معرفة

أُمَّةُ الرسولِ « رسولُ الأُمَم »

الخيرية ليست انتماءً يُورث، بل رسالة تُحمل وعمل يُؤدّى؛ فإذا تركت الأمة وظيفتها، تبدلت أحوالها. فهل نحمل الرسالة أم نكتفي بالانتماء؟

future المسجد النبوي بالمدينة المنورة

(1)

يُحكى أن تاجرًا واسع الثراء خرج في سفر بعيد عن وطنه، وحضرته منيّته هناك، فكتب رسالة لأبنائه في الوطن يخبرهم فيها بمكان صندوق كبير مليء بالذهب مدفون في موضع ما من البيت، يضمّ ثروة هذا التاجر الكبير، وبأمرهم في الرسالة بإخراج الصندوق والإنفاق مما فيه على حاجات معاشهم.

فلما وصلت الرسالة إلى أبناء التاجر، لم يفتحوها، لكنهم فرحوا بها فرحًا وسرّوا بها سرورًا وحملهم على ذلك أن وضعوها في إطار من الزجاج الملوّن جميل المنظر، وأحاطوها بقماش القطيفة والحرير، وطفقوا يضمّخون الخمائل المحيطة بأزكى العطور والرياحين، وكلما نظروا إلى الرسالة وما حولها من الزينة والفخامة تذكروا والدهم الراحل في الأرض البعيدة وبكوا لفقده.

ثم إن سُبل العيش قد ضاقت بهم، ونفدت النفقة اليسيرة التي كان أبوهم قد تركها لهم، حتى إنهم فكروا في بيع البيت والانتقال إلى آخر صغير متواضع لينفقوا من فرق السعر بينهما على حاجات معاشهم، كل هذا وهم معتنون أشد عناية برسالة أبيهم تزيينًا وتعطيرًا دون أن يفتحوها أو يقرأوا ما فيها، ولو أنهم قرأوا وعملوا لخرجوا من الفقر إلى الغنى، ومن الضيق إلى السعة، ولكنهم قوم لا يفقهون.

(2)

«خير أمة .... أُخرجت للناس»

—سورة آل عمران، آية 110

وفيها وصف للأمة ومدح لها ببيان وظيفتها.

قد يبدو حال أبناء التاجر الوارد ذكرهم قريبًا حالًا عجيبًا، وأنموذجًا فريدًا للغفلة عن سبيل عزّهم وهو بين أيديهم، وعمًى عن إشارة سعدهم وهي أمام أعينهم، وانصرافًا عن ثروة هائلة يدوسونها بأقدامهم غير آبهين.

وإن العجب ليزداد إذا نظرنا إلى حال أمة الإسلام اليوم، وليس حالهم عن حال أبناء التاجر ببعيد، إذ بين أيديهم رسالة معصومة محفوظة بلّغهم إياها رسول معصوم أخبرهم فيها أنهم خير الأمم إذا قاموا بواجبهم وأدّوا وظيفتهم، وأخبرهم بجلاء تام أنهم مرسلون للناس شهداء عليهم.

وقد فهم الأولون هذه الرسالة فانطلقوا ينشرون دين الله في العالمين حتى وصل الإسلام إلى أكثر من نصف الأرض في أقل من نصف قرن من الزمان، لأنهم علموا أنهم لن يكونوا خير أمة إلا إذا قاموا بشرط الخيرية وهو خروجهم للناس

يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.. ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم.

(3)

«إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ»

—سورة التوبة، آية ٣٩

لاحظ ختام آية الخيرية الشهيرة الواردة في آخر الفقرة السابقة، وتأمّل حكمة إيراد مُديل الدول ومحوّل الأحوال سبحانه وتعالى لذكر أهل الكتاب بعد ذكر هذه الأمة المخرجة للناس، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، بنو إسرائيل عليه السلام، الأمة التي اختارها الله على العالمين بنص القرآن، فكانوا بحق شعب الله المختار الذين اصطفاهم وفضّلهم على العالمين، لكن هذا كله كان تفضيلًا واصطفاءً واختيارًا مشروطًا بإقامة الدين والتوحّد عليه وتوحيد الله تعالى، فقد كان بنو إسرائيل هم الأمة الموحّدة بين أمم الأرض المشركين يومئذ، لذلك كانوا خير أمة تحمل رسالة الأنبياء، وهي رسالة واحدة ووصية واحدة لهم جميعًا...

«شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ

١- نُوحًا

٢- وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ

٣- وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ

٤- وَمُوسَىٰ

٥- وَعِيسَىٰ»

ما الوصية التي أوصى بها هؤلاء الخمسة الكرام وأقوامهم؟

وصيتان هما:

«١- أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ

٢- وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»

وهذه الوصية والشريعة والرسالة على بساطتها ثقيلة شديدة

«كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ»

ولذلك لم يقدر على حملها إلا من اجتباه الله

«اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ»

ثم كان التعقيب في الآيتين التاليتين مباشرة وثيق الصلة بموضوع الاستبدال، فاكتفى بإيرادهما بدون تعليق، فتأمّلهما غاية التأمل

«وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ

وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ

وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ

فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ

وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ

وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ۖ

وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ

اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ

لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ

لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ

اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ

وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾

—الشورى: 14–15.

