غلاف فيلم «القصص»
حسب قانون الانتخاب الطبيعي فإن الكائن القادر على التلون والتأقلم مع متغيرات الزمن المختلفة هو الأبقى، والأقل عرضةً للانقراض. حيث ينقرض الكائن الذي لا يستطيع التأقلم مع المتغيرات، ويستمر الذي لديه قدرة على تغيير جلده لكي يتناسب مع البيئة والظروف الجديدة.
هذا ما عرفناه في باب الانتخاب الطبيعي، وهو قانون يحسن استخدامه البشر على جانب آخر من إرادة البقاء، ولكن ليس البقاء على قيد الحياة فقط، بل البقاء في الواجهة.
فهناك من يريد أن يحافظ على مستواه المادي والاجتماعي مهما اختلفت الأزمنة، والأزمات، والظروف، والرؤساء. فتحت ظل كل هذه المتغيرات يتمسك هو بمصلحته الشخصية المتجسدة في الحفاظ على المستوى الاجتماعي والمادي دونما التأثر بمتغيرات الواقع الحادثة. وكأنه داخل محمية طبيعية تحافظ على بقائه تحت اختلاف الظروف والأجواء.
الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عما إذا كان الأمر ممكنًا؟ فكيف يمكن أن يظل الشخص في نفس المستوى رغم تغيير الأنظمة الحاكمة؟ وتغير الأوضاع الاقتصادية؟ وتغير العملة والأسعار واختفاء السلع؟ كل هذه متغيرات تحدث باستمرار، فكيف يمكن الحفاظ على نفس المستوى تحت ظل هذه المتغيرات كلها؟
في فيلمه الأخير (القصص)، يقدم لنا المخرج أبو بكر شوقي نموذجًا للإعلامي المُمالئ للسلطة من خلال شخصية المذيع داود (حسن العدل)، المتلون الذي يغير موقفه وكلامه حسب تغير الظروف والسلطة، فهو يمدح فترة حكم عبد الناصر، ويصفها بأنها فترة ازدهار، ثم يعيد الأوصاف نفسها والمدح ذاته على الرئيس الجديد فترة السادات، وكذا الأمر نفسه مع قدوم مبارك.
يقدم أبو بكر الإعلامي المتلون في صورة واضحة دون مواربة، وقد يكون خط الإعلامي هذا هو الخط الوحيد الواضح والمباشر في الفيلم، وقد نختلف على جودته الفنية في إطار الفيلم، ولكن هل نختلف على وجوده على أرض الواقع؟ هل بالفعل هناك من يتلون ويغير مواقفه بهذه السذاجة؟
فالإعلامي يعلم جيدًا أن آراءه مسجلة، وكل كلمة قالها تم تسجيلها وأرشفتها، والناس وإن كانت سريعة النسيان إلا أنها تستدعي مثل هذه المواقف في اللحظات الحرجة.
في مراجعته النقدية للفيلم، ينتقد الناقد أحمد شوقي، هذا الخط الدرامي، ويُشير إلى ضعفه، ولكن الغريب أنه يُنكر وجود مثل هذه الشخصيات على أرض الواقع، قائلًا: «على النقيض يأتي توظيف الإعلام التلفزيوني كأحد أضعف الحلول التي يلجأ لها الفيلم، من خلال المذيع داود (حسن العدل) الذي يخاطب المشاهدين بشكل مباشر، متنقلًا بين العصور والرئاسات، داعمًا السلطة الحالية ومنحازًا لاختياراتها، حتى لو دافع عن الاختيار وعكسه في ليلتين متتاليتين. أزمة هذا الخط لا تقتصر على غياب الواقعية؛ فهذا النوع من الإعلام لم يتواجد في التلفزيون المصري خلال زمن الأحداث، بل ولم تكن البرامج الحوارية تُبث بشكلٍ مباشر من الأساس كما يقع في حدثين رئيسين من الفيلم.»1
فهل فعلًا الشخصية غير واقعية؟ وإن كان صانع الفيلم غير مُلزم بالواقع من الأساس، فنحن لسنا أمام كتاب تاريخ، وهذا معروف، ولكن ليست هذه النقطة محل الجدل الآن، ولكن المهم معرفة إذا كانت شخصية داود موجودة بالفعل في واقع الإعلام المصري أم لا؟
في النقاش العام المصري كثيرًا ما تُوجَّه اتهامات التلون والمهادنة إلى عدد من الإعلاميين، ولكن هل هي حقيقة أم سمعة؟
من الأسماء التي كثيرًا ما تُثار حولها مثل هذه الاتهامات في الخطاب العام والإعلامي ومواقع التواصل؛ هو الإعلامي الشهير عمرو أديب. بزغ نجم عمرو أديب منذ سنوات طوال، زمن الرئيس مبارك، وبقي في الواجهة أيام مبارك، ومن بعده إلى الآن.
