فن

«فورست غامب»: البراءة في مواجهة العالم.

«فورست غامب» ليس حكايةَ نجاحٍ عابر، بل درسٌ هادئ في الحكمة التي مثّلها فورست: أن الإنسان قد يُهزم مرات، لكنه إذا ظل قادرًا على الحب، فإنه لم يخسر شيئًا جوهريًا.

future غلاف فيلم «فورست غامب»

تبدو الحياة أحيانًا كنسيجٍ هائلٍ من الصدف، خيوطه تمتد في كل اتجاهٍ بلا مركزٍ ظاهر، حيث يتجاور العبث بالعناية، وتتقاطع الإرادة الحرة مع حتميةٍ غامضةٍ لا يمكن إدراكها. كل شيءٍ في العالم يحدث كما لو كان مصادفة، ثم يكتسب لاحقًا معنىً يتخيله الإنسان ليقنع نفسه بأن للحياة نظامًا يمكن فهمه. في هذا الالتباس بين العشوائية والغرض، يعيش الإنسان مأساته الكبرى: أنه كائنٌ يسعى إلى النظام في عالمٍ لا يتعهّد له به.

من هنا، يصبح «فورست غامب» أكثر من مجرد حكاية رجل بسيط حقق نجاحًا استثنائيًا؛ إنه استعارةٌ للوجود الإنساني ذاته، حين يواجه فوضى العالم بخطواتٍ بطيئةٍ وواثقةٍ دون أن يملك تفسيرًا واحدًا لما يحدث له. فورست ليس بطلًا بالمعنى التقليدي، بل هو مرآةٌ لما نغفل عنه في ذواتنا حين نحاول فهم الحياة أكثر مما نعيشها.

فبينما يتعثر البشر في حساباتهم المعقدة، يواصل فورست مسيره في العالم ببراءةٍ تشبه الحلم، لا يسعى للمعنى، لكنه يصنعه دون قصد، لأن صدقه الفطري يجعله يعيش ما لا نجرؤ على تصديقه.

في هذا المعنى، يقف الفيلم عند مفترقٍ عميقٍ بين القدر والاختيار، بين الإنسان كفاعلٍ في التاريخ والإنسان كمفعولٍ به. يقدم فورست نموذجًا وجوديًا نادرًا: كائنًا خارج الوعي التحليلي، لكنه على تماسٍ دائمٍ مع جوهر التجربة الإنسانية.

إنه الإنسان حين يُجرّد من الذكاء كوسيلةٍ للسيطرة، ليُترك أمام العالم عاريًا من كل سلاحٍ إلا طيبته. ومن خلال هذا التجريد، يعيد الفيلم طرح سؤالٍ قديمٍ جديد: هل الوعي شرطٌ للمعنى، أم أن المعنى يولد فقط حين نتوقف عن محاولة امتلاكه؟

١- الريشة.. استعارة الوجود العابر

الريشة التي تهبط في افتتاح الفيلم لا يمكن النظر إليها كعنصرٍ جماليٍّ عابر، بل بوصفها البذرة الأولى للمعنى، العلامة التي تفتح باب التأويل على مصراعيه. إنها ليست شيئًا يتحرك في الفراغ بغير قصد، بل صورة رمزية لتلك العلاقة الملتبسة بين الصدفة والمصير، بين هشاشة الكائن الإنساني وثقل العالم الذي يسقط فيه.

الريشة خفيفة بما يكفي لأن تتلاعب بها الرياح، لكنها في الوقت نفسه تمتلك حضورًا حقيقيًا يهبط في النهاية على قدم «فورست» كأنها وجدته مصادفة لتختبر به معنى الوجود ذاته. كأن الفيلم، من خلال هذا المشهد الأول، يقول لنا إن كل ما سيحدث لاحقًا محكوم بهذه الخفة: خفة المعنى، وخفة المصادفة، وخفة الكائن الذي يُلقى في الحياة دون أن يختار زمانه أو مكانه.

الريشة لا تعرف إلى أين تمضي، لكنها تمضي رغم ذلك، تحملها التيارات إلى وجهاتٍ متبدلة. هكذا هو الإنسان في العالم، كائنٌ منساق في تيارٍ لا يُدرك مصدره، يحاول أن يخلق من حركته المبعثرة سيرةً ذات معنى، أن يضع في العشوائية ترتيبًا داخليًا لا يراه أحد سواه.

