فن

البينشي: عندما أتى الجمهور من أجل الراوي لا الفيلم

قبل أن تتكلم السينما اليابانية… كان هناك من يتكلم بدلًا عنها: حكاية «البِنشي»، الفن الياباني الذي اختفى حين بدأت الأفلام تتكلم.

future صورة تعبر عن تسجيل لسرد البينشي والموسيقى والمؤثرات الصوتية

شهدت فترة الثلاثينات طفرةً في صناعة السينما اليابانية، وأصبحت أكثر انتشارًا وتنوعًا، ومال العديد من صناع الأفلام إلى التجريب واختبار أساليب وزوايا جديدة، متأثرين بالطفرة التكنولوجية في صناعة السينما في أمريكا والدول الأوروبية. شهدت دور السينما في اليابان إقبالًا واسعًا وصل إلى ملايين الزيارات السنوية، وأصبح العمل في مجال السينما بمختلف فروعه عملًا مربحًا، وتم إنتاج عدد كبير من الأفلام، ما بين 400 و500 فيلم سنويًا.

ولكن، على الرغم من كثافة الإنتاج، فقد استغرق الأمر وقتًا طويلًا قبل أن تنتشر الأفلام الناطقة في اليابان. كانت هناك محاولات متفرقة، لكن لم ينجح الصوت في الانتشار إلا عام ١٩٣١، مع فيلم «زوجة جاري وزوجتي» (Madamu to nyōbō، للمخرج هينوسوكي غوشو).

في العام التالي، لم تتجاوز نسبة الأفلام المسجلة الناطقة ١٠٪. وحتى عام ١٩٣٧، استمر إنتاج الأفلام الصامتة. وجاءت مقاومة دخول الصوت في السينما اليابانية من عدة عوامل، كان في مقدمتها «البينشي»، وهو مصطلح يُطلق على مؤدٍ يتواجد في غرفة العرض، يتولى التعليق الصوتي والترجمة الفورية والتفسيرية، ومع الوقت أصبح يؤدي أصوات الممثلين. كان البينشي تقليدًا شعبيًا لم يرغب اليابانيون في التخلي عنه، وحاربت نقابتهم لسنوات ضد الصوت، إذ اعتبرته إضافةً تجعل دور البينشي غير ضروري.

البينشي من المسرح إلى شاشة السينما

ظهرت كلمة «بينشي»، وهو مصطلح مشتق من عبارة «كاتسودو شاشين بيننشي» التي تعني «مُعلق الصور المتحركة»، بالتزامن مع وصول السينما إلى اليابان عام 1896. ولم يكن «البينشي» اختراعًا لم يسبق له التواجد في اليابان من قبل، بل هو امتداد لأشكال المسرح الياباني التاريخية، في مقدمتها مسرح «النو» الذي تشكل في اليابان في بدايات القرن الثالث عشر، ومسرحا «الكابوكي» و«البونراكو» اللذان نشآ في بداية القرن السادس عشر.

خلال العقد الأول من ظهور الصور المتحركة، كان البِينشي يظهرون عادةً قبل عرض الأفلام، ليقدموا للجمهور شرحًا مفصلًا حول محتوى الفيلم الذي سيشاهدونه. ونظرًا لأن معظم الأفلام حينها كانت أجنبية، كان البينشي يقضون وقتًا في شرح ما تتضمنه تلك الأفلام من مظاهر الحياة الغربية وعاداتهم. ومع تطور الأفلام لتصبح أكثر اعتمادًا على السرد، بدأ البينشي في تلخيص حبكات الأفلام وشخصياتها ضمن هذه المقدمات التمهيدية.

مع تطور حبكات الأفلام لتصبح أطول وأكثر تعقيدًا، ازدادت قيمة وأهمية «البينشي»، وأصبح عامل جذب رئيسي. وتطور دورهم ليصبحوا «ممثلين» يتحدثون بصوت الشخصيات على الشاشة بأسلوب مسرحي. عادةً كان الفيلم هو ما يجذب الناس إلى دور السينما، ولكن البينشي هو من يُحدد أي دار سينما سيختارها الجمهور. أصبح البينشي نجومًا ثقافيين بارزين في ذلك الوقت، حيث كان دخلهم يُضاهي، إن لم يفوق، دخل العديد من الممثلين.

البينشي بين الهيمنة ومحاولات المقاومة

امتد العصر الذهبي لمؤدي «البينشي» بين عامي 1926 و1931، وأصبحوا شكلًا فنيًا قائمًا بذاته. في تلك الفترة تقريبًا، كانت اليابان المكان الوحيد الذي أصبح فيه الرواة جزءًا لا يتجزأ من صناعة السينما. كما اكتسبوا بعض الشعبية في دول مثل تايوان وتايلاند وكوريا، لكن ذلك كان في الغالب نتيجة لنفوذ اليابان على هذه البلدان في ذلك الوقت.

وفي أوائل العشرينات من القرن العشرين، ظهرت أول محاولة تهديد لمكانة وشعبية «البينشي»، على يد مجموعة من صناع الأفلام والنقاد الشبان، الذين أطلقوا حركة سينمائية سُمّيت بـ«حركة الفيلم النقي»، والتي دعت إلى تبني أساليب أكثر حداثة وسينمائية في صناعة الأفلام. انتقد نقاد في مجلات مثل «كينما ريكورد» و«كينما جونبو» السينما اليابانية السائدة آنذاك، معتبرين إياها مسرحية بشكل مفرط. كان يُطلب من صانعي الأفلام تصوير الأفلام بلقطات طويلة، وترك سرد القصة للبينشي في قاعة العرض، بدلًا من استخدام تقنيات مثل اللقطات المقربة والمونتاج لسرد المشهد بصريًا.

