صورة من فيلم «أرض الآباء»
«أقف بين عالمين، لست في وطني في أيٍّ منهما، وأعاني جراء ذلك. الفنانون يدعونني بالبورجوازي، والبورجوازيون يحاولون اعتقالي، لا أعرف أيهما يؤلمني أكثر». توماس مان، رواية «تونيو كروجر».
في فيلمه الجديد، يعود المخرج البولندي باول بافلوفسكي ليُكمل ثلاثيته التي بدأها بـ«إيدا» ثم «حرب باردة»، وهذه المرة يستعين بوجوه أكثر شهرة، في مقدمتها الألمانية ساندرا هولر، في فيلم يختتم به رحلته السينمائية عبر أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.
يعود المخرج البولندي باول بافلوفسكي هذا العام ليكمل ثلاثيته التي بدأها بـ«إيدا - IDA» ثم «حرب باردة - Cold War» بفيلمه الأحدث «أرض الآباء»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته الـ79. هذه المرة يستعين بممثلين أكثر خبرة، ربما ليجعل فيلمه أكثر جاذبية للعرض، لكنه بالتأكيد لا يخطئ في إسناد الأدوار عند اختياره لهانس زيشلر في دور توماس مان، وساندرا هولر في دور إريكا مان.
يتمحور «أرض الآباء» حول العلاقة بين الكاتب الحائز على جائزة نوبل توماس مان وابنته إريكا، الممثلة والكاتبة وسائقة السيارات في سباقات الرالي. في صيف عام 1949، وفي ذروة الحرب الباردة، يشرع الأب وابنته في رحلة شاقة على متن سيارة بويك سوداء، تأخذهما عبر ألمانيا المنهكة من الحرب، من فرانكفورت الخاضعة للنفوذ الأمريكي إلى فايمار الواقعة تحت السيطرة السوفيتية. وفي عودته إلى الوطن بعد ستة عشر عاماً من المنفى في الولايات المتحدة، لا يجد توماس مان أمامه وطناً مقسّماً فحسب، بل يواجه أيضاً صدعاً عميقاً داخل عائلته ذاتها.
«فاترلاند» أو «أرض الآباء» عنوان ذكي يحمل في طياته سؤال الهوية بالكامل. في الألمانية، ثمة كلمتان: «موترلاند» وتُستخدم للدلالة على مصدر الأشياء، و«فاترلاند» التي تعني الوطن بوصفه هوية يمتلكها الإنسان. وسؤال الهوية هذا ليس عابراً حين يتعلق الأمر بكاتب كتوماس مان، الذي فرّ من ألمانيا إبان الحرب، وأمضى سنوات طويلة في المنفى الأمريكي، قبل أن يعود هو وابنته إلى وطن لم يعودا يعرفانه، ومعهما كل الأسئلة التي يُفرزها الغياب الطويل عن الأرض التي صنعتك.
لكن الفيلم هذه المرة لا يرتكز بالتحديد على توماس مان وزيارته لألمانيا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما يتخذ من ذلك سياقاً للحكي عن ابنته إريكا مان، المعارضة للنازية، والمرأة المخططة المنظمة. يبدأ الفيلم بلقطة يجلس فيها رجل أسفل سرير، يبدو من المشهد الثابت أنه فرغ للتو من ممارسة الجنس، وهو الآن منهمك في محادثة هاتفية. نفهم لاحقاً أنه أخوها الذي يقيم في كان، يخبرها بأنه سئم كل شيء، وأنه يفتقدها ويحبها. نرى بعد ذلك إريكا في اجتماع مع والدها، تخطط تفاصيل رحلاته وتترجم له في مؤتمراته، ولا سيما رحلته المجدولة لزيارة فايمار في ألمانيا الشرقية، حيث يحاول الحزب الحاكم استمالته لشغل منصب ثقافي يمنحهم اعترافاً أدبياً رفيعاً، في مقابل أن يمنحه هو فرصة العودة إلى دياره.
