فن

«Hamnet»: الموت ليس خاتمة المسرحية

«Hamnet» فيلم يبحث عن إجابة لهذه التساؤلات: هل يمكن أن تكون هناك علاقة ودية مع الموت؟ هل ينبغي أن نخاف من الموت إلى هذه الدرجة؟

future بوستر فيلم «هامنت»

1

صورة من فيلم «Hamnet»

يذهب ويليام إلى غابة قريبة حيث تهيم الفتاة أجنيس، التي شغفته على نحو غامض، لكن ويليام لا يجيد التعبير عن نفسه. تخبره أن يحكي لها حكاية تحرك مشاعره، فيختار الحكاية الأسطورية لأورفيوس ويوريديس، وهي حكاية حب محكوم بفقد مضاعف. يفقد أورفيوس حبيبته بالموت، فيذهب إلى ما وراء الموت ويستعيدها ليخسرها مجددًا.

بينما يوجز ويليام الحكاية، يحكي بالتفصيل لحظة الفقد الأخيرة: «وقد بدآ صعودهما، لم يستطع أورفيوس سماع خطواتها. أنصت وأنصت وأنصت، لكن كل ما استطاع سماعه كان صوت نبضات قلبه. وحين اقترب من بوابة العالم السفلي، لم يعد يستطيع تمالك نفسه، فاستدار ونظر إليها لتعلق في العالم السفلي إلى الأبد».

هل الشوق هو ما دفع أورفيوس للالتفات أم الخوف؟ تتباين تأويلات هذه الالتفاتة المأساوية، لكن أظن أن الطريق الصاعد من العالم السفلي كان أورفيوس غارقًا في رأسه، في شكوكه وقلقه. إن قلقه من فقد حبيبته مجددًا هو ما يجعله يفقدها مرة أخرى. تتنبأ حكاية أورفيوس ويوريديس بمآل حكايتهما. ويليام ليس إلا ويليام شكسبير، وأجنيس هي زوجته المستقبلية. لا تموت أجنيس، بل يموت طفلها، وهناك في متاهات الفقد يخسران حبهما.

في حوار مع كلوي تشاو، مخرجة «هامنت»، تقول:

«كنت مرعوبة من الموت طيلة حياتي ولا زلت، ولأنني كنت خائفة، لم أكن قادرة على عيش حياتي بشكل كامل. لم أحب بقلب مفتوح، لأنني خائفة أن أفقد الحب، وفقدان الحب نوع من الموت».

يتساءل فيلم تشاو، المقتبس عن رواية ماجي أوفاريل التي تحمل الاسم نفسه: هل يمكن أن تكون هناك علاقة ودية مع الموت؟ أليس في النهاية جزءًا من الطبيعة، ومن صميم التجربة البشرية؟ هل يمكن أن نودع من نحب دون أن نهبط كما هبط أورفيوس إلى الجحيم؟ هل ينبغي أن نخاف من الموت لهذه الدرجة؟

لا تشتبك تشاو في فيلمها مع الأسئلة على نحو ذهني، بل تعيشها؛ تعيش خوفها الممتد من الفقد هنا كطقس تطهري، وترغب أن نشاركها هذا الطقس.

2

لدى شخصيات الفيلم الرئيسية علاقة مركبة بالفقد. تؤمن أجنيس أن حبها ورعايتها البالغة لأطفالها تكفي كي لا تفقدهم، كي لا تجرب مرارة الفقد التي عانتها بموت أمها في طفولتها. تلك وصفتها السحرية التي تطمح أن تفعل ما تفعله أعشابها: أن تهزم الرعب الذي يتربص بالأرض.

بينما ماري، والدة ويل، والتي فقدت ثلاثة من أطفالها، تحيط قلبها بدرع من الجفاء والحذر لعلها لا تتألم مرة أخرى. تكرر على مسامع حفيدتها أن «ما يعطى قد يؤخذ في أي لحظة». هذه هي الحكمة التي تعيش بها وتعلمتها من تجارب الفقد السابقة.

يحول ويل، الذي يعيش داخل رأسه، الموت إلى لغز، إلى نزيف من الأسئلة، أكثرها إلحاحًا: أين ذهب طفله؟ كي يوقف نزيف الأسئلة، فإنه يضمنها داخل حكاية عنيفة وصاخبة عن الأشباح والموت.

