نادر نسبيًا في السينما المصرية، حيث يختار صُنّاعه وسيط الأنيميشن لطرح مادة ذات طابع وجودي وإنساني عميق، وهو اختيار يحمل في ذاته رهانًا جماليًا، نظرًا لارتباط هذا النوع في الوعي العام بمضامين أخف أو موجهة لفئات عمرية محددة، في حين يسعى الفيلم إلى تفكيك تجربة إنسانية شديدة الخصوصية عبر بنية سردية مزدوجة تعتمد على ذاكرة مشتركة بين توأمين، وهو ما يمنح العمل منذ لحظته الأولى أفقًا تأمليًا يتجاوز الحكاية المباشرة إلى ما يشبه التأمل في معنى الوجود المشترك والهوية المنقسمة.
يعتمد الفيلم على تقنية السرد المزدوج بوصفها أداة لبناء التوتر الدرامي، حيث تتقاطع وجهتا نظر عمر ووسام في استعادة الماضي، وهو ما يخلق حالة من التداخل بين الذكريات، تجعل من الصعب أحيانًا الفصل بين ما هو فردي وما هو مشترك، وهذه المنطقة الرمادية تمثل أحد أهم مفاتيح القراءة الجمالية للعمل، حيث يتحول التوأم هنا من مجرد علاقة بيولوجية إلى استعارة بصرية ودرامية لفكرة الانقسام الداخلي، أو لما يمكن تسميته بالذات التي ترى نفسها في مرآة أخرى متطابقة معها، وهو طرح يقترب من مفاهيم في علم النفس تتعلق بالهوية.
الانطلاق من لحظة الاتحاد في رحم الأم يمنح الفيلم بعدًا شبه أسطوري، حيث يتم التعامل مع هذه المرحلة بوصفها الأصل النقي للعلاقة، أو الحالة التي لم تتلوث بعد بأي تدخل خارجي، وهو ما يضفي على مسار الأحداث لاحقًا طابعًا تراجيديًا متصاعدًا، إذ يصبح الفراق في النهاية ليس مجرد حدث، وإنما سقوط من حالة اكتمال أولى إلى نقص دائم، وهذا التصور يمنح الموت دلالة تتجاوز النهاية البيولوجية إلى كونه لحظة انكسار لمعنى الوحدة ذاته.
من ناحية البناء، يبدو أن الفيلم يراهن على الذاكرة بوصفها مادة سردية أساسية، وهو رهان يحمل قدرًا من المخاطرة، لأن الذاكرة بطبيعتها انتقائية ومراوغة، وقد يؤدي ذلك إلى تفكك الإيقاع أو غموض العلاقات الزمنية، إلا أن هذا الغموض نفسه يمكن اعتباره جزءًا من استراتيجية جمالية مقصودة، حيث يصبح التشوش انعكاسًا لحالة الشخصيات النفسية، وليس خللًا في البناء، وهو ما يتسق مع طبيعة الموضوع الذي يتعامل مع فقدان تدريجي وتداخل بين الحضور والغياب.
أما على مستوى اللغة البصرية، فإن اختيار الأنيميشن يتيح للفيلم مساحة أوسع للتجريد والتكثيف، حيث يمكن تحويل الحالات الشعورية المعقدة إلى صور ورموز بصرية تتجاوز حدود الأداء التمثيلي الواقعي، وهو ما يمنح العمل إمكانية خلق عالم داخلي شديد الخصوصية، تتجسد فيه الأفكار في هيئة أشكال وألوان وإيقاعات، غير أن هذا الاختيار يضع في الوقت ذاته عبئًا مضاعفًا على مستوى التنفيذ، لأن أي ضعف في التصميم أو الحركة قد ينعكس مباشرة على قدرة الفيلم في إيصال شحنته الشعورية.
يُحسب للفيلم سعيه إلى طرح علاقة التوأم بوصفها علاقة مركبة تتجاوز الصورة النمطية القائمة على التشابه أو التناغم، حيث يفتح المجال أمام احتمالات الصراع الخفي أو التمايز الداخلي، وهو ما يثري البناء الدرامي ويمنحه عمقًا إضافيًا، خاصة عندما يصبح كل من عمر ووسام شاهدًا على الآخر، وراويًا له في الوقت نفسه، وهو وضع يخلق توترًا سرديًا ناتجًا عن تضارب الرؤى أو اختلاف التأويلات.
في المجمل، يمكن النظر إلى خائنة الأعين باعتباره تجربة طموحة تسعى إلى توسيع حدود الأنيميشن المصري عبر مقاربة موضوع إنساني معقد من خلال بنية سردية غير تقليدية، وهو عمل يراهن على الحس التأملي أكثر من اعتماده على الحدث المباشر، ويطرح أسئلة تتعلق بالهوية والذاكرة والفقد دون أن يقدم إجابات جاهزة، الأمر الذي قد يجعله أقرب إلى تجربة فكرية وشعورية مفتوحة على التأويل، وهو ما يمثل في حد ذاته قيمة فنية داخل سياق إنتاجي يميل في كثير من الأحيان إلى الوضوح والتبسيط.