وهو من أكثر الإعلاميين شهرة، ومعروف بتلون مواقفه حسبما يريد النظام، وهذه مشكلته، فهو موالٍ للنظام بغض النظر عن مَن على الكرسي، فهو معه، ويدعمه، ويواليه.
عبد المجيد الزهراني يكتب في وصفه: «ليس لعمرو أديب موقف إنساني واحد، وليس لعمرو أديب موقف إعلامي واحد، وليس له موقف سياسي واحد، فهو متقلب المزاج، ومتقلب الهوى، ومتقلب الوجه، دون أن يقلب وجهه أمامنا فعلا، أو يقلب وجهه عنا قولًا وفعلًا».2
وهناك فيديوهات شهيرة، منتشرة، لعمرو وهو ينتقد الرئيس الراحل حسني مبارك، ويلعن أيامه بصوت صارخ، ويُعلن كراهيته، ويخبرنا أنه لم يكن يومًا مواليًا له، ولا متفقًا معه، بينما يظهر في نصف الشاشة نفسها لنسمعه يقول مدحًا طويلًا في سعادة الريس مبارك، في أثناء وجوده في الحكم.
ويظهر مرة أخرى، في برنامجه يتحدث إلى علاء مبارك بلهجة ود واحترام شديد، بينما في نصف الشاشة نفسها بعد رحيل مبارك، وبعد زوال نفوذه، يصرخ بصوت عالٍ متهمًا علاء مبارك بالسرقة، وموجهًا إصبع الاتهام بأسئلته عن مصدر الملايين المؤكد وجودها في سويسرا.
عندما نعود إلى حلقاته القديمة سنشاهده يذكر أن هناك من يتهم مبارك وأبناءه بالسرقة والنهب، ولكنه يعتذر عن قول ذلك لأنه لا يمسك بدليل.
تتفق معه زوجته الإعلامية لميس الحديدي في المهنة، والدهاء، فهي تظهر في فترة حكم مرسي منتقدة مطالبة الإخوان المسلمين للشعب بالتحمل وأن بناء الوطن يحتاج إلى سنين، ثم نجدها في فيديو آخر تمدح أبناء البلد كونهم رجالة قادرين على التحمل.
ليست المشكلة هنا مع الحكام، ولسنا نقيم أيًا منهم، ولكن تغير المبادئ حسب الرأس الحاكمة هو الأمر.
ف أ، ب، إعلام وما درسناه وتعلمناه من أساتذة الإعلام، هو أن المهنية، أساس العمل الإعلامي واحترام المتلقي واجب وضرورة قصوى، والأمانة في نقل الحدث والمضمون وعدم تضليل الناس، سواء ببث رسائل خبيثة أو ملتوية، أو بتقديم محتوى مخادع ظاهره حلو وباطنه مر.3
إبراهيم عيسى صحفي وإعلامي وروائي وكاتب سيناريو، وقد يظهر في صالون بيتكم. يستخدم إبراهيم عيسى كل أدواته لإثارة الجدل، هو يحب ذلك، ومنه يقتات.