(4)

«وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ»

—سورة محمد، آية ٣٨

لا أحد عزيز على الله إلا بعمله، وأكرم الناس عند الله أتقاهم، وعندما أخطأ بنو إسرائيل الفهم عن الله وظنّوا الخيرية بمجرد الانتماء لا بالعمل، استبدل الله بهم أمة أخرى أخرجها للناس وجعلها خير أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، ولو قام بنو إسرائيل بما افترضه الله عليهم كان خيرًا لهم.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ۝

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ

مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ

وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ۝

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ

وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ

وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ

إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ

۝ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ

وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا

فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ۝

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» «المائدة: ٦٥–٦٩»

فهم بنو إسرائيل خطأ أن الاختيار الإلهي حاصل لهم بمجرد الانتماء فتركوا العمل فأهلكهم الله، ولذلك جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسالة واضحة لأمته كافة، ولأهل بيته الشريف خاصة وهم خير الناس وسادتهم، ومع ذلك قال لهم بكل وضوح «اعملوا فإني لن أغني عنكم من الله شيئًا» وعمم القول لآل بيته فقال: يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، ... ثم خصّ قوله للبضعة الكاملة بنت الكاملة فاطمة بنت محمد وخديجة، فقال لها: ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا».

ومع هذا الوضوح وقعت خلائف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيما وقعت فيه خلائف من بني إسرائيل من قبل، فظنّوا الخيرية حاصلة لهم بمجرد الانتماء من غير عمل، وإن أمراض الأمم لتنتقل عبر الزمن، والسعيد من اتّعظ بغيره.

(5)

«كاد القرآن أن يكون كلُّه موسى»

—الإمام السيوطي في الإتقان في علوم القرآن نقلًا عن بعضهم

إنها الخلائف وآه من الخلائف

وإنه اتّباع السنن وآه من اتّباع السنن

قال من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم، شِبرًا شِبرًا، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحرَ ضَبٍّ تبعتموهم». قلنا: يا رسول الله، اليهودُ والنصارى؟ قال: «فَمَن؟».

وقال تعالى: «فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا»

من نسل الأنبياء يأتي هؤلاء؟

نعم، من ذرية الصالحين يأتي الفجّار، وبترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون الهلاك، قال المعصوم صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيُوشِكَنَّ اللهُ أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم».

إن الحرب قائمة وراية منصوبة من بداية الخليقة بين آدم وذريته وبين الشيطان، وقد توعّد الشيطان ذرية آدم بالاحتناك

فقال: «لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62].»

أي: لأستولينَّ عليهم ولأحتوينَّهم بالإضلال، ولأقودنَّهم حيث أشاء، وهو من حَنَك الدابة: وهو أن يُشد الحبل في حنكها فتُقاد به؛ فيكون المعنى: لأقودنَّ ذرية آدم كيف أشاء.

ولا أمان من هذا ولا نجاة إلا بالدعوة وحمل همّ الدين وتحمّل مسؤولية تبليغه إلى العالمين

إنها الرسالية ... المعنى الذي به تكون عزّة الأمة ويكون بقاؤها

(6)

بُعِثْتُ بين يَدَيِ السَّاعةِ بالسَّيفِ، حتى يُعبَدَ اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وجُعِلَ رِزقي تحتَ ظِلِّ رُمْحي، وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغارُ على مَن خالَفَ أمري، ومَن تشبَّهَ بقومٍ فهو منهم».

—حديث شريف

رزقه ورزق أمته تحت ظلال رماحهم، وكذلك كل أمة عزيزة ما عزّت إلا بإقبالها على الموت وعدم حرصها على الحياة، وبحرص الأمة على الموت توهب لها الحياة، وبخوفها من الموت وحرصها على الحياة تُضرب عليها الذلة والمسكنة وتبوء بغضب من الله، «وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ»

إن الشيطان وجنوده من الإنس يغزوننا في عقر ديارنا، وإذا لم نحمل عليهم كل حملة ونشنّ عليهم كل غارة لتخطفوا أبناءنا وبناتنا وصيّروهم جنودًا لهم يأتمرون بأمرهم، ولا عاصم من ذلك إلا بأن يرث الأبناء وظيفة الآباء ويقوم اللاحق بما قام به السابق، وذلك أن الداعي لا يُدعى، أي أن خير حافظ لدين العبد أن يدعو إليه، فينتقل من موقع السلبية التي تجعله هدفًا لهجمات خصومه إلى موقع المبادرة والهجوم، الذي يجعله صاحبه امتدادًا لسيرة رجل كان لفرط رساليته وصدعه بالحق إذا سلك فجًّا سلك الشيطان فجًّا غير فجّه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(7)

«أعرِّف ما بعد الحداثة بأنها الارتياب في السرديات الكبرى.»