عادةً ما تتناول حكايات الحرب العالمية الثانية الرجال تحديداً، لكن بافلوفسكي هنا يركز على تلك العلاقة بين الأب المنغمس في ذاته والابنة الواقعة بين مطرقة أبيها المتسلط النرجسي، الذي يتخيل نفسه منقذاً لألمانيا أو للعالم، وبين أخيها البوهيمي المكتئب الذي يسلب حياته بيده. وكأن بافلوفسكي يضع إريكا مجازاً للتمزق بين وهم المجد المتخيَّل وبين الكآبة التي خلّفتها الحرب منتجاً ثانوياً لا يُعترف به، ويجعل من تلك العلاقة الأسرية مدخلاً لحكي أعمق وأكثر حميمية لمواضيع كبيرة.
الهوية ليست الموضوع الوحيد الذي يشتغل عليه الفيلم، فبافلوفسكي يضع في صميمه أسئلة أخرى: عن النساء اللواتي يحاولن إصلاح ما أفسدته حروب الرجال، وعن الاختيارات الشخصية للفنان، وهل يُغفر للعبقري فنّه العظيم في مقابل إهماله لأسرته ولكل من حوله.
الأسلوب السينمائي لا يختلف كثيراً عن سابقَيه: كادر مربع، وصورة بالأبيض والأسود، وتكوينات يغلب عليها ثبات الكاميرا والتوتر بين الفرد والمجموعة. نرى توماس مان يتحدث في مؤتمر كبير، فتتقلب زوايا الكاميرا بين لقطة تُظهره رجلاً هائل التأثير، وأخرى علوية واسعة تُصغّره في المشهد، وكأن بافلوفسكي نفسه لا يملك إجابة على سؤاله: هل الفن مؤثر حقاً أم أنه مجرد أداة في يد السياسيين؟
ثمة انتقال آخر دائم بين توماس مان وابنته لحظة وصولهما إلى فايمار، حين تستقبلهما فرقة سوفيتية بالغناء، فنرى في الكادر المجموع أمام الفرد والعكس. وهكذا تعمل الصورة عند بافلوفسكي كلغة سينمائية تتجادل في ما بينها حول إجابات مختلفة للأفكار التي يطرحها. الأبيض والأسود ملائمان للحقبة الزمنية ولكآبة الحكاية، والكادر المربع يمنح الصورة طابعاً وثائقياً أكثر منه سينمائياً بالمعنى التقليدي، أما زوايا الكاميرا فتبدو كأنها في حوار مستمر مع بعضها، تناقش تلك الجدلية الكبرى حول الهوية والوطنية والفن والنساء اللواتي يدفعن ثمن أخطاء الأنظمة السياسية الذكورية.
ما يُضاف إلى الفيلم هذه المرة — وهذا لا ينفي الأداءات الجيدة في الفيلمين السابقين — هو الأداء المذهل لساندرا هولر في دور إريكا، وهانس زيشلر في دور توماس. كلاهما يُخفي مشاعر متأججة خلف وجوه صارمة، مما يمنح المشاهد تعاطفاً لا إرادياً مع الشخصيتين، حتى مع توماس مان بكل نقائصه وإهماله لمن حوله، وانشغاله الدائم بصورته الكبرى أمام العالم.
في «أرض الآباء» يعود بافلوفسكي إلى حيث توقف مع فيلميه السابقين، ليستكشف مواضيع الهوية والعائلة والحب والذنب في خضم الاضطرابات والتشوش اللذين اكتنفا أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو في مجمله واحد من أجود ما قدمته مسابقة كان هذا العام. ربما لا يضيف جديداً إلى عالم بافلوفسكي ذاته، لكنه بالتأكيد فيلم مؤثر كسابقيه، يحمل في طياته أسئلة تشغلنا اليوم، حتى وإن ابتعد عنا زمنياً.