مشكلة الأستاذ إبراهيم عيسى، وأمثاله أنهم يدعون الفضيلة لأنفسهم فأي جهة كانوا فيها، ويرون أنفسهم مناضلين باسم الحرية والكرامة، والمشكلة الأكبر أنه يتكلم وينسى، يكتب وينفي، يكذب ويصدق كذبته، فهو معروف بحادثة قتل المتظاهرين التي كان ينادي بمحاكمة مبارك ويتهمه بتلطخ يده بدم الأبرياء، وكان يصيح أيامًا وليالي، ولكن في وقت المحاكمة عندما طُلبت شهادته أنكر ذلك وبرأ مبارك من ذلك.
تاريخ إبراهيم عيسى سيرة من التحولات، يقول في كتابه (اذهب إلى فرعون): «يبقى أن نشير بكل امتنان مذهل للحركة الإسلامية الساطعة في فلسطين، لكن المعركة لنصرة فلسطين ليست حكرًا على جماعة أو فريق، والنصر قادم بإذن الله بتحالفنا جميعًا وإيماننا كلنا وراية الإسلام الدين والحضارة ترفرف فوقنا جميعًا وتحتها رايات الحق والعدل والعروبة والإنسانية، والصيحة الصحوة هي الإيمان المطلق بأن المعركة تدور اليوم ولا تنتظر يوم القيامة والحرب ضد إسرائيل هذه الساعة وليس يوم قيام الساعة».4
وفي موضع آخر: «…يرحب المتثاقفون للغاية بحرية إبداع ونشر رواية فيها ما فيها مما قد يسيء ويهين مشاعر الناس لكنهم يرفضون بإباء وشمم نشر الكتب التي تدعو لأفكار متطرفة من وجهة نظرهم ولقد سمعنا كثيرًا تعبير أين الأزهر من الفريقين، البعض يطلب من الأزهر التدخل لمنع تلك الأفكار والكتب المتطرفة من النزول إلى الأسواق والبعض يصرخ الصرخة نفسها على الأزهر كي يتصدى لكتب المجون الكارهة للإسلام.
بطبيعة الحال لا يجب أن يدعي أحدنا أنه يمثل الجماهير لكن أيضًا من المستحيل منع الجماهير من التعبير عن نفسها أو الاستهانة والاستهتار بأفكار وآراء ومشاعر الناس، كما لا يمكن الوقوف أمام حق الناس في المعرفة والاطلاع على كل الأفكار بعلانية كاملة.
… المسألة أسهل من أن نعقدها، إما أن يكون هؤلاء المثقفون على قدر من الاحترام للرأي العام وجماهير وطنهم برغبة عميقة في تنوير الناس أو تغيير أفكار المجتمع من خلال تقدير واحترام مشاعر الناس وآرائهم.
الأنبياء أنفسهم وليس بضعة كُتّاب نصفهم معقدون أو مخمورون خاطبوا شعوبهم دون اتهام بالتخلف أو القصور ودون تريقة عليهم أو استهزاء بعواطفهم، لا أفهم كيف لمثقف يحترم نفسه أن يكره أمته وشعبه وهويته بهذا الشكل المقيت، وما هذا التعالي المريض (والإحساس الذي يستوجب جلسات علاج نفسي فورًا) بأنهم مرسلون من لدن خبير عليم كي يهدوا المتخلفين والغوغاء من أبناء شعوبهم».5
ليست المشكلة أن إبراهيم عيسى غير كلامه، فهل من الغريب أن يتغير موقف الإنسان أو معتقده؟ ولكن الغريب هو أن تطالب بحرية الرأي، ثم تحجر عليها، أن تقول كلامًا ثم تعود لتقول عكسه، أين الأستاذ إبراهيم الآن من التصالح مع المخالف له، فيكفي أن ننظر كيف يهاجم كل من ينتمي من قريب أو بعيد للدين. لماذا لا تمنح كل شخص حريته يا أستاذ كما كنت تقول؟
ليست المشكلة أبدًا في تغيير وجهة نظر أو رأي، ولكن العيب كل العيب أن تناقض نفسك بلا خجل، المشكلة أن تُغيب، لا أن تغير. فالإعلام يساهم بشكل واضح ومباشر في تغييب العقول.
