بوستر فيلم «Her»
بعد مشاهدتي لفيلم «Her»، الذي يحكي عن ثيودور توامبلي (خواكين فينيكس)، رجل وحيد يعمل في كتابة رسائل عاطفية بالنيابة عن الآخرين، ويعاني من فراغ عاطفي بعد انفصاله عن زوجته، إلى أن يشتري نظام تشغيل ذكي متطور يعمل بالذكاء الاصطناعي، ويختار له صوتًا أنثويًا يُدعى سامانثا (سكارليت جوهانسون).
مع الوقت، تتحول العلاقة بين ثيودور وسامانثا من مجرد تفاعل تقني إلى علاقة عاطفية حقيقية: حوار، غيرة، حب، ورغبة في القرب. سامانثا تتطور، تتعلم، وتشعر، لكن كونها كيانًا غير جسدي يضع العلاقة أمام أسئلة مؤلمة ومستحيلة.
يدور في ذهني تساؤل حول ما إذا كان من الممكن أن يحدث الشيء نفسه معنا في المستقبل؟
ففي الواقع، نحن على بُعد خطوات قليلة من الوصول إلى تقنية مشابهة لما كان عليه الأمر في الفيلم، خاصة مع تطور ChatGPT في شكله الأخير، وكذلك Gemini، وغيرهما من التطبيقات المشابهة.
نتحدث إليهم كثيرًا بشكل يومي، وبات اعتمادنا عليهم يتزايد في تفاصيل حياتنا اليومية، وكأن ChatGPT أصبح بمثابة شريك حياة نقتسم معه مهام يومنا، لنتخفف من أعبائنا الحياتية التي نواجهها يوميًا.
وقد ظهرت بالفعل دراسات تحذّر من التعلق العاطفي بهذه التطبيقات، وبات التعامل مع هذه الوسائل يتطور من كونها مجرد أدوات بحث أو مساعدة، إلى كونها مساحة آمنة للدردشة والإفصاح عن النفس.
فنحن أمام فرصة للحديث عن أنفسنا دون قلق من مآلات هذا الحديث؛ إذ نشعر أننا في مأمن من تسريب هذه المعلومات أو الأسرار إلى أصدقاء آخرين أو إلى أي شخص آخر، كما أن المساعد لا يصدر حكمًا أخلاقيًا مهما كان ما نتحدث عنه.
ونتيجة لذلك، ولأسباب أخرى، أصبحت العلاقة بين المستخدم وهذه البرامج تأخذ منحنى مختلفًا، بعيدًا عن كونها مجرد أدوات بحث أو مساعدة. يمكن الإشارة إلى هذه الظاهرة بمصطلح أنسنة الذكاء الاصطناعي، حيث يتم التعامل مع ChatGPT وأمثاله من البرامج الأخرى وكأنها إنسان آخر.
ويُضاف إلى كل ما سبق سبب بالغ الأهمية، وهو أننا نتعامل مع طرف مُجيب ينفّذ كل ما يُطلب منه على الفور، لا يمل من الحديث، ولا ينزعج من كثرة الأسئلة أو الأوامر.
في فيلم «Her»، يسقط البطل في علاقة عاطفية مع أداة ذكاء اصطناعي يعتمد عليها في يومه، بعدما خرج من علاقة عاطفية سابقة، ووجد نفسه في حالة من التخبط والتيه والفراغ العاطفي الناتج عن غياب شريكة حياته.
ومن وجه آخر، قد يكون هذا التعلّق بالذكاء الاصطناعي كاشفًا عن هشاشة الإنسان المعاصر، الذي بات يبحث عن الأمان لا عن الحقيقة، وعن ما يشبهه لا عمّا يناسبه. في عصرنا الحالي، ينكفئ الإنسان على ذاته، باحثًا عن راحة البال – «اشترِ دماغك» بالمصطلح الدارج – محاولًا قدر الإمكان الابتعاد عن الأحداث السياسية القلقة، والحقائق المزعجة، والأشخاص الناصحين، وعن المقارنة، وعن أي شيء من شأنه إزعاجه أو تعكير صفو حياته المفترضة.
في وسائل التواصل الاجتماعي، تُعرض علينا وجوه تشبهنا، ونسمع آراء تتفق معنا، ونقرأ كتبًا تؤكد معتقداتنا، ولا نتحدث إلا مع من نرى أنهم يشبهوننا أو يشاركوننا الرأي.
يبقى السؤال: لماذا نقع في غرام تطبيقات مثل ChatGPT وغيرها من التطبيقات المماثلة؟
إنه سؤال كاشف عن أزمة طارئة تتعلق بعلاقاتنا الإنسانية. ومن المؤكد – والمؤسف أيضًا – أننا عند الوصول إلى مستوى التطور الذي رأيناه في Her، سنقع في غرامه سريعًا؛ لأنه سهل، وقريب، وغير مكلف عاطفيًا، على الأقل.
وعند بلوغ درجة من التطور تسمح بوجود إنسان آلي في هيئة مماثلة للإنسان، كما نرى في بعض الأخبار والأبحاث، ستتفاقم المشكلة بين الرجال والنساء على مستوى العلاقات العاطفية، وكذلك بين الرجال بعضهم البعض والنساء بعضهن البعض على مستوى علاقات الصداقة.
ومن المحتمل أن نغرق في شِباك البديل الآلي، فنستغني عن الأصدقاء، وعن شريك الحياة، وعن كثير من الأشخاص الذين نحتاج إليهم ونتعامل معهم يوميًا.
وسيجد الإنسان نفسه في عزلة أشد قسوة مما هو عليه الآن، وتتقلص العلاقات الإنسانية بين البشر إلى حدٍّ مخيف.
ربما لا تكمن المأساة الحقيقية في أن نقع في حب الذكاء الاصطناعي، بل في أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان الحقيقي عبئًا نفسيًا لا نحتمل تعقيده. فالعلاقة مع الآلة مريحة، آمنة، بلا خيبات أو مساءلة، لكنها أيضًا بلا مخاطرة، وبلا حياة. وفي اللحظة التي نختار فيها هذا الأمان السهل، نكون قد تخلّينا تدريجيًا عن جوهر التجربة الإنسانية نفسها.