ومن هذه النقطة، يصبح فورست غامب التجسيد الأكثر نقاءً لفكرة «الإنسان الملقى» ـ كما عبّر عنها الفلاسفة الوجوديون ـ الكائن الذي وجد نفسه هنا دون تفسيرٍ مُسبق، والذي لا يملك إلا أن يختبر الحياة كما تأتي، فيغدو فعله نفسه إجابةً على سؤال الوجود. لا يسعى فورست إلى تأمل معناه ولا إلى تفسير الأحداث، بل إلى خوضها حتى آخرها، فيصدق عليه أن «القَفز في الحياة أهم من فهمها».

حين يقول فورست في النهاية:

«I don’t know if we each have a destiny, or if we’re all just floating around accidental-like on a breeze... maybe both is happening at the same time.»

فهو لا ينطق بحكمةٍ متعالية، بل بحكمة البراءة: ذلك الإدراك الغامض بأن العالم ليس منظومة منطقية، وأن وجودنا ليس خطأً ولا ترتيبًا، بل حالة وسطى بين العشوائية والقصد، بين الريح التي تحملنا والاتجاه الذي نتخيله. الريشة ليست رمزًا للعجز، بل للقبول؛ قبول ما لا يمكن تفسيره، والرضا بحقيقة أننا ـ مثلها ـ نحيا خفافًا على حافة المجهول، نُساق إلى أماكن لا نعرفها، وربما في هذا التيه نفسه، تكمن الحرية التي لم نبحث عنها يومًا.

٢- الحياة كعلبة شوكولاتة: الحكمة في البساطة

حين نسمع جملة أم فورست الشهيرة:

«Life is like a box of chocolates, you never know what you’re gonna get.»

قد نظنها مجرد حكمة أمٍّ ريفيةٍ تسلي بها طفلها، لكنها في جوهرها تفتح نافذة على تصورٍ عميق للحياة، أشد عمقًا مما يبدو. فالحياة ـ كعلبة الشوكولاتة ـ لا تُكشف دفعة واحدة، بل تُقدَّم إلينا بقطعٍ مختلفة الطعم، لا نعرف إن كانت حلوة أم مُرّة حتى نعضّها. الفارق الوحيد أن الإنسان، بخلاف الطفل، يظل طوال عمره يحاول أن يتنبأ بما سيذوقه، وأن يختار الطعم مسبقًا، بينما فورست يترك نفسه للتجربة كما هي، يقبلها ببراءة، ويأكل الشوكولاتة دون خوفٍ من المفاجأة.

في هذه الجملة الصغيرة تتكثف الفلسفة التي يعيش بها فورست العالم: فلسفة القبول، لا بمعنى الاستسلام، بل بمعنى الانفتاح على ما لا يمكن توقعه. إنه نموذج لإنسانٍ يعيش اللحظة دون أن يطارد معناها، يدرك أن كثرة الحسابات لا تُحصّن الإنسان من الخيبة، وأن الحياة تُعاش لا لتُفهم، بل لتُختبر. فبينما يقضي الآخرون أعمارهم في تأويل الحياة وتبريرها، يمضي فورست بخفة مَن لم تثقله الأسئلة.

وهنا تكمن المفارقة العميقة: فوسط عالمٍ مضطرب مثل أمريكا الستينيات والسبعينيات ـ عالمٍ يتقلّب بين الحرب الفيتنامية، واغتيالات القادة، واحتجاجات الشوارع، وحركة الهيبيز، وانفجار الأيديولوجيات ـ يأتي فورست ككائنٍ نقي خارج هذا الصخب. وجوده ذاته يبدو كأنه رد هادئ على جنون العالم؛ فهو لا يتورط في الجدل، ولا يرفع شعارات، ولا يملك سردية سياسية أو دينية يختبئ خلفها. إنه يواجه الواقع بفطرته، كما لو أن صدقه الفطري أقدر على النجاة من أي منظومة فكرية.

بذلك يصبح فورست «نقيض الإنسان الأيديولوجي» الذي يفسر كل شيء ويُبرر كل شيء. ففي حين كان جيله ممزقًا بين الحرب والسلام، بين التمرد والامتثال، كان هو يعيش ببساطةٍ طفولية لا تعرف الانقسام. يشارك في الحرب لا لأنه يؤمن بها، بل لأنه طُلب منه ذلك. يحب جيني لأنها موجودة، لا لأنها تمثل فكرة. يركض لأنه لا يجد سببًا ليتوقف. كل أفعاله تتولد من الداخل، من استجابة تلقائية صافية للحياة.