2
في فيلمه الأول، ومشروع تخرجه من معهد السينما، يقدم لنا المخرج الشاب محمود زين حكاية جريئة عن هيام، الفتاة العشرينية التي ينشأ عن موتها صراعٌ بين أخويها حول ما يجب فعله بعد ظهور علامة (love bite) على جسدها عقب الوفاة.
ومن خلال هذا الموقف يطرح صُنّاع العمل سؤالًا كاشفًا عن الكيفية التي يتعامل بها المجتمع مع جسد المرأة، إذ يُنظر إلى هذا الجسد بوصفه إشكالية في حياتها وبعد مماتها.
إنه موقف مزلزل يكشف عن بنية المجتمع وكيفية تعامله مع المرأة، وهو أيضًا موقف مرعب، حيث نرى من خلاله المرأة مسلوبة الحرية في حياتها وبعد موتها.
فبعد موت هيام، يكشف الأخوين هذه العلامات على جسدها مما يضعهم في مأزق، ويتصاعد التوتر مع وصول المغسلة التي جاءت لكي تغسل الجثة، وما يزيد الطين بلة أن المغسلة لها ماضٍ سيء مع شقيق هيام.
فتبدو الفرصة سانحة للانتقام، أو على الأقل هذا ما يقلق شقيقها، ويضعه في مأزق لا يعرف الفكاك منه.
تتجلى قوة الفيلم في قدرته على تكثيف هذا السؤال داخل موقف واحد شديد التركيز، إذ لا يسعى إلى التوسع الأفقي في الحكاية بقدر ما يغوص عموديًا في لحظة كاشفة، تجعل من الجسد الأنثوي مركزًا للصراع الرمزي، حيث يتداخل الشرف بالمراقبة، وتتقاطع السلطة الذكورية مع خطاب أخلاقي متوارث، ينتج في النهاية موقفًا عبثيًا من حيث منطقه الإنساني، ومخيفًا من حيث دلالاته العميقة.
ومن خلال هذا الطرح، يقترب الفيلم من تفكيك بنية اجتماعية راسخة، تتعامل مع المرأة بوصفها كيانًا محاطًا بالضبط والرقابة، حيث لا يُنظر إلى جسدها باعتباره ملكية فردية أو امتدادًا لذاتها، وإنما باعتباره موضوعًا عامًا يخضع لتفسيرات الآخرين وأحكامهم، وهو ما يجعل الموت ذاته غير كافٍ لتحريرها من هذا القيد، لتظل خاضعة لنفس المنظومة التي كانت تتحكم في وجودها وهي على قيد الحياة.
على مستوى المعالجة، يبدو أن الفيلم يراهن على الصدمة بوصفها أداة درامية، حيث يُوظف الموقف المركزي لإحداث حالة من الارتباك لدى المتلقي، تدفعه إلى إعادة التفكير في المسلمات التي قد تبدو مألوفة في سياقها اليومي، وهو رهان يحمل قدرًا من الجرأة، لأن الصدمة قد تتحول إلى غاية في ذاتها إذا لم تُدعّم برؤية أعمق، غير أن ما يميز العمل هو أن هذه الصدمة تنبع من واقع اجتماعي يمكن التعرف عليه بسهولة، وهو ما يمنحها مصداقية ويجعل أثرها ممتدًا.
كما ينجح الفيلم في خلق مناخ ثقيل ومقلق، يستمد توتره من الفكرة أكثر من اعتماده على الحدث، حيث يتحول الحوار المحتمل أو الصراع بين الأخوين إلى انعكاس لصوت المجتمع بأكمله، فيصبح كل منهما حاملًا لوجهة نظر أوسع من شخصه، وهو ما يضفي على المشهد طابعًا رمزيًا يتجاوز خصوصية الحكاية.
في النهاية، يمكن النظر إلى (ولا عزاء للسيدات) بوصفه عملًا يحمل طموحًا فكريًا واضحًا، يسعى إلى مساءلة نظرة المجتمع إلى المرأة من خلال موقف مكثف وقاسٍ، ويطرح تساؤلات أخلاقية تتعلق بالأخلاق والحرية والكرامة.
يحسب للعمل خروجه في صورة احترافية لا نراها كثيرًا في مشاريع التخرج، غير أن العمل لم ينجُ من بعض الأخطاء التي تظهر في التجارب الأولى، فرغم تميّزه، لم يكن أداء الممثلين مقنعًا، وجاء متخبطًا بين المبالغة والبرود أحيانًا. كما ينتهي الفيلم بنهاية توحي بنوع من الاستسهال للهروب من المأزق والموقف المتوتر الذي وضعنا فيه المخرج إلى جانب شخصياته.
والمشكلة الأكبر كانت في وقوف الفيلم عند فكرته، واعتماده على الصدمة التي تحدث للشخصيات دون أن يتخطى ذلك ليقدم حكاية كاملة متماسكة وشيقة.
