بوستر الفيلم السينمائي «هامنت»
إن كيفية رؤيتنا للمأساة والتعاطي مع الفقد تختلف من شخص لآخر. هناك من يبكي ويصرخ، وهناك من يصمت، ليس لأنه لا يملك مشاعر أو متجمد القلب، ولكن لأنه متفرد. المعادلة بين من يمكنه التعبير عن حزنه، وبين من يختزنه داخل نفسه، تبدو معقدة، خاصة عندما يكون الفقد عزيزًا على النفس. الكتّاب بطبعهم يملكون حسًا مرهفًا، لكن طبيعتهم المختلفة عن غيرهم تجعل طريقة تعبيرهم عن أحزانهم مختلفة؛ فالنفس الفنية التي يملكونها تحول المأساة في داخلهم إلى وقود للإبداع. من هذه النقطة الملتبسة يتشكل فيلم «هامنت»، من إخراج كلوي تشاو، وسيناريو وحوار كلوي تشاو وماجب أوفايل، وبطولة جيسي باكلي وبول ميسكال، والفيلم مأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتبة ماغي أوفاريل.
يفتش الفيلم في حياة الكاتب الإنجليزي الأشهر ويليام شكسبير، ولكن ليس عن الكاتب بقدر ما هو عن الإنسان والأب المكلوم، عن الزوج والحبيب، وعن الزوجة أجنيس. هذا فيلم عن الفقد، وليس عن أسطورية المسرحي الأكبر. يأخذ الفيلم من حياة شكسبير قبل سطوته الأدبية مفتاحًا للسرد؛ فيهمش الكاتب الشهير بشكل واضح، بل إنه لا يذكر اسمه طوال الفيلم إلا في مشاهد النهاية، وعندما تذكره زوجته تكتفي بالاسم الأول ويليام. بهذه الحيلة يخرج الفيلم من عباءة شكسبير العظيم إلى فضاء أكثر رحابة، يكسر القالب من أجل التعامل بإنسانية بعيدًا عن الأدب، أو هذا ما يُخيل إلينا.
إن التاريخ الشخصي لأي كاتب يتقاطع بشكل ما مع إنتاجه الأدبي؛ ربما لا يقدم الكتّاب حيواتهم ذاتها، لكنهم يتأثرون بما يمرون به. من الممكن أن يقدم الكاتب عملًا فنيًا تحت تأثير الفقد أو الحزن، لأن الكتّاب بارعون في تحويل المأساة إلى وقود يخلق الإبداع.
طوال الفيلم لا نرى نجاح شكسبير، إنما نرى ما يتعرض له من عنف أسري على يد والده. نعرف فشله، وأنه ليس الرجل الواثق، إنما رجل يبحث عن نفسه. مقابلته لأجنيس تغير حياته؛ فإيجاد الحب لأي فنان بمثابة طوق نجاة. شخصية الزوجة المختلفة تتفهم شخصية الكاتب، تحثه على الذهاب وعلى إيجاد ذاته الضائعة. إن ما عانت منه هو نفسه ما عانى منه أيضًا؛ شعور الاغتراب يجمع بين امرأة تؤمن بالقدرات الخاصة والرؤى، ورجل يحارب أشباحه بالكتابة.
هنا يقدم الفيلم أول إشكالية بين الزوج والزوجة؛ هما سعيدان معًا، لكنها أكثر هدوءًا، تثق بنفسها ولا تشعر بالغربة الكلية، بينما هو أكثر صخبًا، تغطيه طبقة من الهشاشة وعدم الرضا عن النفس، وهذا ما يجعل رأسه مشتتة بين الحب والحياة والزوجة والأولاد، وبين الكتابة.
يصير ويليام كاتبًا؛ يذهب إلى لندن ويعود، ينظم المسرحيات، ويحقق نوعًا من الغنى والشهرة، ويرزق بثلاثة أطفال بنت، وولد، وبنت توأم. تبدو الحياة سعيدة، لكن الفيلم يعيد ويذكرنا أن الواقع ليس بهذه الوردية، وأن سهام القدر الغادر لا بد أن تصيب.
يصيب الوباء الابنة، ويشعر الجميع بقرب أجلها. تتمسك الأم وحدها بأمل بقائها، محاولة كسر النبوءة التي رأت فيها أنها ستفقد أحد أبنائها. وقبل أن يأتي الموت ليأخذ الابنة، يقرر هامنت، توأمها، أن يخدعه ويذهب معه بدلًا منها.