رأى ممثلو الحركة أنه بسبب «البينشي»، كان صانعو الأفلام اليابانيون بطيئين في تبني وتطوير تقنيات سرد القصص السينمائية. فقد أدركوا أن ما لا يستطيعون نقله بصريًا سيُشرح صوتيًا بشكل مبسط وأقل تكلفةً بواسطة «البينشي». ولهذا السبب تحديدًا، هاجمتهم «حركة الفيلم النقي». إلا أنهم فشلوا في محاولتهم التخلص من ثقافة «البينشي»، فقد اعتاد الجمهور على تعليقات «البينشي» المستمرة، التي شملت الارتجال، وإلقاء النكات، وأحيانًا الخروج عن النص، واستمتعوا كثيرًا بما أضافه إلى التجربة السينمائية. مع ذلك، أدى هجوم «حركة الفيلم النقي» إلى بعض التغييرات، أبرزها اندثار المقدمات التي كان يلقيها «البينشي» قبل عرض الفيلم.

من المجد إلى الاختفاء

مع زيادة شعبية «البينشي» عامًا تلو الآخر، بدأت الحكومة اليابانية في ذلك الوقت تشعر بالقلق حيال تأثير ذلك على الأخلاق العامة. لم يُرد المسؤولون عن اليابان حينها أن يعتقد عامة الناس فجأة أنه من المقبول السُكر أو إقامة علاقات مع نساء متزوجات، فقد يتسبب ذلك في فوضى أخلاقية عارمة في المجتمع. ولذلك، كانت الشرطة تحضر عروض الأفلام للتأكد من أن «البينشي» لن يُغير حبكة الفيلم إلى شيء غير لائق بالآداب العامة.

بالتزامن مع ذلك، بدأ يتعرض مؤدو «البينشي» لانتقادات شرسة من الصحف اليابانية والمسؤولين الحكوميين، بسبب إضافتهم بعض الألفاظ البذيئة إلى أدائهم، أو بسبب ظهورهم وهم في حالة سُكر، أو لقيامهم بخداع بعض الجماهير للحصول على أموال إضافية. وفرضت شرطة طوكيو نظام الترخيص والاختبارات الإلزامية. وللحفاظ على وظائفهم، كان على مؤدي «البينشي» اجتياز اختبارات ثقافية واجتماعية للحصول على رخصة عمل. من خلال ذلك، بذلت الحكومة جهودها لتدريب «البينشي» على ما ينبغي وما لا ينبغي لهم قوله على المسرح. وعلى الرغم من أن العديد من البينشي لم يكونوا دائمًا يهتمون بما تعتبره الحكومة مقبولًا في عروضهم، إلا أن تلك الضغوطات والمعوقات بدأت، مع مرور الوقت، تؤثر على شعبيتهم.

وصلت الأفلام الناطقة إلى اليابان في أوائل الثلاثينيات، لكن الأفلام الصامتة استمرت في الإنتاج، لكنها تعرضت للنكسة الأولى في عام (1932)، مع بدء إضراب مترجمي الأفلام بقيادة «هيجو كوراساوا»، شقيق المخرج الياباني الأسطوري «أكيرا كوراساوا». كان «هيجو كوراساوا» أحد أبرز الـ«بِينشي»، وقد تخصص في ترجمة وتفسير وسرد الأفلام الأجنبية. بعد فشل الإضراب الذي قاده احتجاجًا على فصل البينشي المتخصصين في الأفلام الأجنبية بعد إدخال الصوت، عانى «كوراساوا» من الاكتئاب الشديد، وانتحر في يوليو 1933 عن عمر يناهز 27 عامًا. لم تكن النهاية مأساوية لجميع مؤدي «البينشي»، فبعضهم استطاع التكيف مع التطور التكنولوجي، ووجدوا لأنفسهم مكانًا في الشكل الجديد للسينما، فأصبح بعض البينشي المفصولين نجومًا في الأفلام الناطقة، أو رواة لأفلام غير روائية، أو مؤدين في الراديو أو على المسرح.

لم يكن حتى عام 1935 أن فاز فيلم ناطق بالجائزة الأولى في تصويت النقاد السنوي لمجلة «كينما جونبو»، وبدأت هيمنة الأفلام الناطقة فعليًا. بذل البينشي قصارى جهدهم من أجل الصمود والحفاظ على مهنتهم، ولكن في النهاية كان لا بد للجديد أن يحل محل القديم، واندثرت مهنة البينشي تدريجيًا. وكان من آخر الصور التي ظهروا بها عبارة عن تسجيل لسرد البينشي والموسيقى والمؤثرات الصوتية ودمجها مع فيلم صامت، وقد سمح هذا للمسارح بتقديم «تجربة البينشي»، لكن بشكل جديد دون وجود فنان حي حقيقي على المسرح.

top-ads

# سينما عالمية # سينما يابانية # سينما

هامنت.. عندما تتحول المأساة إلى فن
الجواهر الخفية من السينما المصرية: «شحاتين ونبلاء»
حوار مع المخرج المصري محمد حماد: الفيلم فعل سياسي

فن