ومع ذلك، يظل عملًا جيدًا ومتماسكًا، يبشر بصُنّاع موهوبين، خاصة مدير التصوير الذي قدّم صورة بصرية مميزة، تُعد من أبرز عناصر التميز في العمل.
3
فيلم «تاني يوم»، يحكي تفاصيل اليوم الثاني من حياة فتاة بعد إقامة علاقة مع صديقها علي. تتأمل المخرجة هنا تفاصيل هذا اليوم بعدسة كاميرا قريبة تُضفي نوعًا من الحميمية على المشاهد. الفيلم من إخراج المخرجة الشابة زينة عمرو، وهو أول مشاريعها، حسبما أعتقد. ويُعد كون مخرجة الفيلم امرأة عاملًا محوريًا في هذا العمل، نظرًا لقدرتها على التقاط لحظات صادقة وحقيقية.
ويقدّم الفيلم شحنة مكثفة من المشاعر، ويعتمد في بنيته على التأمل بوصفه أداة رئيسية للتواصل مع المتلقي.
تعتمد المخرجة على لغة بصرية تحرص من خلالها أن تكون شديدة القرب من الشخصية، إذ تتحرك الكاميرا في مساحات حميمة، تلتصق بالتفاصيل الصغيرة وتمنحها حضورًا طاغيًا، وهو ما يخلق إحساسًا بأن المشاهد يعيش داخل الحالة، ويتورط وجدانيًا معها.
ويكتسب الفيلم خصوصيته أيضًا من كونه أحد الأعمال الأولى لمخرجته، وهو ما يمنحه قدرًا من الصدق والاندفاع، حيث تبدو الرؤية متحررة من الحسابات التقليدية، ومنحازة إلى التعبير المباشر عن حالة شعورية دقيقة، كما أن كون المخرجة امرأة ينعكس بوضوح على زاوية التناول، إذ تنجح في التقاط لحظات إنسانية شديدة الخصوصية، تتصل بتجربة داخلية قد يصعب مقاربتها بنفس الدرجة من الحساسية من منظور خارجي، وهو ما يضفي على العمل طابعًا صادقًا، يجعل مشاهده أقرب إلى الاعترافات البصرية منها إلى البناء الدرامي التقليدي.
يطرح العمل نموذجًا واضحًا لهامش الحرية الذي تتحرك داخله الأفلام القصيرة، حيث يقترب من موضوع شديد الحساسية دون مواربة، ويقدّمه برؤية لا تنشغل بتبرير أو إدانة، وإنما تترك الحالة في تعقيدها الإنساني، وهو ما كان من شأنه أن يثير جدلًا واسعًا لو عُرض في سياق جماهيري تقليدي خارج إطار المهرجانات والمسابقات الفنية، في حين يجد داخل هذا الحيز استقبالًا أكثر انفتاحًا، يقوم على التقدير الفني والرغبة في قراءة العمل ضمن سياقه الجمالي والفكري.
قد يكون المأخذ الوحيد على الفيلم هو إيقاعه، فرغم تناسبه مع طبيعة الحكاية، فإن الإيقاع الهادئ قد يُوقع المشاهد في شيء من الملل، خاصة أننا هنا نتتبع حالة شعورية دون أن نكون أمام حكاية تقليدية ذات تطور درامي واضح.
كما يتسم الفيلم بنزعة حالمة تتجلى في تفاصيله ومشاهده، ويتضح ذلك بشكل خاص في المشهد الأخير، الذي يدل على أن صانعته تمتلك حسًا حالمًا بدرجة لافتة.
في المحصلة، يرسّخ فيلم «تاني يوم» حضور مخرجة واعدة تمتلك صوتًا بصريًا خاصًا، وتنحاز إلى البساطة الواعية بوصفها مدخلًا للاقتراب من موضوعات إنسانية شديدة التعقيد، حيث تنجح في تقديم تجربة تأملية مشبعة بالصدق، تعتمد على الاقتصاد في الحكي والرهان على الإحساس، وهو ما يمنح العمل قدرة لافتة على التواصل مع المتلقي دون افتعال، ويؤكد في الوقت ذاته أن هذه التجربة الأولى بداية لمسار سينمائي يحمل قدرًا واضحًا من النضج والطموح.
في ختام هذا المقال، نلاحظ أن الأفلام القصيرة تمنح صناعها مساحة غير مسبوقة للتجريب والتجديد، بعيدًا عن قيود السوق والرقابة الجماهيرية، لتطرح أفكارًا فنية جريئة. هذه المساحة الخاصة، التي تتيح للموهوبين التعبير عن رؤيتهم بصوت بصري مميز، تجعل من كل فيلم قصير تجربة جديرة بالنقد والنقاش. وفي السطور القادمة، سنواصل استكشاف المزيد من هذه التجارب، محاولين فهم كيف تعكس الأفلام القصيرة طموح صناعها، وتؤكد على أهمية منحها مساحة للنقد والاحتفاء بالابتكار الفني.