3

مشهد أجنيس في الغابة

نلتقي بأجنيس أول مرة في عمق الغابة، تنام في وضع الجنين داخل جذر شجرة يلتف حولها كصدفة مشطورة. كل شيء في المشهد، الضوء الطبيعي، النسيم الذي يحرك الغصون، اتساع الكادر وعمق الصورة، يعكس البراح والحرية التي ترفل فيها أجنيس، وكذلك صلتها العميقة بالطبيعة.

نطالع ويل لأول مرة من خلف زجاج نافذة مغلقة بقضبان حديدية، يتحرك داخل غرفة الدرس الضيقة والمعتمة. إنه سجين فكره. إنه نقيض أجنيس.

ترتدي أجنيس الأحمر، بينما يرتدي ويل الأزرق. أجنيس هي عالم الطبيعة بحدسها ورؤاها وعواطفها، هي عالم القلب، بينما يمثل ويل عالم الفكر. إنه لا يستطيع التواصل مع مشاعره سوى عبر الأفكار والكلمات.

ويل في مشهد من خلف زجاج النافذة

على نحو ما، هذه المقابلة هي امتداد أيضًا لحكاية أورفيوس ويوريديس؛ أورفيوس هو الشاعر والمغني الذي ينتمي أيضًا لعالم الفكر، بينما يوريديس هي حورية الغابة. ويل ضائع داخل رأسه، والأماكن التي يسكنها تعبر عن ذلك. العلية التي يسكن بها في لندن أقرب إلى زنزانة تخلو من أي حياة. يتساءل الأخ الأكبر لأجنيس، بينما يدخل العلية: لماذا يسكن الرجل الذي يمتلك أكبر بيت في ستراتفورد هنا؟

4

«هاملت» هي أشهر مسرحيات شكسبير وأكثرها تأويلاً. تأتي رواية أوفاريل، التي يعتمد عليها الفيلم، من تأويل كان أول من تبناه جيمس جويس حين ربط بين وفاة هامنت، الابن الوحيد لشكسبير، ومسرحيته التي كتبها بعد سنوات من وفاته. تتجذر إذًا رؤية أوفاريل، التي يتبناها الفيلم، في تراجيديا «هاملت» في مأساة كاتبها الشخصية.

سينما تشاو هي سينما الهامش، ومن ثم لا تتمحور حكايتها هنا حول الشاعر الأشهر في التاريخ، بل حول زوجته وعائلته المنسيين من التاريخ. هذا التعشيق الآسر بين الحكاية الشخصية لشكسبير التي تتكشف أمامنا ومسرحيته الأشهر يمنح سطورها الشعرية دفقة عاطفية هائلة. لا أعتقد أنك ستتلو أو تسمع كلمات «هاملت» بنفس الانفعال الذي اعتدته من قبل.

في أحد مشاهد الفيلم، في فترة البروفات الأخيرة لمسرحيته، نشاهد ويليام شكسبير على جسر غارق في الظلام، يترنح في سكرة حزنه كشبح، ليقف على حافة الجسر مقاومًا رغبته في إلقاء نفسه في تيار النهر. تقطع تشاو على قمر مكتمل يبتلعه سحاب أسود قبل أن تعود إليه وهو يردد: «أكون أو لا أكون، هذا هو السؤال». كيف ستسمع مجددًا الجملة الأشهر في تاريخ الأدب دون أن تستعيد بوضوح صورة رجل يرتعد على حافة رغبته في قتل نفسه؟

في هذه المرحلة من السرد، تكون كلمات شكسبير قد بدأت بالفعل في الاندماج في النسيج العاطفي للفيلم، مثل لقطةٍ لشاهد قبر هامنت مصحوبةٍ بمقتطفٍ من إحدى سونيتاته التي تدور عن الزمن والموت، عن الزوال السريع للجمال والنهار البهي الذي يغيب في ظلمة الليل.

الإيقاع هادئ، يسمح للحظات والمشاعر بالتفتح ببطء. متمهلًا يخطو السرد نحو ذروة عاطفية غير متوقعة لكن حتمية، حيث يتحول الحزن الشخصي إلى فن.

5

مشهد النهاية المذهلة لجيسي باكلي

نتابع أجنيس/ جيسي باكلي وهي تشاهد العرض المسرحي الأول لـ«هاملت». لا تكاد تنطق سوى ببعض الكلمات، لكن وجهها خلال هذه النهاية المذهلة في جمالها وألمها يتحول إلى قصيدة مفتوحة على روحها، تعكس بصفاء طاغٍ تقلبات مشاعرها من الغضب والمرارة نحو القبول، مرورًا بطيف كامل من الانفعالات. لا شيء متوقع في أدائها الهائل.

