فن

من الشاشة إلى التجربة: لماذا صارت مسابقات الأعمال الغامرة ضرورة في مهرجان كان؟

لم تعد السينما شاشة نحدّق فيها فقط، بل عالماً ندخله ونعيشه. قراءة في مسابقة Immersive بمهرجان كان 2026.

future مسابقة «Immersive» في مهرجان كان 2026

لم يعد السؤال في السينما الحديثة: ماذا نشاهد؟ بل صار أيضًا: أين نقف داخل ما نشاهده؟

هذه هي النقطة التي تفتحها مسابقة «Immersive» في مهرجان كان السينمائي 2026؛ فهي لا تتعامل مع الفيلم بوصفه شاشة أمام المتفرج فقط، بل بوصفه فضاءً يمكن الدخول إليه، والتفاعل معه، وربما التورط داخله عاطفيًا وجسديًا.

مسابقات الـ «Immersive»، أو «الأعمال الغامرة»، هي مسابقات مخصصة للأعمال التي تستخدم تقنيات مثل الواقع الافتراضي VR، والواقع الممتد XR، والعروض التفاعلية، والإسقاطات البصرية، والتصميم المكاني، لتقديم تجربة سردية تتجاوز الشكل التقليدي للسينما. في هذه الأعمال لا يجلس المشاهد في مقعده منتظرًا أن تُروى له الحكاية، بل يصبح جزءًا من بنائها: يتحرك، ويلتفت، ويختار أحيانًا، ويشعر أن العالم الفني يحيط به من كل جانب.

وقد عرّف مهرجان كان هذه المسابقة باعتبارها جزءًا من الاختيار الرسمي، مخصصًا للفنانين الذين يعيدون تعريف السرد عبر الفنون الغامرة، وهي مسابقة أُطلقت عام 2024 وتهدف إلى إبراز الأعمال التي تتجاوز الشاشة ثنائية الأبعاد.

في دورة 2026، تبدو مسابقة «Immersive» أكثر نضجًا ووضوحًا. فقد ضم الاختيار الرسمي تسعة أعمال من ثماني دول، عُرضت في فندق كارلتون، وتنوّعت بين تجارب واقع افتراضي، وتركيبات فيديو، وتجارب جماعية. ومن بين الأعمال المشاركة: «Katábasis» للمخرج الفرنسي أوغو أرساك، و«The Black Mirror Experience» من فرنسا وإسبانيا، و«Lúcido» من البرتغال، و«Yellowfin» من الفلبين، و«The Pirate Queen: No Safe Waters» من المملكة المتحدة.

التكنولوجيا وحدها لا تصنع فنًا

لكن أهمية هذه المسابقة لا تكمن فقط في حداثة أدواتها. فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع فنًا. القيمة الحقيقية هنا أن كان، وهو أحد أعرق المهرجانات السينمائية في العالم، يعترف بأن لغة الصورة تتحول. السينما لم تعد محصورة في الكادر، ولا في المونتاج الخطي، ولا في علاقة تقليدية بين مخرج ومشاهد. هناك جيل جديد من الفنانين يفكر في الحكاية كمساحة، وفي المتلقي كشريك، وفي الزمن كخبرة حسية لا مجرد مدة عرض.

ومن هنا تأتي القيمة النقدية لوجود هذه المسابقة داخل مهرجان سينمائي كبير. فهي تطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما نراه في هذه التجارب هو سينما؟ أم فن بصري؟ أم لعبة؟ أم عرض أدائي؟ وربما تكون الإجابة الأجمل أنها كل ذلك معًا.

إن الـ Immersive لا تلغي السينما، بل توسّع حدودها. هي لا تهدم الصالة المظلمة، لكنها تقترح غرفة أخرى بجوارها، يدخلها المتفرج لا ليشاهد فقط، بل ليختبر.

بوستر فيلم «Katábasis» الفائز بجائزة أفضل عمل غامر

في 2026، فاز عمل «Katábasis» بجائزة أفضل عمل غامر في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان، بينما حصل «The Black Mirror Experience» على تنويه خاص من لجنة التحكيم.

