في ليلةٍ باريسية باردة، كان العالم على وشك مصافحة الأسطورة التي خلبت الألباب بصوتها الساحر والهادر، كالنهر الخالد الذي ترعرعت على شاطئيه. بدا كل شيءٍ غريبًا؛ المحال مغلقة في عددٍ كبيرٍ من الضواحي التي رُفعت فيها صورٌ للسيدة أم كلثوم، وفي خلفيتها الأهرامات والعلم المصري. زحامٌ مروري يخنق المدينة. سفراء وأمراء في مقدمة المرحّبين بمقدم السيدة على خشبة مسرح الأوليمبيا. أبناء الجالية العربية احتشدوا لصوتٍ يعبر بهم — ولو لساعات — جراح نكسة يونيو 1967 أمام عدو صهيوني مدعوم من الغرب. حتى اليهود الشرقيون لم يأبهوا لتحذيرات إسرائيل من وصمهم بالخيانة، وقطعوا تذاكر الحفل باهظة الثمن.
حانت اللحظة الحاسمة؛ وفي تمام التاسعة مساءً صعدت السيدة في حُلّةٍ خضراء مرصعة، وبين «أنت عمري» و«الأطلال» ظلت ثومة لساعاتٍ تُطرب العالم، وتتفرد بـ«الشوق والمحبة»، فيستشعر الجمهور الأثير الفتّان ولو لم يفهم الكلمات، ناهيك عن مائة مليون عربي اعتادوا انتظار الخميس الأول من كل شهر، لتهلّ حفلة «الست» بصوتٍ تطيب له الجراح ويلتئم شمل أُسر.
أصداء حفل أم كلثوم بدت مهيبةً واستثنائية؛ حتى إن شارل ديجول، الرئيس الفرنسي، أرسل خطاب شكر للسيدة أم كلثوم عن ليلة السحر التي قضاها شعبه مع صوتها. وفي صبيحة يوم الحفل الأول، الاثنين 13 نوفمبر 1967، صدرت صحيفة فرنسا الأولى «لو موند» وبها مقال يصف أم كلثوم بثروة أزلية، كما وصف اهتزاز أعناق الجمهور أمامها بنخيلٍ يهتز على شاطئ النيل.
كان إيريك رولو — الدبلوماسي الذي عاش في القاهرة — بين كثيرين كتبوا عن انتفاضة أم كلثوم لتحرير وطنها، وهي تردد صيحتها: «أعطني حريتي أطلق يديّ..»، وحتى وصلت إلى مقطع «ما احتفاظي بعهود لم تصنها.. وإلامَ الأسر والدنيا لديّ»، فظل الجمهور يصفّق بشكلٍ منقطع النظير.
وحين بادر الإذاعي جلال معوّض بتقديم الحفل الثاني لأم كلثوم في باريس، الذي تم بثّه إذاعيًا على الهواء، وقال للجماهير المترقبة:
«اليوم تشدو كوكبُ الشرق في عاصمة النور باريس، وغدًا بإذن الله تشدو في القدس محررة»
غضب مدير المسرح، لكنها واجهته بحزم. نقل الكاتب محمد سلماوي هذه الواقعة في مذكراته «يومًا أو بعض يوم»، وكان شاهدًا عليها، وهي تلتفت إلى الموسيقيين قائلة: «لمّوا الآلات يا ولاد». فما كان من مدير المسرح إلا مطاردتها بتوسلاته، محاولًا محو صفعةٍ لم يشهدها في تاريخه. وقد صدق ثروت عكاشة، وزير الثقافة آنذاك، حين رشحها له كونها صوت مصر، لا مجرد مطربة1.
من حفل باريس الأسطوري يستعيد الكاتب أحمد مراد سيرة أم كلثوم
في فيلمه «الست» بإنتاج مصري مشترك، والذي عُرض مؤخرًا بصالات السينما، وأخرجه مروان حامد، في توليفة كان يُفترض أن تعبر بالأجيال الجديدة إلى سيدةٍ ترتبط بوجدان كل عربي!