عليك أن تشاهد انفعالها وهي تسمع اسم طفلها لأول مرة، ثم رؤيته يخطر على خشبة المسرح، ثم هذا الامتنان الذي شعرت به أخيرًا تجاه فن زوجها وقد حقق حلم طفلها الغائب أن يكون فارسًا في إحدى مسرحيات والده. عليك أن تشاهدها أيضًا وهي تتلفت حولها وتدرك أن العالم بأسره يشاركها حزنها على فقد ابنها. يتجلى الفن هنا كطقس تطهيري. تتحول السينما إلى كاتدرائية تجمع الناس في تجربة روحية مشتركة.

6

مشهد يعبر عن تصور جيسي للموت باعتباره بابا للعبور

في أفلامها الأولى هناك نوع من نزوع صوفي، أو لنقل أفقًا روحيًا تحاول تشاو استكشافه في نفسها وفي العالم، وأظنه أكثر وضوحًا هنا من أي من أفلامها السابقة. هذا الأفق الروحي يتجلى في تصورها للموت نفسه باعتباره بابًا للعبور إلى عالم آخر، وليس خاتمة نهائية للحكاية.

هناك موتيفة بصرية واضحة في الفيلم تتمحور حول الفتحات والأبواب التي تخترق مشهديات تشاو. تحوي الشجرة العملاقة في قلب الغابة — والتي تلتقي أمامها أجنيس بوليام للمرة الأولى وتلد أمامها طفلتها الأولى — فتحة مظلمة تبدو كجزء من المشهد الطبيعي، لكنها تبدو أحيانًا كفم أسود يهدد بالتهام كل شيء. يحمل ويليام طفلته الأولى ويتطلع نحوها في خوف. تقطع تشاو عليها حين يسقط صقر أجنيس ميتًا من السماء لتدفنه أمامها. تبدو مثل بوابة للعبور إلى عالم آخر.

يتجلى ذلك أيضًا في واحد من أكثر مشاهد الفيلم حزنًا، حيث نشاهد الطفل هامنت بعد موته وقد عبر نوعًا من ستار شفيف، تائهًا في عالم غامض أمام خلفية من الأشجار المرسومة أمام باب لا يستطيع عبوره، لأن الأم والأب في طقوس حدادهما الممتد، كل على طريقته، يبقيانه في برزخ غير قادر على استكمال رحلته في عالم ما بعد الموت، مثل شبح والد هاملت في المسرحية.

في اللحظة التي تمد أجنيس يدها نحو هاملت المحتضر على المسرح، لا تبدو كلحظة كسر إيهام عادية في عرف المسرح، بل تبدو كلحظة نخترق فيها هذه الأم حجاب العالم إلى ما وراءه، إلى حيث تهيم الروح، لتودع ابنها لمرة أخيرة قبل أن تطلق سراحه ليواصل رحلته في عالم الأبد.

اختارت تشاو أن تصور مشاهد البرزخ في الخلفية الطبيعية للمسرح حيث تدور مسرحية «هاملت»، حيث تتكشف دراما الحياة. تبدو الرحلة من الحياة إلى الموت مثل انتقال بين مقدمة المسرح وخلفيته، ومن العرض إلى الكواليس.

7

باكلي في مشهد من فيلم «هامنت»

تقدم باكلي هنا أداءً سيظل طويلًا في ذاكرة السينما. ثمة شيء جوهري في طريقة حزنها؛ فهي رقيقة، ومع ذلك هناك شيء وحشي في قوة وقسوة انفعالها. هناك شيء حيواني نقي في صرختها على طفلها الميت. تبدو منهكة وقوية في آن واحد.

يواصل ميسكال هنا، في أحد أفضل أداءاته، سعيه الدؤوب لتجسيد الهشاشة الذكورية في أنقى صورها، ويقدم الحزن والانكسار على نحو مدهش، سواء في لفتاته الهادئة أو فورة انفعاله.

top-ads

# سينما # سينما عالمية

في صحبة «كوكب الشرق».. «الست» التي لا يعرفها مراد
«فورست غامب»: البراءة في مواجهة العالم
السينما كشهادة في «صوت هند رجب»

فن