يفجع الموت أجنيس؛ لا تصدق، تصرخ بعلو صوتها، مصدومة أن الابن الذي لم تتوقع رحيله تلاشى من بين يديها، فازداد الفراغ في قلبها. تكتئب الأم، وتصير صامتة، وتلوم زوجها لأنه كان في لندن عند مرض الابنة ثم الابن، ولم يحضر رحيل هامنت؛ وصل بعدما أسلم الروح، ولم يبكِ مثلما فعلت أجنيس، إنما صمت. يحدث شرخ بين الحبيبين؛ يتوقف عالم أجنيس، بينما يشعر ويليام بضرورة استمرار دوران العالم. يعود إلى لندن، في حين تذبل هي، وتظل تحمله مسؤولية لا تخصه.
عبرت جيسي باكلي عن التحولات التي أصابت شخصية أجنيس بتمكن شديد، بين الغرابة والحب، الشغف والصمت، والحزن، وقدمت مشهد وفاة هامنت ببراعة، بين الصدمة والحزن الشديد، مطلقة صرخة لا مثيل لها. استحقت باكلي عن دورها حصد كل الجوائز الممكنة تقريبًا، وحظيت الشخصية بكل التعاطف الممكن.
لكن ما لفت نظري هو أن نظرة المشاهدين والنقاد، ولجان الجوائز، هي ذاتها نظرة الشخصية لشكسبير؛ رأوا جميعًا من صرخ، وتماهوا معه، وهمشوا بشكل ما من استمر في الحياة. لم يحظ بول ميسكال بالإشادة التي يستحقها عن دور ويليام شكسبير، ويرجع ذلك لطبيعة وجهة النظر التي قدمتها الشخصية عن الفقد وما يليه. لقد قدم كل تحولات ويليام وهواجسه، وعبر بوجهه وروحه عن أشباح شكسبير التي لاحقته طوال الرحلة.
يقرر ويليام العودة إلى الكتابة؛ لم يكن بلا مشاعر، وإنما كان متألمًا بشكل لا يمكن وصفه، لكنه اختار أن يجعل الفقد وألمه وقودًا للإبداع. يقف شكسبير على حافة النهر، يبكي لأول مرة على ولده هامنت، ويقول: «أكون أو لا أكون»، ويسأل نفسه: هل يستسلم وينهي مأساته، أم يحارب سهام القدر الغادرة؟ في النهاية يختار الخيار الثاني. الجملة التي قالها ويليام هي واحدة من أشهر العبارات في تاريخ الأدب، جاءت على لسان هاملت، بطل واحدة من أهم مسرحيات شكسبير.
ما يمكننا فهمه هو أن هاملت وهامنت يكادان يكونان الاسم نفسه؛ وهو ما يجعلنا نستشعر أن شكسبير كتب هذه المسرحية وأهداها لطفله الذي رحل، ومن رحم ألمه الذي لا يطاق ولدت أهم مسرحياته.
نهاية الفيلم تحمل بعدًا ملحميًا؛ يعرض شكسبير مسرحيته «هاملت» ويمثل فيها. تتعرف زوجته على الإعلان وتقرر الذهاب، ظنًا منها أنها كوميديا، لكنها تصطدم بأنها مأساة، هنا يظهر اسم ويليام شكسبير كاملًا لأول مرة في الفيلم، ونرى غرفته في لندن، التي لا تليق برجل في شهرته أو ثروته، وهو جانب آخر من شخصيته يتكشف، ويعبر عن طبيعة الكتّاب بشكل عام.
في المسرحية يموت الأب، ويبقى هاملت الابن؛ يقتل شكسبير الأب لأنه يشعر بالذنب، ويبكي في مشهده، وفي الكواليس، لأنه —على عكس ما قد يراه الجميع— لم يتجاوز فقد هامنت.
في النهاية، يسقط هاملت، وهو يحتضر، تمسك أجنيس بيده، ويمسك المتفرجون بيده أيضًا، في لحظة تذوب فيها الحدود بين المسرح والحياة، على وقع موسيقى ماكس ريختر الشهيرة، في مشهد يجسد الفقد في أبهى صوره. هنا تحديدًا تتحرر أجنيس من صمتها، وينتهي الحزن في قلبها تجاه زوجها، وتدرك أنه حزن مثلها، لكن طبيعته حالت بينه وبين التعبير في الواقع، فعبر بالفن، وقدم لها أكبر تعزية.
فيلم «هامنت» ليس عملًا عن شكسبير الأسطورة، بل عن الفقد، وعن طرق التعبير عنه، بين الصمت والانفجار، وعن كيف يمكن للأدب أن ينقذ الإنسان من السقوط. هذا فيلم عن الإنسان أولًا.