معرفة

مكة المكرمة: عندما نؤرخ للطهر

في مكة المكرمة يتحقق للإنسانية ما لا يمكن أن يتحقق لها في أي بقعة في الأرض من أمن وأمان ورضا وملائكية، وفيها يسكن الطهر المصفى على امتداد التاريخ، فمن ذا يؤرخ للطهر؟

future صورة تعبيرية: مكة قديمًا

— نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة الجوبة 1 يناير 2009

لا توجد أرض مهما كانت خصائصها المناخية بديعة رائعة، ومهما كانت لمسات الجمال الرباني على سهولها وجبالها خلابة فاتنة، تستهوي القلوب والأفئدة تضارع مكة المكرمة، أو تقترب منها في هذا المجال.

ولعل عجز البيت الشهير الذي سبق مساق الاستفهام وهو يقول في مخاطبة الفؤاد: «فمالك كلما ذكرت تذوب»، لا يصدق على شيء محبوب الذكر مثلما يصدق على آثار ذكر مكة المكرمة في النفوس والقلوب، وما ذلك إلا بعض من آثار دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37].

وهو ما لمسه أهل التفسير عندما قرروا أنه: «لذلك ليس من مؤمن إلا وقلبه معلق بحب الكعبة»، على ما أورد السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (طبعة هجر، القاهرة 1424هـ = 2003م، ج 8/ ص 560).

العناية بالتأريخ لمكة

وقد كان من آثار هذه الحفاوة الممتدة مع الزمان بمكة المكرمة أن شاع واشتهر أمر العناية بالتأريخ لها، وتفصيل القول في فضائلها، وما كرمت به وشرفت، حتى امتد أمر الرعاية لتاريخها وجغرافيتها منذ فترة معروفة في عمر العلم عند المسلمين إلى يوم الناس هذا.

ويقف كتاب أبي الوليد الأزرقي (المتوفى سنة 244هـ) «أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار» في أعلى قائمة طويلة جدا موصولة إلى اليوم، اهتمت بأمر هذه البقعة المباركة من أرض الله تعالى.

وفي هذه الأدبيات يختلط تاريخها بتاريخ سكناها وإعمار الملائكة لها، وبناء البيت العتيق على صعيدها الطاهر، ويشتبك تاريخ من حل بها خلال مسيرة التاريخ بطرقها ودروبها والولايات المتعاقبة على الرعاية لحجيج البيت فيها سدانة وعمارة وسقاية.

على أنه من المهم جدا أن نقرر أن أمر العناية بتاريخ هذه الأرض الميمونة وجغرافيتها وعمرانها، وولايات من تولى خدمة البيت العتيق فيها، لم يكن حكرا موقوفا على مؤرخي الإسلام وجغرافييه فحسب، وإنما امتد ليشاركهم في أمر هذه الرعاية لتاريخها كثير جدا من مؤرخي الغرب ومستشرقيه، ما يعكس الخطر الذي استشعروه لمكانتها العالمية.

وفي هذا السياق يأتي كتاب «حكام مكة» لجيرالد دوغوري، الذي ترجمه محمد شهاب، وراجعه محمد سويد، ونشرته مكتبة مدبولي بالقاهرة 1420هـ = 2000م، شاهدا صادقا على ما نقرره من أمر التاريخ الماجد النبيل.

وقد استطاع جيرالد دوغوري أن يصل إلى حقيقة تأثير مكة المكرمة في الطبيعة الخلقية للشعب العربي عبر التاريخ، عندما يقرر في نفسه عبارة موجزة موحية في الوقت نفسه قائلا (ص 28):

«إن الحرم المقدس يبدو وكأنه يقودهم إلى فضائل في التصرفات».

ويلفت كتاب «حكام مكة» منذ فصوله الأولى إلى الحفاوة البالغة التي تواترت على أمر إصلاح الكعبة، وترميمها، وتكريمها، وتطييبها، وتطهيرها.