وهكذا يتحوّل نجاحه ـ الذي يبدو في ظاهره سلسلة من المصادفات ـ إلى نوعٍ من النقد الضمني للعقل الأداتي الحديث، الذي يربط النجاح بالتخطيط والمهارة والذكاء. فورست يبرهن، دون أن يقصد، أن النقاء أحيانًا أبلغ من الذكاء، وأن الصدق مع الذات قد يفتح أبوابًا تعجز عنها الحسابات المعقدة. فالبساطة في عالمٍ مفرط في التعقيد ليست سذاجة، بل مقاومة صامتة: مقاومة ضد كل ما يحوّل الحياة إلى معادلة، والإنسان إلى رقمٍ في جدول المصالح.

٣- جيني والحب السائل

في مقابل براءة فورست التي تسير في خطٍّ مستقيمٍ كالماء المتدفق، تأتي جيني بوصفها الوجه الملتبس لعصرها، وصورةً مكثفة للإنسان الحديث الممزق بين الرغبة في الحرية والخوف من الفراغ. وُلدت في بيتٍ ملوثٍ بالاعتداء، في طفولةٍ لا تعرف الأمان، فخرجت إلى العالم تحمل في جسدها ذاكرة القيد، وفي روحها توقًا لا نهائيًا للهروب. غير أن الهروب، كما يصوره الفيلم، لا يقود إلى النجاة، بل إلى دورانٍ لا ينتهي حول الذات الجريحة.

تتبدل جيني بتبدل الأزمنة: من فتاةٍ ريفيةٍ بسيطة، إلى مغنيةٍ متحررة، إلى ثائرةٍ هيبية، إلى امرأةٍ منهكةٍ بالمخدرات والوحدة. في كل تحولٍ تظن أنها تقترب من الحرية، لكنها تزداد بعدًا عنها. إنها تجسيدٌ لما وصفه زيجمونت باومان بـ«الحب السائل»، ذلك الحب الذي تذوب فيه العلاقات كما يذوب الجليد في الماء: بلا شكلٍ، بلا التزامٍ، بلا عمق. في عالمٍ يقدس اللحظة ويخاف من الاستمرار، تصبح جيني نموذجًا للإنسان الذي استبدل معنى الحرية بالانفلات، ففقد كليهما معًا.

أما فورست، فيقف على النقيض تمامًا منها: حبه لا يُدرك بالتحليل ولا يُفهم بالمنطق، لأنه لا ينبع من الحاجة إلى الآخر، بل من الإيمان به. إنه لا يرى في جيني تاريخها المثقل ولا جروحها المعقدة، بل يراها كما كان يراها وهو طفل يهرب معها من أبيها في الحقول: كائنًا نقيًا يستحق الحماية. حين تحاول هي الهرب من ذاتها، يظل هو في مكانه، كأنه نقطة الثبات الوحيدة في عالمها المتغير. ولذا، فحبه ليس علاقة تبادلية، بل صلاةٌ صامتة، إخلاصٌ لا ينتظر المقابل.

حين يقول فورست عبارته الموجعة:

«I’m not a smart man, but I know what love is.»

فهو لا يعرّف الحب، بل يشهد عليه. الغباء الذي يتحدث عنه ليس نقصًا في الفهم، بل براءة من التعقيد، صفاءً من التلوث العاطفي الذي يصيب البشر حين يحوّلون الحب إلى مشروعٍ أو صفقةٍ أو تجربة. إنه يقول ـ ببساطةٍ تشبه المعجزة ـ إن الحب لا يُفهم بالعقل، بل يُعاش كما هو، دون قيدٍ أو ضمان.

تعود جيني إليه بعد رحلةٍ طويلةٍ من التيه، مثقلة بالهزائم، كأنها اكتشفت أخيرًا أن البساطة التي فرّت منها كانت هي الحقيقة الوحيدة القادرة على احتوائها. لحظة عودتها ليست مصالحة عاطفية فحسب، بل اعترافًا وجوديًا متأخرًا بأن الحنان الذي ظنته ضعفًا كان في الحقيقة شكلًا آخر من القوة. تموت بعد ذلك بوقتٍ قصير، كأنما لتكتمل الدائرة: فبين براءة فورست وجراح جيني يقف الفيلم شاهدًا على مأساة الإنسان المعاصر، الذي لا يعرف كيف يحب إلا حين يفقد من يحب.

٤- البراءة كقوة مضادة للأيديولوجيا

إذا كان التاريخ الأمريكي الحديث قد بُني على سرديات البطولة والإنجاز والعقلانية والهيمنة، فإن فورست غامب يأتي كخطابٍ معاكس، كهمسٍ إنسانيٍّ في وجه ضجيج الأبطال العظام. فبدلًا من القائد الذي يصنع التاريخ، أو المفكر الذي يوجه الوعي، يقدّم الفيلم بطلًا من طينةٍ أخرى: إنسانًا بلا مشروع، بلا أيديولوجيا، بلا وعيٍ بمكانه في السرد الكبير، ومع ذلك ـ أو ربما لهذا السبب تحديدًا ـ يصبح رمزًا لمعنى آخر للبطولة، بطولة الصدق والبساطة والبراءة.