—جان فرانسوا ليوتار — الوضع ما بعد الحداثي

إن عالم ما بعد الحداثة اليوم، أو كما يسميه زيجمونت باومان عصر الحداثة السائلة، يتسم بانهيار السرديات الكبرى ونهاية انتماء الإنسان لمعانٍ عظيمة يعيش من أجلها ويبذل لها حياته، وذلك أن قانون ما بعد الحداثة وشعارها هو أن التغيير هو الشيء الدائم الوحيد، وعدم اليقين هو اليقين الوحيد، ثم يكمل باومان موضحًا هذه الفكرة فيقول: «لقد حلت المرونة محل الصلابة باعتبارها الحالة المثالية المنشودة للأشياء»، وهذا المعنى بعينه هو ما ورد في قول الله تعالى على لسان الكافرين: «إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ» نحن غير مستيقنين ونريد أن نبقى غير مستيقنين، إنها - والوصف لباومان - «الهشاشة، والمؤقتية، والقابلية للانكشاف والتضرر، والميل إلى التغير المستمر»، وبالتالي «تعطي الحداثة السائلة الأولوية للحركة على التجذر، وللمرونة على الجمود، وللقدرة على التكيف على الاستمرار، وللزائل على الدائم»، وفي هذا كله يكون الكلام عن الإيمان واليقين والدعوة أمورًا عفا عليها الزمن ولم تعد تناسب الواقع المعاصر، مما قد يجعل سامعها يصفها بالخطاب الوعظي الساذج المثير للتأفف أو السخرية.

وكما يقول كريستوفر لاش في كتابه ثقافة النرجسية: «إن مجتمعًا يخشى ألا يكون له مستقبل، ليس من المرجح أن يولي اهتمامًا كبيرًا لاحتياجات الجيل القادم»، أو كما يقول في موضع آخر من نفس الكتاب: «إن الإحساس الدائم بالانقطاع التاريخي هو آفة مجتمعنا»، وهو حال لا يختلف كثيرًا عن حال قوم قالوا: «مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾

لا ننقل هذا الكلام هنا لنبرر القعود عن الدعوة وترك العمل لدين الله، ولكن فقط لكي نفهم طبيعة الناس في هذا الزمان ومدى صلتها بطبيعة الإنسان ساعة نزول الوحي، يوم قال قائلهم: (ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع)، لكن جاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فقال شيئًا آخر وأبلغ عن الله تعالى أن لهذه الحياة الدنيا هدفًا وأنها مزرعة الآخرة وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم كل من آمن به أن يبلغ الرسالة، وقراءة فقال: (بلغوا عني ولو آية)، فقوله «بلغوا» تكليف وقوله «عني» تشريف ثم قوله «ولو آية» تخفيف، وعلى ذلك فلا يسع أحدًا أن لا يقوم بوظيفة البلاغ، فإنها مهمة شريفة خطيرة ميسرة.

إن الكلام عن وجوب الدعوة إلى الله تعالى ونشر رسالة الإسلام حتى لو بدا خطابًا ماضويًا أو غير مناسب لهذا الزمان ستظل هذه هي رسالة الله لأهل الأرض: أن آمنوا بالله واعملوا لآخرتكم، فإن الدنيا زائلة والآخرة باقية، وهذا هو جوهر رسالة الإسلام التي لا يكون المسلم مسلمًا إلا إذا آمن بها وعمل على نشرها في العالمين، ذلك أن الإسلام دين دعوي بطبعه، شاء من شاء وأبى من أبى.

وإذا كانت ما بعد الحداثة هي التشكك في السرديات الكبرى فإن الإيمان هو اليقين فيما ورد به النبي صلى الله عليه وسلم مجيبًا عن أسئلة الإنسان الكبرى في مبدأ أمره ومعاده، وإن أمة الرسول هي رسوله إلى الأمم تبلغ رسالته عن ربه وتدعو العالمين إلى سلوك دربه واتباع طريقه إذا أرادوا السعادة والفوز في الدنيا والآخرة، وذلك أن أمته هي آخر الأمم وهي الشاهدة على الأمم وهي القائمة بوظيفة الرسل والأنبياء في الأمم لأنه صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده، وإذا تركت الأمة وظيفتها كانت سنة الله في الاستبدال كما مر، لذلك فضمان بقاء الأمة وضمان خيريتها هو قيامها بما قام به نبيها وأصحابه واستمرارها على ذلك في زمان الحداثة وما قبلها وما بعدها وفي كل زمان ومكان، إذ الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة وجودية لو أن قومي يعلمون.

top-ads

# المولد النبوي الشريف # دين # معرفة

أحمد أمين يكتب: رجال محمد
كولونيالية الشرق: الكفاح الأويغوري أمام تقنيات الاستعمار الصيني
اليد التي تحمل السيف: عن الدرجات العلمية والأكاديمية وأشياء أخرى..

معرفة