وعاء المساواة الإنسانية

ومن المهم أن نقرر أن العناية بتعيين حاكم على مكة المكرمة كان أمرا يتولاه قائد الدولة الإسلامية، وهو الأمر الذي سار عليه الخلفاء جميعا تأسيا بما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان قد عين عتبة بن أبي العاص واليا عليها، ومتابعة تاريخ مكة المكرمة يعكس الملامح الآتية:

أولا: تقدير حرمة مكة المكرمة، وحرمة البيت العتيق بها، وهو الأمر الذي ظل مرعيا بحكم نصوص ثابتة محكمة من الذكر الحكيم، حيث يقول رب العزة سبحانه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97].

ثانيا: تأسيس الأمان.. بحيث نستطيع أن نقرر أنه لم توجد بقعة في العالم كله روعي فيها تحقيق الأمان لمن فيها تضاهي مكة المكرمة، بتأثير من احتضانها للبيت الحرام، وهو ما يتجلى في القسم الإلهي: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 3]، وفي غيره من الآيات العوالي التي قررت هذا التأسيس، وأمرت به، حيث يقول تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97]، وهو خبر غرضه الأمر. وهو بعض المفهوم من تأمينها وتأمين الطرق المؤدية إليها على ما يظهر من المواقيت المكانية المحيطة بجوانبها جميعا.

ثالثا: متابعة الإعمار.. وهو الأمر الذي نوه به الله تعالى في كتابه فيما سماه بعمارة المسجد، وهو الذي تظهر تجلياته في التوسعات المختلفة المتعاقبة للبيت الحرام، والرعاية المستمرة بعمارته التي طالت كل المناحي الإنشائية والتأثيثية له.

رابعا: صناعة التيسير، وفي هذه السبيل يتجلى تاريخ مكة المكرمة في ما حل بالأرض من تيسير تشريعي/قانوني خفف من الإصر والأغلال، التي كانت تكبل رقبة الإنسان في ظل قوانين وتشريعات سابقة، فكانت مكة المكرمة منبع النور الذي افتتح صفحة جديدة في كتاب التيسير على الإنسانية.

خامسا: طريق الإعجاز، والمتأمل لوصف مكة المكرمة ولا سيما جغرافيا، يلمح واحدا من أوجه الإعجاز العلمي فيما يتعلق بوسطيتها للعالم، وبوصفها مركز القلب من الكرة الأرضية، ولعله بعض المفهوم من قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92]، وهو بعض المفهوم من إطلاق (أم القرى) علما عليها كذلك، وهي مع ذلك تعطي الدليل بحساب أنها أعظم بقعة بحسب الإحصاء تهفو إليها النفوس، وتتطلع إلى الرحيل إليها.

سادسا: وعاء المساواة الإنسانية، إن فحص الصورة الجليلة للتجمع الإنساني متنوع الألوان والأشكال والأعمار والأنواع والأوطان، يعطي الدليل القاطع على إمكان التعايش السلمي الآمن بين البشر جميعا. ففي هذه الفترة التي تمتد أشهرا، هي بحساب الأيام تمثل وقتا طويلا من العام، ولا سيما في ظل التوقيت القديم الذي كان يشغل الوصول إليها وقتا ممتدا، يحيا الحجيج في أجواء آمنة مفروضة بنص المرجعية العليا الحاكمة للمسلمين، وربما استقر وترسخ في ممارسات حكام مكة المكرمة خلال تاريخها الطويل من الجاهلية إلى اليوم.

سابعا: تقديم الدليل على خطر الحياة الإنسانية وارتقاء قيمتها، وهو ما يتجلى في استمرار الاعتراف بالقيمة العالية للحياة الإنسانية عن طريق التذكير المستمر بافتدائه، وإراقة دماء الهدي رمزا لنجاته وافتدائه، الذي هو رمز لاتصال حلقات الإعمار.

في مكة المكرمة يتحقق للإنسانية ما لا يمكن أن يتحقق لها في أي بقعة في أرض الله الشاسعة من أمن وأمان ورضا وملائكية، وفي مكة المكرمة يسكن الطهر المصفى على امتداد التاريخ، فمن ذا يؤرخ للطهر؟

top-ads

# تاريخ مكة # موسم الحج

معرفة