غلاف رواية «بياض على مد البصر»
مدخل
نحب أن نطمئن أنفسنا بأننا لسنا مثلهم «الأشرار»، وأن بيننا وبين الجريمة مسافة أخلاقية شاسعة، لكن الفن الجيد وحده قادر على إرباك هذا الاطمئنان؛ فهو لا يكتفي بإدانة المتهم، ولكن يدفعنا إلى مواجهة أنفسنا. هناك، في تلك المساحة المقلقة، يتولد السؤال: هل يكفي ذنب مفرد ليبدأ طريق الهلاك؟
الأعمال المتقنة فقط هي التي تدعونا إلى التفكير والتأمل وإعادة قراءة المشهد من جديد من حولنا، وهذه الأعمال «رواية، كتاب، فيلم، أو أيًّا ما يكن» قليلة ونادرة. فمعيار الجودة لا يتحقق كثيرًا في الإنتاجات الأدبية والفنية المعاصرة. لذلك نشعر بشيء من الامتنان حين يصادفنا عمل فني حقيقي، يترك أثرًا ممتدًا في عالم أفكارنا بعد الانتهاء منه.
ومن هذه الأعمال رواية محمد عبد الرازق «بياض على مد البصر». في هذا العمل يرسم الكاتب عالمًا شديد الواقعية، يتمحور حول جريمة قتل لفتاة يافعة. غير أن الرواية لا تستغرقنا في سؤال القاتل وحده، فبعد قراءة الرواية، وبعد انكشاف الحقيقة، هناك سؤال لم يغادرني، وهو: ما الذي يمنع أن نكون مثل هؤلاء القتلة الأوساخ؟
فعلى الرغم من فظاعة الجرم، يكشف السرد أن مرتكبيه ليسوا وحوشًا استثنائيين، لكن بشرًا عاديين دفعتهم ظروف ضاغطة إلى التلطخ. وهنا يتسع السؤال: إذا كنا جميعًا بشرًا تحت وطأة شروط اجتماعية ونفسية واقتصادية متقاربة، فما الذي يصنع الفارق؟
لسنا بصدد تبرئة أحد، فالجرم يبقى جُرمًا. لكن تجاهل أثر الظروف لا يقل سذاجة عن تعليق كل شيء عليها. فالإنسان لا يتحرك في فراغ، كما أنه ليس دمية بالكامل في يد البيئة.
فحتى الأشخاص الذين نجمع على كونهم سيئين ويرتكبون الجرائم، إذا نظرنا عن قرب، واقتربنا منهم بما يكفي لنرى الصورة الأوضح، سنكتشف أنهم أناس أجبرتهم الظروف على أن يكونوا النسخة الأسوأ من أنفسهم.
وأنا هنا لا أنفي تورطهم، ولكن يجب أيضًا ألا ننفي الظروف الضاغطة المتسببة في إخراج النسخة الأسوأ منهم.
هذه الملاحظة تدفعنا بدورها إلى تساؤل آخر: فإذا كانت الظروف هي المشكلة، إذًا يمكن أن نقع نحن، إذا وضعنا في ظروف مشابهة، في ارتكاب الجرائم!
بالطبع الأمر ليس بهذه الصورة السطحية؛ فإذا عرضنا شخصين مختلفين لضغوط خارجية تجبرهما على ارتكاب أفعال محرمة أو مجرَّمة، حتمًا سيكون هناك من يستجيب للظروف الضاغطة دون مقاومة، وآخر سيرفض ذلك.
وهذا بناء على موانع ومصدات كثيرة، مثل القانون، والأخلاق، والدين. فهذه القيود الثلاثة تقيّد وتحجّم الفرد عن ارتكاب الأخطاء والجرائم. ويكون قدر انضباط الشخص بحسب قدر تمكنها منه.
ولكن هذا الشخص الذي يمتنع، هل إذا أعدنا التجربة مرة ومرتين وثلاثًا سيتماسك أمام الإغراءات في كل مرة؟
الحقيقة أن الإنسان، ولو كان محافظًا، من المتوقع له أن يسقط مع طول زمن تعرضه للفتنة.
قد ترفض هذا التفسير، وتستغربه، وتتمنع عن قبوله بحجة أن الإنسان المحافظ لن يسقط، وسيتماسك لأن الأمر موقوف على ما يؤمن به، وليس مرهونًا بالعوامل الخارجية. ولكن إذا ما نظرنا إلى سيدنا يوسف سنجد أنه طلب من الله عز وجل أن يصرف عنه الفتنة حتى لا يسقط فيها.
إذًا، الإنسان من الممكن أن يكون شخصًا طيبًا، وتضغط عليه الظروف والعوامل الخارجية، ولا ينجرف. وهذه هي قيمة الاختيار؛ عندما يكون في البدايات وعلى حافة الأشياء.
لكن هذا الإنسان نفسه، الذي رفض مرة أو مرتين، إذا طال عليه الأمد والضغط في ظل نفس الظروف أو أقسى حتمًا «وهذه قناعة شخصية»، سينجرف.
وهذا يفسره قول سيدنا يوسف، الذي قد يكون أسمى مثال على الإنسان الممتنع عن الخطأ:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
وهذا يدلنا على أهمية الرفض والتمنع في البداية، وأن الإنسان لا يجب أن يستسلم للإغراءات التي توهمه، عند ارتكاب جريمة أو معصية، أنها ستكون مرة واحدة. فهذه المرة الواحدة هي مربط الفرس، وهي بوابة الجحيم وعتبة الهلاك.
وهذا يدلنا أيضًا بشكل واضح على لطف ربنا الخالق، الذي جعل من مرات الاختبار محدودة بمرات معدودة؛ فلو استمر الإغراء لسقطنا لا محالة. فالثبات يحتاج مددًا إلهيًا، لا مجرد قوة شخصية.
ربما لا يكون الهلاك في الذنب ذاته، بل في الاستهانة به.
في تلك اللحظة التي نطمئن فيها إلى أننا نملك السيطرة، وأنها مجرد مرة واحدة. فالسقوط يبدأ من أخطاء صغيرة. ومن هنا تأتي خطورة الذنب المفرد؛ لا لأنه يهلكنا فورًا، بل لأنه يفتح الباب، ويعوّد القلب. أما النجاة فليست في الثقة المفرطة بالنفس، بل في وعي الإنسان بضعفه، وحرصه على ألا يقترب من الحافة أصلًا.