صورة من فيلم «Fjord»
يعود المخرج الروماني الكبير كريستيان مونجو إلى مسابقة مهرجان كان الرسمية في نسختها التاسعة والسبعين من خلال فيلم «Fjord» من بطولة سباستيان ستان وريناتي رينسيف.
الفيلم الأكثر اكتمالاً وسط كل أفلام المسابقة، يضع أسرة مسيحية متدينة في صراع مع نظام يبدو وكأنه يدافع عن الحرية. تبدأ الحكاية من شك في تورط الأسرة في عنف جسدي ضد أطفالها، لكن الرحلة التي يصحبنا فيها مونجو تبدو أكثر تعقيداً من الدراما الاجتماعية التي تظهر على السطح.
هل يمكن أن تصبح الحرية نوعاً من أنواع الديكتاتورية؟ كيف يمكن سرد حكاية تدفعنا لتغيير انحيازاتنا الأخلاقية؟ والأهم ربما سينمائياً، كيف يمكن تحويل دراما اجتماعية إلى رؤية فلسفية قادرة على إعادة التشكل مع كل مشاهدة جديدة؟
تبدأ حكاية الفيلم مع أسرة مكونة من أب روماني وأم نرويجية وخمسة أبناء. تنتقل الأسرة من رومانيا إلى النرويج، بعد أن عرض والدا الزوجة مساعدتهما في رعاية الأبناء. قرار أسري يمكن تفهمه يضع الأسرة في عالم مختلف، فالأسرة ذات الإيمان الإنجيلي تربي أبناءها بشكل مختلف عن عالمهم الجديد.
الأب «ميهاي»، والذي يؤدي دوره سباستيان ستان ببساطة ودون تكلف، والأم «ليسبيت» التي تقوم بدورها المذهلة ريناتي رينسيف بأصالة فريدة من نوعها، يشتركان في كونهما متدينين، ناجحين مهنياً. الأب مهندس، لكنه يعمل في شركة في قسم الـIT في عمل أقل بكثير من مؤهلاته، رغم ذلك يؤديه بإخلاص، والأم ممرضة تعمل برحمة ومحبة في دار رعاية لكبار السن. على جانب آخر، فكلاهما يملك أفكاراً يمكن وصفها بالمحافظة، وفي سياق المجتمع النرويجي بالرجعية. كلاهما يريد تربية الأبناء بشكل محافظ، بعيداً عن الحرية المطلقة: لا إنترنت ولا هواتف محمولة، صلاة في مواعيدها، وعقاب عن كل فعل غير جيد، يبدأ بالحرمان من أنشطة ما، وينتهي بصفعة خفيفة على المؤخرة، أمر يقوم به الأهالي منذ الأزل في العديد من الثقافات.
ما نراه خلال الفيلم أن الأطفال يملكون ليس فقط احتراماً للأب والأم، ولكن حباً أيضاً، لا تخلو العلاقة من عناق وتعبير عن الحب، رغم ما فيها من روتين تربوي.
هل هذا أمر جيد؟ أو أمر مقبول؟ وهل يحق للمجتمع التدخل لتغيير ذلك؟
يضعنا الفيلم في معضلة أخلاقية، فقد تبدأ الحكاية بانحياز واضح ضد العقاب البدني الذي تقوم به الأسرة، من الممكن أن تكون ضد حتى صفعة خفيفة على الجسد، لكن ما تقوم به الدولة عقب ذلك يدفعك للتشكك في انحيازاتك.
تلاحظ إحدى المعلمات في المدرسة أن ابنة الأسرة الكبرى لديها كدمة. هذه الملاحظة تحدث خلال درس التربية الرياضية التي تلعب خلاله الابنة المصارعة. تبني المعلمة تشككها على أن الكدمة نتيجة إيذاء بدني من الأسرة بسبب معرفتها بخلفية الأسرة الدينية. يتصاعد الأمر سريعاً، ويتم تبليغ سلطات حماية الطفل التي تنتزع في نفس اليوم الأطفال، كبيرهم وصغيرهم، من الأسرة، ثم بعد شد وجذب الطفل الخامس الرضيع. التعليل هو حماية الأطفال من عنف الأبوين الجسدي ضدهم، ويستمر الانتزاع حتى تنتهي فترة التحقيق.
