ما هي الآليات المتبعة للكتابة عن الأفلام؟ وهل هناك كتالوج معين في اختيار الأفلام؟ لماذا نكتب عن بعض الأفلام دون غيرها؟ وهل نكتب عن الأفلام التي نحبها فقط؟ وهل بالضرورة نكتب عن كل الأفلام التي نالت إعجابنا؟
الإجابة على التساؤلات السابقة تصلح كبداية لهذا المقال، الذي نتكلم فيه عن واحد من الأفلام القصيرة الصادرة مؤخرًا، والتي شاركت في عدة مهرجانات منها مهرجان الإسكندرية الدولي للفيلم القصير.
لماذا الكتابة عن هذا الفيلم، إذاً؟
ليس بالضرورة أننا نكتب عن كل الأفلام التي شاهدناها، منطقي، وكذلك، لا نكتب عن كل الأفلام التي أعجبتني!
يجب أن يكون هناك ما يستفز القلم حتى يندفع للكتابة، وكنت أود كتابة مقال تحت عنوان: لماذا يعد فيلم "ستاشر" لمخرجه سامح علاء فيلمًا مميزًا؟ ولماذا نال جائزة السعفة الذهبية؟
وأرى أن الكتابة عن هذا الفيلم تفي بنفس الغرض، وبعد، فكان لزامًا أن نكتب.
القصة
يبدأ الفيلم من فكرة شديدة الثراء، تفتح لصناعه مساحة للاشتباك مع مواضيع شديدة الحساسية، حيث ينشغل الفيلم بعالم مراهق يفقد والده في لحظة فجائية تجعله في موقف معقد يصبح فيه عاجزًا عن وداعه.
المشهد الافتتاحي
يبدأ الفيلم من مشهد/موقف تخيلي في عقل البطل (سيف/مروان عاشور)، الذي يرى فيه جارته بنظرة مثيرة مرتدية فستان نوم أحمر، وتحاول إغواءه، واستدراجه للإيقاع به. يفيق سيف، في عالم الواقع، على جارته تقدم له حقنة لوالده المريض.
الوصف السابق خاص بالمشهد الافتتاحي، الأفان تيتر، والذي يقدم لنا بدوره مجموعة من المعلومات عن البطل، وعالمه، وهواجسه. فنحن أمام مراهق يمر بفترة يغالب فيها شهوته التي يبدو أنها مسيطرة عليه، حيث يبدو مدمنًا للأفلام الإباحية، ونعرف أن والده مريض، ويبدو أن مرضه منذ مدة.
وتنبع أهمية المشهد الافتتاحي في الأفلام، وخاصة الأفلام القصيرة، في كونه باب المشاهد إلى عالم الفيلم الذي يراه. فمنه نتعرف على نبرة الفيلم، وملخص الحكاية، وطريقة التصوير، والمشهد الافتتاحي الجيد عادة ما يكون قادرًا على اختصار الفيلم بشكل ما بداخله، بالإضافة إلى قدرته على طرح السؤال الدرامي الذي ينشغل عالم الفيلم به.
وقد نجح المشهد الافتتاحي للفيلم، إلى حد ما، في أن يرسم لنا بشكل ما ملامح العالم، كما عرفنا بالشخصية الرئيسية، وطبيعتها، وفتح باب التساؤل حول مرض الأب، وطبيعة الشخصية وهواجسها الجنسية.
وفي المشهد الثاني؛ يتحدث (سيف) مع صديقه (علي) الذي يحسده على كونه صعد الساعة الثانية ليلًا إلى جارته (سُمية). ثم يقرر أن يرسل له فيديو إباحيًا لواحدة تشبه جارته.
يُظهر سيف عدم الاكتراث، ولكن سريعًا ما نراه يشاهد الفيديو في غرفته بعد أن أحكم إغلاقها، ووضع السماعات في أذنه، وبدأ يمارس العادة السرية مع مشاهدة الفيديو.
وبينما يفعل ذلك، منغمسًا في لذته، تدب الطرقات على باب غرفته بهلع لا ينتبه له إلا بعد أن يفرغ من فعلته، ليواجه خبر وفاة والده.
لتتعقد الأمور، ويصبح أمام موقف حرج، ومأزق أخلاقي، يمنع سيف من لمس جسد والده ووداعه، قبل أن يتطهر من دنس فعلته. ومن هنا تبدأ رحلة البطل في محاولة التطهر.
سؤال الفن؛ ماذا تحكي؟ وكيف تحكي؟
ويمكننا الآن، أن نضع أيدينا على أول نقاط ضعف الفيلم الذي يكتفي بالرحلة المادية البرانية/الظاهرة دون تعميق أو إضافة أبعاد أخرى لموضوعه.
هذا الفيلم الأول لمخرجه، مروان الشافعي، والذي بنى فيلمه على فكرة ذكية، وعالم فريد، وهو صاحب الفكرة، وتعاون مع السيناريست، عبدالرحمن جابر، لتحويلها إلى سيناريو. وهنا المشكلة، اكتفاء الفيلم بالفكرة القوية، وعدم التأني في كتابتها بالشكل المناسب.
