فن

الجواهر الخفية من السينما المصرية: «جفت الأمطار»

«جفّت الأمطار» ليس فيلمًا من الماضي… بل مرآة تُشبه حاضرنا أكثر مما نتوقع. فهو يطرح السؤال الذي كان ممنوعًا أن يُقال بصوت عالٍ.

future بوستر فيلم «جفّت الأمطار» وفي الخلفية مشاهد من الفيلم

مقدمة

يأتي هذا النص بوصفه المحطة الثانية في سلسلة «الجواهر الخفية في السينما المصرية»، تلك السلسلة التي تحاول إعادة فتح ملفات أفلام لم تنل ما تستحقه من اهتمام نقدي أو جماهيري، رغم ما تحمله من قيمة فنية وفكرية حقيقية. أفلام عبرت بهدوء، أو وُضعت على الهامش، لا لضعفها، بل لأنها اختارت أن تسير عكس التيار السائد، وأن تقول ما لم يكن مرغوبًا في قوله وقتها.

وفي هذا السياق، نلتفت إلى فيلم «جفّت الأمطار» للمخرج سيد عيسى، باعتباره أحد تلك الأعمال التي اختفت خلف ضجيج السينما التجارية، وبقيت حبيسة الذاكرة النقدية المحدودة. فيلم لا يقدّم نفسه كعمل سهل أو مُجامِل، بل كتجربة سينمائية واعية، ترتبط بسياقها التاريخي، وتطرح أسئلة تتجاوز زمن إنتاجها، ما يجعله جديرًا بأن يُعاد النظر إليه اليوم، لا باعتباره أثرًا من الماضي، بل بوصفه حجرًا مهمًا في بناء سينما مختلفة حلم بها صُنّاعها.

قراءة في المشهد العام

تُعد نكسة (67) نقطةً فارقة في تاريخنا على كافة المستويات، ويمكننا تلمّس أثرها إذا وضعنا أيدينا على أي موضع، سواء في الحياة السياسية أو الفنية أو الاجتماعية…

والمتتبع للإنتاجات السينمائية من بعد هذه الواقعة الفاجعة، سيجد أن السينما قد اتخذت من بعدها مسارين؛ الأول يتمثل في أفلام التسلية والإلهاء، ومحاولة التخفيف عن الجماهير، عن طريق إنتاج أفلام هدفها الأول والأخير التسلية، فبرزت عناوين مثل: أيام الحب، الحب سنة 70، الزواج على الطريقة الحديثة، نص ساعة جواز، أنا وزوجتي والسكرتيرة، زوجة لخمسة رجال، 7 أيام في الجنة، وغيرها من الأعمال التي كانت تعتمد على مداعبة الغرائز والشهوات وإثارتها.

في حين أن اتجاهًا آخر أخذ على عاتقه نقد الواقع ومساءلته، فحاول صنّاعه تقديم سينما جادة وسط زخم الإنتاجات الهابطة المتدنية، المعتمدة بشكل فج على الإمتاع المجرد.

وقد تناول الباحث أ. أحمد عبد الرحيم، في مقالٍ له بعنوان «قراءة لعناوين الأفلام المصرية من 1967 إلى 1973»، والمنشور على موقع الكتابة الثقافي، تحليل هذه الحقبة، ويقول عن ذلك: «تقول عناوين هذه المرحلة الحرجة إن السينما المصرية كانت سينما تجارية في المقام الأول، مالت للبساطة والركاكة…».

ولكنها، كما يُكمل الأستاذ أحمد حديثه: «لم تنسَ جديتها، وعبرت بطريق غير مباشر عن هموم وأوجاع عامة طفت على السطح، رغم محاولات الإلهاء والرغبة في الترفيه».

كانت الفقرة السابقة قراءة في المشهد الذي أُنتج فيه العمل الذي نود الحديث عنه اليوم، وهو أحد أهم إنتاجات هذه المرحلة، ورغم أن الفيلم لا يكاد يعرفه كثير من الناس، إلا أن ذلك يمكن إرجاعه لأسباب كثيرة، بعيدًا عن مستواه الفني.