صعود الأسطورة
يقوم الفيلم على «فلاش باك» تستعيد فيه أم كلثوم ماضيها انطلاقًا من لحظة وقوفها على مسرح باريس. تغني أم كلثوم (الفنانة منى زكي) رائعة «أنت عمري»، فتتجلى أمام خاطرها مشاهد غيطان القمح في قرية طماي الزهايرة بالدقهلية. تتذكر حين اصطحبها أبوها (الفنان سيد رجب) خارج القرية طلبًا للرزق، فنال صوتها شهرةً ملأت الآفاق، ما شجّع الشيخ أبا العلا، مكتشفها الحقيقي، لينصح أباها بسفرها إلى القاهرة.
من الاقترابات الجيدة في الفيلم سخرية الهوانم والبهوات من ثومة الطفلة القادمة من الريف وجلوسها مع الخدم في البدروم، ثم حين وقفت على مسرح البوسفور وتعرضت لهجومٍ شنيع لأنها لا تغني للحب والدلع، وصفعة أبيها بعد سبّها أحد الحضور2.
لم يكن الأبُ الشيخ مستريحًا لفكرة غناء ابنته. وكما تخبر ثومة نفسها في مذكراتها التي كتبها علي أمين، فقد أرغمها والدها على ارتداء البالطو والعقال، وبعد شائعات نالت من سمعتها، أصر على عودتها للقرية، خاصة بعد أغنيتها «يا ليل» التي رأى أنها تليق بامرأة فاجرة. ولولا وساطة شديدة من أمين المهدي، لما كُتب لمشوار أم كلثوم أن يكون3.
الأصل والاستنساخ
أخطر ما في الفيلم هو غياب روح وصوت أم كلثوم عنه. فشلت البطلة في تقمص روح «الست»، كما تاهت مقاطع الأغنيات في خلفية موسيقية غربية صاخبة للموسيقار هشام نزيه. لم تعكس أيضًا اختيارات الأغاني ملابساتها الزمنية؛ «الليل وسماه» مثلًا لا تصلح تيمة للأربعينيات التي صدحت فيها بأغانٍ تتفق مع ذوق هذه الحقبة، ومنها «أنا في انتظارك».
في فيلم «الست» غاب أيضًا النسيج الحقيقي الذي تبنّى أم كلثوم؛ كبار الشعراء في عصرها، والملحنون، ومنهم السنباطي وعبد الوهاب والشيخ زكريا وبليغ. ليس هذا فحسب، بل ونجوم الطرب عمومًا، ومنهم أسمهان وفيروز وليلى مراد، وصولًا إلى جيل عبد الحليم حافظ، فظهرت أم كلثوم وكأنها نجمة في الفراغ!
هنا يتضح الفارق بين هذا الفيلم وسلفه المسلسل الدرامي «أم كلثوم»، الذي يُعاد بثّه من جديد على التليفزيون المصري، وقد سبقه جهدٌ حقيقي دام لسنوات من قبل القديرين الكاتب محفوظ عبد الرحمن والمخرجة إنعام محمد علي، وبطولة الفنانة صابرين4.
يُضاف إلى أزمات فيلم «الست» تلك الاختلاقات غير المقنعة، كسؤال التابعي — أمير الصحافة ومؤسس «آخر ساعة» — للسيدة في الاستراحة قبل حفلها: «أين ترعرعتِ سيدتي؟»، أو تفاصيل من عينة حالتها الصحية التي يشخصها الطبيب حسن الحفناوي، زوجها لاحقًا، وهو ما جعل الاعتماد على الفيلم لتأريخ سيرتها أمرًا صعبًا5.
بدا أن الفيلم يعمل بآلية الإثارة؛ فانتبه السيناريو لمتفرقات الفضائح لا السيرة. كان ذلك من عينة علاقة الحب التي وأدها القصر بينها وبين شريف باشا صبري، وغيرة القصبجي القاتلة، أو تلذذها بحبٍ من طرفٍ واحد عاناه الشاعر أحمد رامي، الذي تعلمت في الحقيقة تذوق الشعر على يديه، وحولت علاقته بها إلى صداقة6.