يمكن إرجاع هذا إلى كون الفيلم التجربة الأولى لمخرجه، وكاتبه، وكذلك الممثل القائم بدور البطولة. فيمكن تلمس قلة الخبرة، والتخبط في صناعة الفيلم الذي يحاول أن يقتبس/يتشبه بأعمال أخرى ناجحة دون أن يكون مُخلصًا كفاية لنفسه، وعالمه. (وهذه نقطة محورية في ضعف العمل)
السينما وسيط ينشغل بسؤالين: ماذا تحكي؟ وكيف تحكي؟ والسؤال الثاني أكثر أهمية، لأنه جوهر العمل الفني.
ولأن ماذا تحكي؟ سؤال مفتوح، يمكنك أن تختار ما تشاء، وليس هناك قصص لا يمكن أن تحكيها، وليس هناك قصص مهمة وأخرى غير مهمة. الواقع أن كل قصة وحكاية هي مهمة لصاحبها، ولذلك أراد أن يحكيها.
يُعنى الشق الأول من السؤال بعالم الأفكار، والحكايات، والقصص، ولأن في الواقع يمكننا القول إن كل شيء قد سبق الحديث عنه، ونادرًا ما تفاجئنا الأفلام بأفكار جديدة. ولذلك فالاعتماد الأكبر، والأكثر أهمية يكون على الشق الثاني المعني بكيف تحكي؟
وهذا ما يميز فيلمًا عن آخر، وصانعًا عن غيره. الكيفية التي يتناول بها الفكرة. فمهما كانت الأفكار قوية، ومثيرة يبقى سؤال كيف تحكيها هو جوهر العمل الفني.
فعلى سبيل المثال، فيلم «المدرّعة بوتمكين» لأيزنشتاين، هو دعائيّ تمامًا، إنّما، في الوقت ذاته، يُعدّ من بين أهمّ الأفلام في تاريخ السينما العالميّة.
المسألة إذًا تتوقف على الكيفية أكثر من اعتمادها على الأفكار نفسها، ولدينا في هذا الفيلم، «قبل الظهر»، فكرة قوية، لكنها لم تستوِ في السيناريو كما يجب. نجح المخرج في إيجاد إجابة مثيرة للشق الأول، وعرف ماذا يحكي، وأتى بفكرة رائعة، ولكنه لم يكن على نفس المستوى عندما تعلق الأمر بالكيفية التي اختار أن يحكي بها قصته.
كما أن هناك رابطًا قويًا بين ما تريد الحديث عنه، والكيفية التي تتناوله بها حيث يجب أن يتناسب الموضوع مع الشكل. فشكل العمل الفني هو مضمونه، بالأساس. وهو الأمر الذي لم نره متحققًا هنا.
الإيقاع
ورغم أن الفيلم ينطلق من موقف درامي حرج بطبيعته، يفرض قدرًا من التوتر والترقب، فالفكرة وحدها تبدو كافية لإبقاء المشاهد على أعصابه، لكن الفيلم يتعامل معها ببرود يفقدها كثيرًا من حدتها. لم ينجح الصناع في خلق إيقاع مشدود يتناسب مع طبيعة الحكاية التي يحكيها. وهو ما كان محبطًا.
وبدلًا من التكثيف الذي تتطلبه هذه النوعية من الأفلام، ذات الحس الفني، إلا أن الفيلم يقع في مبالغة واضحة على مستوى القطعات، والزوايا، وطريقة الحكي بشكل عام. حيث يبدو الفيلم منشغلًا بإظهار التوتر والانفعال أكثر من بنائهما.
كنا في حاجة إلى مساحة للتأمل والتفكير، كان من الممكن توافرها إذا كان المخرج مقتصدًا في الحكي.
ولا أريد أن أكون قاسيًا على مخرج العمل في تجربته الأولى، ولكن الفيلم لم يعلن عن أسلوب واضح لمخرجه، فتشعر كأننا أمام مزيج من الأساليب المتضاربة، دون الوقوف على أسلوب واحد واضح للحكي، وربما المشهد الأفضل كان مشهد محاولة دخول البطل الحمام في وجود أمه بداخله.
والأسلوب يأتي من رؤية المبدع للعالم من خلال كل مدركاته والطريقة التي يريد التعبير بها والتواصل بها مع الجمهور بحد ذاتها.
أحلام ما بعد السعفة
ينتمي الفيلم إلى نوعية أفلام المراهقين، أو ما يسمى Coming of Age، وهي تيمة تنشغل بعالم المراهقين وتجاربهم الأولى مع الفقد أو الحب أو غيرها من المشاعر.
يتشابه في ذلك مع الفيلم المصري «ستاشر»، والذي تعرض فيه البطل لفقد حبيبته، وأصبح في مأزق/معضلة مشابهة للشخصية هنا، للبحث عن طريقة لتوديع جثمان حبيبته.
