صورة من مدرسة الإمام الشافعي في مسجد السلطان حسن
—نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة الرسالة 23 يونيو 1952
يتمثل لي الإمام الشافعي حين أدرس سيرته، عملاقًا تحليليًا، ضامر الجسد، مقبول الطلعة، على الرغم مما قيل عن ملامحه.. فليست الملامح في الحق هي كل شيء، وقد تبدو غير متسقة، ولكن يبرز من ورائها روح صاحبها قامة في القبول والتقدير عند من يتصل به.
وأرى فيه مظهر الرجل الذي يصفه علم النفس بالانطوائي… وكل الرجال الذين احتضنوا الأفكار والدعوات والمذاهب، كانوا من هذا الصنف.
وقد عُرف الشافعي بأنه يحب العزلة أحيانًا، ويلجأ إلى الصمت أحيانًا، وأنه يُمكن لنفسه بذلك من التأمل والدرس والمراجعة، وهي عدة الفقيه والداعية، وأتاح له هذا الجسد النحيل القدرة على السفر والرحلة، واحتمال مشقة الانتقال بين العراق ومكة والمدينة ومصر.
وُلد في مكة، ورحل إلى المدينة، ثم سافر إلى اليمن، ثم حُمل إلى بغداد، ثم عاد إلى مكة، وقصد إلى بغداد، ثم إلى مصر، حيث أقام فيها بقية حياته. وقد أتاح له هذه الرحلة، وهذا التنقل المتصل، خلال هذه المنطقة التي كانت تعد في ذلك الوقت قلب العالم الإسلامي، فرصة واسعة لدراسة طبائع الناس وأخلاقهم، ومعرفة مصالحهم واتجاهاتهم، وفهم الحياة ومشاكلها وقضاياها.
وقد أنضجت الرحلة ذهن الشافعي وتفكيره، وأمدته بقوة سيكولوجية رائعة، وأتاح له ذكاؤه المتقد، وقدرته العقلية الجبارة، مرونة ولباقة جديرتين بالتقدير. فهو قد غيّر مذهبه الذي وضع أصوله في العراق حين استقر في مصر، ووضع بدلًا منه مذهبه الجديد، الذي ضمنه خلاصة تجاربه وملاحظاته ودراساته خلال تلك الفترة الطويلة التي قضاها متنقلًا في الأقطار الإسلامية.
وكانت تجارب الأئمة والفقهاء الذين التقى بهم، وقرأ لهم، قد تبلورت في نفسه، واستقرت، فاختار منها ما رآه صالحًا مع البيئة الجديدة التي استقر فيها.
وإذا كان يقال إن أبا حنيفة قد شرّع بروح العراق، وإن مالكًا قد شرّع بروح الحجاز، فإن الشافعي قد شرّع بروح مصر، ويكاد الشافعي إلى ذلك أن يكون رابطة العقد بين فقهاء عصره؛ فلقد وُلد في العام الذي مات فيه أبو حنيفة، وتلقى العلم على مالك في المدينة، فبهره بجودة حفظه وألمعية ذكائه، ثم كان ابن حنبل من تلاميذه.
وقد التقى حين قدم العراق بأبي يوسف ووكيع، وبذلك يمكن القول إن الشافعي قد أحاط بالفقه الإسلامي في عهده، واستوعبه استيعابًا كان كفيلًا بأن يجعله عميد الفقهاء وإمامهم في عصره، فهو الإمام الذي وضع الموازين والمقاييس، وضبط الفقه، بعد أن جادل الفقهاء وقارعهم وانتصر عليهم.
فإذا تركنا الحديث عن شخصيته الإنسانية وجدناها غاية في القوة والسمو والحيوية، حافلة بتعدد الجوانب، رحبة الأفق، وذلك بالإضافة إلى ما أُثر عنه من براعةٍ وذكاء.
يتحدث الذين عاصروه عنه أنه كان محبوبًا إلى نفوس عارفيه، وكان إشعاعه ولياقته وحسن حديثه يكسبه حب الناس وثقتهم، مما كان يزيد عدد أتباعه ومريديه يومًا بعد يوم. وأنه قد توافرت له صفات الداعية صاحب المذهب، هذه الصفات التي تتمثل فيما أثر عنه من طول أناة وحِلم، وابتسام ثغر، وإشراق وجه، وبعد عن الغضب، وتواضع وخفض جناح، وسلامة صدر، وصفح عمن يسيء إليه، وبعد عن التعصب وإملاء الرأي… فقد كان يعذر مخالفيه في الرأي ويقبل منهم، ويرجع ذلك إلى تلك الأصالة النفسية التي كوّنت «طابعه» طابع الزعامة.
فقد كان «رياضيًا» تعلم الرماية وأغرم بها وأجادها، وكان يرمي عشرة في عشرة، وقال من نفسه:
«وكانت همتي في الرمي والعلم».
وقد نقل أسلوب الرياضيين من ميدان الرمي إلى حلبة الفقه، فكان واسع الصدر إزاء معارضيه.