الغريب أن تجد أمثال هؤلاء محافظين على وجودهم رغم أن الجميع يعرف مواقفهم وشاهد عليها!
قد يقول قائل إن هذا الكلام ينطبق على إعلام الوقت الحاضر، بينما شوقي ذكر في اعتراضه أن هذا الإعلام لم يكن متواجدًا وقتها. ولكن تملق السلطة، بكل تأكيد، ليس وليد اللحظة الراهنة، ولكنه في كل حقبة يظهر كالطفيليات حول الطغاة خاصة، ورأس الحُكم عامة. ولمن أراد أن يرى مثالًا في الحقبة التي أشار إليها شوقي في مقاله فما عليه إلا تتبع مقالات وكتابات الكاتب أنيس منصور؛ الذي كان يروح ذهابًا وإيابًا في مدح عبد الناصر، وذمه؛ فعندما كان حيًا كان يُهلل له بالمديح المُريح يبقى في ظله متأبطًا الكذب والمُداهنة، ثم بعد موته ينقلب على رأيه القديم، ولا يخجل بقول عكس ما قيل، وذم ما مدح في سبيل مدح وإرضاء الرئيس الجديد كأن الناس لا تقرأ، أو كأن ذاكرتنا سمكية. ولكن هيهات هيهات، وليعلم كل منافق (ابن حقبة) أن التاريخ له بالمرصاد، وأن الله لا ينسى. (راجع سلسلة محطات في تاريخ انهيار الصحافة المصرية الخاصة بأنيس منصور للكاتب والروائي بلال فضل)
وأعرف جيدًا أن هناك الكثير من المقالات التي تناولت وعالجت هذه الفكرة من قبل، على رأسها مقالات الكاتب بلال فضل، ولكن أحببت أن أستدعي من الذاكرة ما يبدو أنه يُطوى تحت تراب الذاكرة، مما يدفع بناقد أن ينكر وجود مثل هذه الشخصية الإعلامية المتلونة في الواقع. والواقع يقدم لنا شخصيات أكثر سذاجة وبهلوانية، وليس الأمر متوقفًا على من تم ذكرهم بل الساحة مليئة لمن يُبصر.
لعل الانتخاب الطبيعي لم يخطئ يومًا، فقد أبقى على الكائنات الأكثر قدرة على التأقلم. لكنه لم يخبرنا أن بعض البشر سيستعيرون هذا القانون ليجعلوا منه منهجًا للحياة، يبدلون المواقف كما تبدل الحرباء لونها، ويخرجون من كل عصر بالوجه الذي يناسبه.
وبينما في البرية، قد يكون التلون فضيلة، لأنه وسيلة للبقاء. لكنه في الإعلام، فهو لا فضيلةً ولا مهارة، بل مأساة. فالإعلامي لا يجب أن يغيّر جلده مع تغير المناخ (السياسي)، وإنما أن يحافظ على ضميره مع تغير الحكام. ومن الغريب أن الكائنات في الطبيعة تتلون هربًا من المفترس، بينما يتلون بعض الإعلاميين اقترابًا منها. وربما لهذا السبب ظل كثيرون في الواجهة رغم تبدل الرؤساء والأنظمة، وليس لكونهم الأكثر مهنية، ولكن لأنهم كانوا الأكثر قدرة على التكيف. وقد يكونوا نجحوا في قانون الانتخاب الطبيعي، لكنهم، بكل أسف، أخفقوا في أبسط قوانين المهنة؛ أن يكون للإعلامي موقف، وأن يكون لهذا الموقف ثمن.