هنا معضلة البطل تتعلق بتوديع والده، بعد أن أصبح غير طاهر، ولا يمكنه لمس جثمان والده، وبعد أن كُسر باب الحمام، ولم يعد هناك طريقة ليتطهر.
لا يمكن تجاهل التأثر الواضح بالفيلم هنا، وليس ذلك مأخذًا في حد ذاته، إذ تبدو المسألة أقرب إلى ظاهرة يمكن رصدها في عدد كبير من الأفلام القصيرة، فلا يبدو التأثر بفيلم «ستاشر» أمرًا مفاجئًا، فبعد فوزه بالسعفة الذهبية تحول، بشكل أو بآخر، إلى نموذج ملهم داخل مساحة الفيلم القصير المصري، وربما إلى الحلم الذي يسعى كثير من صُنّاع الأفلام الشباب إلى الاقتراب منه؛ ليس فقط بوصفه فيلمًا ناجحًا، بل باعتباره إثباتًا لإمكانية وصول الفيلم المصري القصير إلى واحدة من أهم المهرجانات السينمائية في العالم.
لكن المشكلة أن الفيلم لم يلتقط من التجربة ما كان جديرًا فعلًا بالالتقاط. فبينما اعتمد «ستاشر» على قدر كبير من الصمت، والهدوء، والثقة في الأداء واللحظة، يذهب هذا الفيلم إلى النقيض تقريبًا؛ أداء تمثيلي يميل إلى المبالغة، ورغبة مستمرة في تأكيد الانفعال بدل تركه يتسلل طبيعيًا إلى المشاهد.
حتى بصريًا، كان الفيلم في حاجة إلى حس أكثر تقشفًا وتأملًا؛ لقطات أطول (Long Takes)، ومونتاج أقل تدخلًا (Minimalist Editing)، يسمحان للتوتر بأن يتولد من داخل الكادر والزمن، لا من كثافة القطعات ومحاولات الدفع المستمر للإحساس.
فبعض الأفلام لا تحتاج إلى أن تضغط على مشاعرها بهذا القدر، كل ما تحتاجه أن تثق في أن مشاعر المشاهد سوف تتولد من تلقاء نفسها.
البحث عن مَخرج
في نهاية الفيلم، وبعد أن يضع صُنّاع العمل بطلهم داخل مأزق يبدو مغلقًا تمامًا، حيث تُسد كل المنافذ الممكنة أمامه، يجد الفيلم نفسه واقعًا في المأزق ذاته؛ إذ يبدو أن السيناريو لم يعد يمتلك مخرجًا دراميًا حقيقيًا قادرًا على حل الأزمة بالقدر نفسه من الذكاء الذي بُنيت به.
لذلك يلجأ الفيلم إلى حل يبدو أقرب إلى الاستسهال الدرامي؛ حين يقرر البطل سرقة مفتاح شقة الجيران والتسلل إليها من أجل الاغتسال. وهي لحظة لا تبدو نابعة عضويًا من تصاعد الأحداث بقدر ما تبدو محاولة متعجلة لإنهاء الموقف بأي طريقة ممكنة.
وهنا تبدأ الأسئلة المنطقية في التسلل إلى ذهن المشاهد بشكل يضعف التوتر بدلًا من تعزيزه: ألم يكن من الممكن ببساطة إغلاق باب الحمام بأي شيء ثقيل؟ أو حتى تنبيه الموجودين في المنزل؟ ألم يكن المسجد حلًا متاحًا ومنطقيًا أكثر من كل هذا المسار الملتف؟
المشكلة هنا ليست في غرابة التصرف نفسه، أكثر من كونها في شعور المشاهد نفسه بأن الفيلم تجاهل حلولًا أكثر بداهة فقط حتى يُبقي أزمته قائمة. وحين يحدث ذلك، يتحول التوتر من توتر نابع من الموقف، إلى توتر نابع من تحكم الكاتب في الشخصيات بصورة ظاهرة.
الخاتمة
النبرة التي قد تبدو حادة في النص هي نابعة من إعجاب شديد، ولأنني كنت منتظرًا منه أكثر من ذلك، والفكرة كان من الممكن استثمارها، لكن لعل المقال كان ينشغل بالنظر لزاوية أوسع من الفيلم فقط، محاولًا قراءة المشهد الحالي، والاشتباك معه.
أما لو نظرنا للعمل مراعاةً بكونه عملًا أول فهو عمل مبشر جدًا بصناع شباب لديهم أفكار مختلفة، وزاوية فريدة، وشجاعة لاقتحام التابوهات، لكن، وهو الأهم، دون اللجوء إلى الكليشيهات المعتادة، ودون أن يكون مدعيًا، فقد كان الهم الأكبر لصناعه هو جوهر الأمر، الحكاية.
أخيرًا، وبعد الانتهاء من مشاهدة العمل نصبح في حماس لمتابعة أعمال المخرج مروان الشافعي القادمة، وتجاربه التي من المنتظر لها أن تكون على مستوى عالٍ نظرًا لما قدمه في أول تجاربه.