وآية قدرته في الإقناع على طريقة الرياضيين، إقناعه الرشيد ببراءته وهو يخوض بحرًا من الدماء؛ فقد صُفّت أمامه قسمة استُلّت السيوف اللامعة لأعناقهم، فلما جاء دوره أعطته عارضته القدرة على أن يناقش الرشيد ويقنعه وهو في هذا الجو العاصف وإزاء هذه الشخصية الجبارة.
لقد اتهم بالعمل ضدّ الرشيد وحُمل مقيّدًا من اليمن مع عشرة من أصحابه، فلما جئ بهم إلى الرشيد وُضع حدًا لأجلهم، أما هو فقد أقنع الخليفة، فقد قال له وهو بين النطع والسيف:
«يا أمير المؤمنين، ما تقول في رجلين أحدهما يراني أخاه، والآخر يراني عبده، أيهما أحب إلي؟» قال: «الذي يراك أخاه». قال: «فذاك أنت يا أمير المؤمنين». فلما وضع يده على الخيط مضى يثبته بقوة، قال: «إنكم ولد العباس، وهم ولد علي، ونحن بنو عبد المطلب، فأنتم ولد العباس تروننا إخوتكم، وهم يروننا عبيدهم». ونجا.
وقد بلغ به حب الرماية أن لم يكن جلال السن والإمامة بمانعٍ إياه عن أن يرمي، وقالوا عنه إنه كان يقتصد في لباسه، ولم تُعرف له صفيرة، وكان يجلس في حلقته إذا صلى الصبح، فيجيئه أهل القرآن فيقرئهم، فإذا طلعت الشمس قاموا، وجاء أهل الحديث يسألونه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا، ثم تستوي الحلقة للمناظرة والمذاكرة، فإذا ارتفع النهار تفرقوا، ثم جاء أهل العربية والعَروض والشعر والنحو حتى يأتي المساء، والشافعي جالس في حلقته، لا يضيق بالعلم ولا بالناس.
ولا عجب، فقد كان الشافعي أديبًا يتذوق الشعر، ويقول أجوده، ويقدر الجمال ويعجب به في مختلف صوره النفسية والحسية، بل لقد كاد أن يكون أديبًا خالصًا أو فنانًا خالصًا، لولا أن أتيحت له فرصة دراسة الفقه، فمضى فيه حتى برز وبلغ القمة.
وقد رُوي عن ذكائه ولمعيته وسرعة حفظه الكثير، مما زاد في قوة شخصيته، أضف إلى ذلك ما رُوي من أنه إذا تكلم كان صوته أشبه بالصفج أو الجرس، وكان إذا قرأ القرآن التف حوله الناس، وهجّوا بالبكاء. قال بعض أتباعه:
«كنا إذا أردنا أن نبكي قلنا قوموا إلى هذا الفتى المطلبي الذي يقرأ القرآن، فإذا أنشد استفتح القرآن تساقط الناس بين يديه، وكثر نحيبهم بالبكاء من حسن صوته».
ومن هنا جاءت قوته كداعية، يستطيع أن يجمع الناس حوله وأن يحببهم إليه، وتلك من الشمائل التي لا تتوافر للكثيرين. فقد أُتي به مقيّدًا من اليمن مع عشرة من أصحابه، فلما جيء بهم إلى الرشيد وضع حدًّا لأجلهم. وقديمًا كان الصوت الجميل وطلاقة اللسان من أدوات الداعية الفذ.
ويرجع السر في فصاحة الشافعي إلى أنه أقام بالبادية، فلقن اللسان العربي، وفي المدينة وصل إليه علم مالك كله، فقد لازمه حتى مات، وفي بغداد وصل إليه علم أبي حنيفة كله بعد أن حمله محمد بن الحسن. ومن ثم اجتمع له علمان: علم أهل الرأي، وعلم أهل الحديث. وقد وصل الشافعي بعلمه وثقافته إلى درجة المجتهدين، وارتفع من أن يكون من أتباع مالك أو تلامذته الذين يجرون في حدود مذهبه، فكان ذلك مصدر الخلاف بينه وبين المالكية في مصر، وقد لقي من ذلك عنتًا شديدًا.
وتوافرت للشافعي كل وسائل «العالِم»، كما توافرت له كل وسائل «الداعية»، فقد أُثر عنه أنه كان يذهب إلى الصباغين يتساءل عن معاملاتهم، ويرتاد السوق يحدث أصحاب الحِرف. وبلغت به الثقة أن كان يعرف أن أهل مصر فرقتان: فرقة مالت إلى قول مالك، وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة، ولكنه كان يقول في حماسة ظاهرة:
«أرجو أن أقدم إلى مصر فأتيهم بما أشغلهم به عن القولين جميعًا».
وقد حدث ما توقعه، غير أن الخلاف لم يلبث أن نشب بين أتباعه وأتباع مالك، فلقيه فتيان ابن أبي السمح المالكي ليلًا فضربه أحدهم بمفتاح حديد فشجّه، فلم يُسعف بالعلاج فمات. وقد مات فقيرًا، ولم يترك شيئًا يُذكر، وكان قد أجهد نفسه في الفترة التي قضاها في مصر إجهادًا بلغ به غايته.