تقوم المدرسة وسلطات حماية الطفل بهذا الإجراء العنيف بسهولة شديدة، ودون أي محاولة للتفهم. في مشهد بديع تصل ممثلة سلطات حماية الطفل رفقة معلمة من المدرسة لإخبار الأم بالقرار ولتهديدها بضرورة تسليم طفلها الرضيع أيضاً. تدخل السيدتان منزل العائلة بصلافة ثقيلة، فتبدأ إحداهما في شرب الشاي وأكل الحلوى التي أعدتها الأم التي لا تعرف غرض الزيارة. بعد أن تخبراها بسبب مجيئهما، تطلب منهما الأم بغضب، لكن باحترام شديد، أن تغادرا المنزل، فتهددها مسؤولة حماية الطفل بأن سلوكها هذا سيؤدي لمشاكل أكبر، فيما تستمر الأخرى في شرب الشاي وأكل الحلوى.
يستمر هذا السلوك المتشبع بالكبر والصلف حتى من محامية الأسرة، التي لا تقبل أي تعليق من الأب، ثم تقرر ترك القضية لأنها تجد سلوكه غير مقبول بالنسبة لها، فقط لأنه أراد مناقشتها بعد إحدى الجلسات التي لم يُسمح له بالكلام خلالها بتاتاً.
شيئاً فشيئاً نتأكد من أن محاكمة الأسرة ليست لإثبات الإيذاء الجسدي تجاه الأطفال، ولكن بسبب هويتهم، كينونتهم، معتقدهم وطريقتهم المختلفة عن المجتمع. هكذا يصبح حكم الدولة، وكافة من يمثلون رؤيتها داخل الفيلم، عليهم جاهزاً حتى قبل أن يقوم هؤلاء البشر بأي شيء. أنت رجل متدين محافظ، إذن أنت رجعي وذكوري، حتى لو لم تقم بشيء.
مع استمرار أحداث الفيلم يصبح السؤال: ما مدى ديكتاتورية هذا المجتمع «الحر»، وإلى أي درجة يمكنه فرض «حريته» على من يعيش داخله؟ هل هذه الحرية حقاً؟ وهل النمط الذي يريدون فرضه أفضل فعلاً؟
حينما تبدي إحدى الأمهات النرويجيات البديلات التي استلمت أبناء العائلة صدمتها من أن الأطفال لم يملكوا هواتف محمولة ولم يتعرفوا على يوتيوب من قبل، وتذكر هذا كتدليل على رجعية الأسرة الأصلية أثناء المحاكمة، يصبح الأمر وكأنه جزء من نكتة كافكاوية.
هل تؤمن بأفكار هذه الأسرة المتدينة، أو أفكار آلاف الأسر الشبيهة المهاجرة، وغالباً المسلمة، التي تعرضت لانتزاع أبنائها في دول غربية؟ وبغض النظر عن إجابتك على هذا السؤال، هل نؤمن بأن ما تفعله السلطات، ووجود رؤية عامة لما يجب عليه أن يكون الإنسان، هو أمر مقبول؟ ولو كان ذلك غير مقبول، فما الحل؟
هذا هو سؤال الفيلم الأخلاقي، لكن العالم الذي ينسجه مونجو يتجاوز الدراما الاجتماعية ودراما المحاكم إلى بعد أكثر رحابة. يضع مونجو داخل الفيلم عناصر سحرية سينمائية بخفة شديدة، ومع تأمل هذه العناصر يصبح الفيلم أكثر قابلية للتأويل. كيف نخرج من ضيق الواقع إلى رحابة الخيال؟ وهل يمكن حينها أن نمشي على الماء؟
فيلم «Fjord» هو تحفة كان 79، سيناريو محكم، لكنه يترك لمشاهديه حرية التفكير والتأويل، أداءات تمثيلية ممتازة، وقدرة على البقاء في بالك حتى بعد مشاهدة عشرات الأفلام الأخرى وسط زحام المهرجان.