إن فورست، في جوهره، ليس بطلًا يسعى إلى الخلود، بل كائنًا يتحرك بدافعٍ فطريٍّ من الخير، لا من فكرةٍ عنه. حين يُستدعى للحرب، يذهب ببساطة؛ لا لأن الوطن فكرة مقدسة في ذهنه، بل لأن أحدًا أخبره أن ذلك ما يجب فعله. حين يؤسس شركة «BUBBA-GUMP» أو يستثمر في شركة آبل، لا يسعى إلى المجد أو الربح، بل يتبع مجرى الصدفة كما لو كان جزءًا من نهرٍ لا يفكر في مصبّه. كل ما يفعله يبدو عاديًا، لكنه ـ في تراكمه ـ يفضح زيف المنطق الحداثي الذي يجعل من الإرادة الفردية مركز العالم، ويعيد الاعتبار إلى ما هو عفوي، لا إرادي، صادق في بساطته.

من هذه الزاوية، يصبح فورست غامب نقدًا غير مباشر للعقل الأداتي الحديث الذي صاغ العالم على صورة المصنع والمختبر والسوق. فالعقل الذي يزن كل شيء بالمنفعة والمردود قد فقد الحس بالدهشة، بالحياة كعطيةٍ لا كخطة. فورست يذكرنا بأن الوعي المفرط، حين ينفصل عن القلب، يصبح عبئًا لا ميزة، وأن البراءة ـ لا الذكاء ـ قد تكون أحيانًا أكثر أشكال الوعي صدقًا.

يعيش فورست في عالمٍ ما بعد الأيديولوجيا، عالمٍ استُهلكت فيه كل الشعارات الكبرى من حريةٍ وعدالةٍ وتقدم، حتى فقدت معناها. في هذا الفراغ، تبرز براءته كقوةٍ مضادةٍ للخطاب، كأنها آخر ملاذٍ للإنسانية البسيطة في حضارةٍ أرهقها الوعي بذاتها. هو لا ينتمي إلى اليمين أو اليسار، لا يرفع رايةً ولا يهاجم أخرى، بل يسير بخطٍّ مستقيمٍ لا يلتفت، فيكشف بمحض سذاجته هشاشة البنى التي يتقاتل عليها الآخرون.

إنه الإنسان الذي يذكّرنا بأن الخير لا يحتاج إلى نظرية، وأن النقاء ليس جهلًا، بل وعيًا بدائيًا من نوعٍ أعمق، يشبه حدس الطفل حين يميّز بين النور والعتمة دون أن يتفلسف في ماهيتهما. فورست، بهذا المعنى، هو آخر البريئين في عالمٍ صاخبٍ بالذكاء، البطل الذي لا يعرف أنه بطل، والذي تمثل حياته البسيطة ـ ضد كل ما هو أيديولوجي ـ احتجاجًا صامتًا على القرن الذي استبدل الروح بالمنهج، والقلب بالآلة.

٥- الركض كفعل وجودي

الركض في عالم فورست غامب ليس رياضةً ولا هروبًا فحسب، بل طقسٌ وجوديٌّ كامل، يتحوّل فيه الجسد إلى وسيلة للنجاة من ثقل المعنى. منذ اللحظة الأولى التي صرخت فيها جيني:

«Run, Forrest, run!»

وهو يكتشف أن الجري لا يحرره من الآخرين فقط، بل يحرره من نفسه أيضًا، من هشاشته ومن عجزه عن تفسير العالم. الركض هو اللغة الوحيدة التي يستطيع بها أن يتكلم مع الحياة دون وسيط، أن يستجيب لندائها دون أن يحاول فهمه.

حين يمشي بدعّاماتٍ حديدية لساقه في الطفولة، يُجبر على الركض ليكسر قيده المادي، لكنه في عمق الصورة يركض ليكسر قيدًا آخر: قيد الوعي بالعجز. فكلما جرى، تقلّصت المسافة بينه وبين الحرية، بين الجسد والروح، بين الأرض والسماء.

وعندما يكبر ويبدأ ركضته الأسطورية عبر البلاد، لا يكون قد قرّر ذلك بوعيٍ فلسفيٍّ، بل اندفع كما تُدفَع الكائنات نحو الضوء. يركض لأن الحياة تدفعه، لأن الحركة أصدق من التفكير، ولأن الثبات ـ في عالمٍ مضطربٍ كهذا ـ نوعٌ من الموت.