ووفقًا للمهرجان، استقبلت المسابقة هذا العام ما يصل إلى 200 ضيف في العرض الواحد، وحققت أكثر من 3000 حجز خلال أيام المهرجان، وهو رقم يكشف أن الفضول تجاه هذا الشكل الجديد لم يعد محدودًا بالنقاد أو التقنيين، بل صار جزءًا من تجربة جمهور المهرجان نفسه.

ويؤكد فوز «Katábasis» بجائزة أفضل عمل غامر أن التجربة الـ «Immersive» يمكن أن تكون عميقة وذات طابع فني، وليست مجرد استعراض تقني. العمل، بتوقيع المخرج الفرنسي أوغو أرساك، يبدو رحلة داخلية إلى العوالم السفلية للنفس والذاكرة، حيث تتحول المساحة المحيطة بالمشاهد إلى جزء من المعنى، لا مجرد خلفية بصرية.

بوستر مسلسل «The Black Mirror Experience»

أما حصول «The Black Mirror Experience» على تنويه خاص من لجنة التحكيم، فهو اختيار مفهوم جدًا؛ لأنه ينقل عالم المسلسل الشهير من الشاشة إلى تجربة حية يعيشها الجمهور من الداخل، مستفيدًا من فكرة الذكاء الاصطناعي والقلق المعاصر من التكنولوجيا. الفارق بين العملين أن الأول يبدو أقرب إلى التجربة الفنية التأملية، بينما الثاني يستند إلى عالم معروف جماهيريًا ويعيد تقديمه في شكل أكثر تفاعلية. وفي الحالتين، نحن أمام دليل واضح على أن مستقبل السرد لن يكون محصورًا في المشاهدة فقط، بل في الإحساس والمشاركة والوجود داخل الحكاية.

الأهم أن وجود هذه المسابقة داخل كان يمنح شرعية فنية لصناع يعملون غالبًا خارج منظومة الإنتاج السينمائي التقليدية. فهناك مخرجون، ومصممو تجارب، ومبرمجون، وفنانو صوت، ومهندسو فضاء، ومنتجو تكنولوجيا، يلتقون جميعًا لصناعة عمل لا يمكن نسبته إلى تخصص واحد.

وهذا ما يجعل الـ «Immersive» مساحة مستقبلية بامتياز: إنها فن جماعي مركب، يشبه السينما في طموحه، وتتجاوزها في أدواته.

يمكن القول إن التحدي الأكبر أمام هذه التجارب هو ألا تنبهر بأدواتها على حساب مضمونها. فليس كل عمل يستخدم الواقع الافتراضي يصبح بالضرورة عملًا عميقًا، كما أن التفاعل لا يعني تلقائيًا مشاركة وجدانية. بعض التجارب الغامرة قد تقع في فخ الاستعراض التقني، فتتحول إلى "ديمو" مبهر أكثر من كونها تجربة فنية مكتملة. لكن حين تنجح، كما يبدو في الأعمال التي يحتفي بها كان، فإنها تفتح بابًا نادرًا: باب الحكاية التي لا تُروى لنا فقط، بل نُدعى إلى العيش داخلها.

لهذا، فإن مسابقة «Immersive» في مهرجان كان 2026 ليست مجرد إضافة عصرية لتجميل البرنامج، بل هي إعلان واضح أن السينما، مثل كل الفنون الحية، لا تتوقف عند شكل واحد. إنها تتطور كلما تغيرت علاقة الإنسان بالصورة، وبالجسد، وبالمكان، وبالتكنولوجيا.

ربما ستظل الشاشة الكبيرة قلب السينما النابض. لكن حول هذا القلب، بدأت تظهر حواس جديدة. ومسابقات الـ «Immersive» هي محاولة كان لالتقاط هذا النبض الجديد قبل أن يتحول إلى لغة سائدة.

top-ads

# فن # سينما عالمية

فيلم ملكة القراصنة: أن تكون جزءا من عالم الفيلم
فيلم «Fatherland»: عن الكفر بمعنى الكلمة
فيلم «Fjord»: كيف تحمي أبنائك من العالم الحر

فن