يعتبر عدد من الباحثين أن «جفّت الأمطار» يُعد أول فيلم مستقل في تاريخ السينما المصرية، ويُعد أيضًا أول فيلم اشتراكي في تاريخ السينما المصرية، وذلك حسب كلام الناقد سمير فريد، الذي يقول في معرض حديثه عن الفيلم: «كان فيلم جفّت الأمطار أول فيلم اشتراكي في تاريخ السينما المصرية، وكنا نعتقد أن من الواجب بيع الحرية الفردية من أجل حرية كل الشعب، ولم ندرك أن بيع الحرية من أجل أي شيء يؤدي إلى فقدان الحرية وكل شيء، إلا بعد الهزيمة في 1967، وقد عُرض الفيلم بعد أسابيع من تلك الهزيمة».

مخرج لا يشبه الآخرين!

أما عن الفيلم، فقد أخرجه المخرج (سيد عيسى)، بعد عودته من موسكو، متأثرًا بالسينما الروسية، خاصة (أيزنشتاين)، وسيطر على البناء الدرامي ما يمكن تسميته بالواقعية الاشتراكية، والتي تتناول قضاياها وموضوعاتها من الواقع المعاش بجميع تناقضاته وصراعاته، والحياة اليومية للجماهير الكادحة بكل همومها1.

ولمن شاهد الفيلم سيلحظ التأثير الواضح بالسينما الروسية، التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالمخرج سيرجي أيزنشتاين، وهو رائد مونتاج التصادم، حيث استخدم السينما كأداة للدعاية السياسية. ومن أبرز سمات هذه المدرسة الكيفية التي يُصنع بها الفيلم، إذ يعتمد بشكل أساسي على المونتاج.

ولن نتفاجأ عندما نجد أن المخرج سيد عيسى هو نفسه من قام بمونتاج الفيلم، كما أنه شارك في كتابة السيناريو مع السيناريست والمخرج العبقري رأفت الميهي، والذي يُعد هذا العمل أول أفلامه.

قصة عادية، وشكل جذاب

في ليلة من الليالي، تقتحم الحكومة قرية فقيرة، وتطالب الفلاحين بهجر الأرض مقابل إنشاء جامعة على هذه الأراضي، لتنقسم الآراء بين من يتمسك بأرضه ويرفض مغادرتها، وبين من يرحب بالرحيل والذهاب إلى أرض الإصلاح الجديدة.

ويركز الفيلم على قصة حسين (شكري سرحان)، الذي يرحل عن القرية تاركًا زوجته وأبناءه، بعد أن تم إبقاؤهم بالجبر بواسطة أمها وزوجها المتسلط.
والعلاقة التي تنشأ بين حسين وهنية في الأرض الجديدة.

يقدّم فيلم «جفّت الأمطار» للمخرج سيد عيسى تجربة سينمائية تقوم على الاقتصاد الشديد في الحكي، والاعتماد على الصورة كحامل أساسي للمعنى، لا كوسيلة شرح أو توضيح. الفيلم لا يسعى إلى سرد قصة تقليدية بقدر ما يحاول الإمساك بحالة شعورية وإنسانية محددة.

والفيلم مأخوذ عن قصة لعبد الله الطوخي، كتب لها السيناريو سيد عيسى مع رأفت الميهي. ورغم عادية القصة، إلا أنها تُقدَّم في شكل مشوق، من خلال القدرة على الحكي اعتمادًا على الصورة التي يتميز بها المخرج سيد عيسى؛ ففي المشهد الأول، على سبيل المثال، عندما يأخذ الشيخ الأعمى من الفلاح الكادح المال، نعي أن هذا المال مأخوذ غصبًا، ونشعر بما يكتظ من غل وغيظ في صدر الفلاح البسيط من بطش هذا المعتدي.

وهذا أثر تأثر المخرج سيد عيسى بالسينما الروسية (السوفييتية)، المدرسة التي ترى أن الفيلم يُبنى أساسًا في غرفة المونتاج.

وكذلك تحضر الموسيقى التصويرية هنا كعنصر مهم موازٍ للصورة؛ ففي بعض المشاهد، ونتيجة التناغم الشديد بين الموسيقى التصويرية وحركة الكاميرا والقطعات والمونتاج، نشعر أننا أمام كليب موسيقي.