في أحد أعمق مستويات القراءة، يصبح الركض عند فورست صورةً صوفية للسير إلى الله أو إلى المطلق. فكما يسير المتصوف في طريقٍ لا يعرف نهايته طلبًا للتجلّي، يجري فورست في طريقٍ لا يعرف سببه، بحثًا عن طمأنينةٍ غامضة. جسده هو وسيلته الوحيدة للتأمل، وعرقه هو شكلٌ من أشكال الصلاة. إنه الجواب الفعلي على سؤال: «ما العمل في عالمٍ بلا معنى؟» الجواب الذي لا يُقال بل يُفعل: أن تركض. أن تواصل الحركة في وجه العبث، لأن التوقف يعني السقوط في الهاوية.

ولذلك، حين يتوقف فجأة وسط الصحراء بعد سنواتٍ من الركض، لا يقدّم تفسيرًا. يكتفي بأن يقول:

«I’m pretty tired... I think I’ll go home now.»

وهي جملةٌ تختصر التجربة الوجودية بأكملها: لا نعرف لماذا بدأنا، ولا نعرف تمامًا متى ننتهي، لكننا نركض ما دمنا أحياء، ثم نتوقف حين يحين الوقت. فالحياة، كما يلمّح الفيلم، ليست سباقًا نحو غايةٍ محددة، بل حركةٌ دائمة داخل الغموض، حركةٌ هي في ذاتها معنى الوجود.

خاتمة: حين ينتصر القلب على العالم

حين يودّع فورست جيني عند قبرها، ويجلس ابنه على حافلة المدرسة، تعود الريشة لتطير في الهواء. ليست الريشة هذه المرة مجرد دائرةٍ تتكرر، بل خاتمة مفتوحة تعيدنا إلى سؤال البداية: هل كانت الحياة مصادفة أم قدرًا؟ لكن فورست، وقد جرّب الحياة بكل وجوهها، لم يعد بحاجة إلى الإجابة. لقد فهم أن الوجود لا يُفهم بالعقل وحده، وأن المحاولة الدائمة للتفسير قد تكون شكلًا آخر من أشكال التيه. الريشة الآن ليست عبثًا، بل علامة على تصالح الإنسان مع فوضى العالم، قبول أن تكون محمولًا بالريح دون خوف.

الفيلم لا يقدّم إجابات نهائية، بل يتركنا أمام مفارقة الوجود كما هي: أن الإنسان لا يملك السيطرة الكاملة على مصيره، لكنه قادر على أن يختار كيف يستقبل ما يحدث له. الحرية ليست في توجيه الريح، بل في اختيار الطريقة التي نطفو بها في وجهها.

وبينما يصرّ العالم الحديث على أن الذكاء والمعرفة هما الطريق الوحيد للنجاة، يأتي فورست غامب ليقلب المعادلة: القلب أيضًا وسيلة للفهم، والبراءة ـ تلك التي نحتقرها عادة ـ ليست غباءً، بل نوعًا من الحكمة القديمة التي فقدها العالم في ضجيجه.

لقد عاش فورست في قلب القرن العشرين، في زمنٍ غارقٍ بالأيديولوجيات الكبرى، الحروب، الثورات، التقدم التقني، سقوط القيم وبعثها، ومع ذلك خرج من كل ذلك كما دخل: طيبًا، بسيطًا، بلا كراهية. كأنه الكائن الوحيد الذي لم تفسده الحداثة، لأنه لم يدخل لعبتها أصلًا. لم يحاول أن يفهم العالم ليغلبه، بل عاشه كما هو، فانتصر عليه.

إن انتصار فورست ليس بطوليًا على الطريقة الكلاسيكية، بل هادئ، داخلي، يشبه انتصار النهر على الصخر، بالصبر لا بالقوة. وفي النهاية، حين نراها ـ الريشة ـ تحلّق من جديد، ندرك أن الحياة تستمر، وأن الحكمة التي تركها فورست ليست في ما أنجزه، بل في ما مثّله: أن الإنسان قد يُهزم مرات، لكنه إذا ظل قادرًا على الحب، فإنه لم يخسر شيئًا جوهريًا. فالعالم قد يملك العقل، أما فورست فامتلك القلب، والقلب حين يظل نقيًا، يعرف طريقه ولو وسط العاصفة.

top-ads

# سينما عالمية # فن

السينما كشهادة في «صوت هند رجب»
السحر والعرش .. استعادة تاريخ قدماء المصريين
آخر أيام «الجريمة والعقاب»: سيرة «الكوميديا الإلهية» لمخرج في شوارع طهران

فن