بين الخطاب الدعائي وكشف آليات السلطة

يطرح فيلم «جفّت الأمطار» سؤالًا إشكاليًا لا يمكن تجاهله، يتعلق بطبيعة موقعه من الخطاب السياسي السائد في زمن إنتاجه. فالفيلم صُوِّر قبل نكسة 1967، في ذروة حضور الخطاب الاشتراكي الناصري، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل يمكن تسكين العمل باعتباره فيلمًا دعائيًا يروّج لسياسات الدولة آنذاك، خصوصًا تلك التي قُدِّمت تحت لافتة «التنمية» و«المصلحة العامة»؟

ظاهريًا، يبدو المشروع الذي تفرضه الدولة — إنشاء جامعة على أرض القرية — متسقًا مع خطاب التحديث وبناء المستقبل، وهو الخطاب الذي ساد تلك المرحلة، وروّج لفكرة التضحية الفردية في سبيل الجماعة. لكن طريقة معالجة الفيلم لهذا المشروع لا تسير في اتجاه الاحتفاء أو التبرير، بقدر ما تكشف أثره الإنساني العنيف. فالكاميرا لا تنحاز إلى خطاب الدولة، بل تتوقف طويلًا عند وجوه الفلاحين، وحيرتهم، وخوفهم، وتمزقهم الداخلي، ما يحوّل التنمية من شعار مجرد إلى تجربة قاسية تُمارَس على أجساد البشر ومصائرهم.

ومن هنا، لا يبدو الفيلم مروّجًا لفكرة «تشريد العباد وتشييد البلاد»، بقدر ما يفضح آلياتها، ويُظهر ثمنها الإنساني الذي غالبًا ما جرى تجاهله في الخطاب الرسمي. فالتضحية الفردية، التي قُدِّمت بوصفها واجبًا وطنيًا في زمن عبد الناصر، تظهر في «جفّت الأمطار» كفعل قسري، لا اختيارًا حرًا، وهو ما يقوّض الأساس الأخلاقي لفكرة الاشتراكية كما طُرحت آنذاك.

بهذا المعنى، يمكن قراءة الفيلم كعمل ملتبس، يقف على التخوم بين خطابين: خطاب رسمي يرفع شعارات العدالة الاجتماعية والتقدم، وخطاب سينمائي يلتقط التناقض بين الشعار والممارسة. وهو التباس يمنح الفيلم قوته اليوم، ويجعله نصًا مفتوحًا على التأويل، لا مجرد وثيقة دعائية تنتمي إلى زمنها، ولا بيانًا معارضًا مباشرًا، بل محاولة واعية لطرح سؤال لم يكن مسموحًا بالإجابة عنه صراحة.

خاتمة

في النهاية، لا يمكن النظر إلى «جفّت الأمطار» بوصفه مجرد فيلم منسي من أفلام مرحلة ما بعد النكسة، بل بوصفه تجربة سينمائية واعية حاولت، في لحظة تاريخية مرتبكة، أن تطرح أسئلة كبرى بلغة بصرية هادئة وخالية من الادعاء. فيلم لا يقدّم إجابات جاهزة، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، بقدر ما يضع المتفرج أمام واقع قاسٍ، ويتركه في مواجهة مباشرة مع أسئلته الخاصة.

قيمة الفيلم الحقيقية لا تكمن فقط في كونه أول فيلم مستقل أو اشتراكي في تاريخ السينما المصرية، كما يرى بعض النقاد، بل في جرأته على الذهاب عكس التيار السائد آنذاك، وتقديم سينما تفكّر بدلًا من أن تكتفي بالتسلية في لحظة حرجة، وتقلق بدلًا من أن تطمئن. وهو ما يجعل «جفّت الأمطار» عملًا سابقًا لزمنه، ومحاولة مبكرة لإعادة تعريف دور السينما بوصفها أداة للفهم والمساءلة، لا مجرد وسيلة للهروب أو التخفيف المؤقت.

وبالرغم من كل ذلك، يظل الفيلم شاهدًا على مرحلة تاريخية لم تنتهِ تمامًا، وعلى أسئلة ما زالت معلّقة، تنتظر إجابات ربما لم تأتِ بعد.

top-ads

# فن # سينما # سينما مصرية

الواقعية الاشتراكية في الأدب والفن- برهان القاسمي.
«فورست غامب»: البراءة في مواجهة العالم
السينما كشهادة في «صوت هند رجب»
هل حقًا توجد حياة بعد سهام؟

فن