فن

آخر أيام «الجريمة والعقاب»: سيرة «الكوميديا الإلهية» لمخرج في شوارع طهران

«الكوميديا الإلهية» ليس عن الرقابة فقط، بل عن مجتمعٍ يتنفس بالتحايل. بين رقيبٍ لا يغيب وتجربة تقود الطريق، ماذا يبقى للفن حين تصبح القوانين متاهة؟

future غلاف فيلم: «الكوميديا الإلهية»

كان عرضُ الإعلان عن فيلم «الكوميديا الإلهية» للمخرج الإيراني علي عسكري، بحضوره شخصيًا في آخر أيام مهرجان الجريمة والعقاب للسينما في إسطنبول، دافعًا استثنائيًا لأن أتنقّل بين ضفّتي المدينة، متجاوزًا قلقي من إضاءات شارع بغداد الساطعة في منطقة كاديكوي، وأنا أحمل توقّعاتٍ مثيرة عن الفيلم، حيث عُرض الفيلم في سينما مركز جاديبوستان الثقافي، في قرابة ساعة و38 دقيقة.

اللوج لاين الأساسي للفيلم يتمحور حول: في يوم واحد، وعبر مكاتب الرقابة وشوارع طهران وصالات السينما الخاصة، يحاول مخرجٌ إيراني محبط ومنتجته المتحمسة عرضَ فيلمه الممنوع، في رحلة ساخرة تحكي غرابة القوانين ورؤى صُنّاع السينما بأشكال مختلفة، وسؤالٍ مفتوح: ماذا يمكن أن تقدّم السينما في أجواء فوضوية كهذه؟

جدل المؤسسات الرقابية

في مشهد طويل ببداية الفيلم، يجلس بهرام أمام أحد مسؤولي الرقابة وإعطاء تصاريح عرض الأفلام السينمائية في إيران؛ يحاول بهرام انتزاع تصريح العرض، وسط جدل الرقيب حول «نجاسة الكلب» الذي تضمّنه الفيلم داخل منزل من ناحية، وفكرة أن الفيلم بالتركية الأذرية التي تعبّر عن قومية شعبية تعيش في إيران من جهة أخرى.

جدالٌ طويل ومحاولاتُ إقناع، حتى نصل إلى المفاجأة: الرقيب في الأساس من القومية التركية الأذرية، بعد أن دار النقاش من خلال الاستشهاد بأفلام أخرى صُنعت باللغة الفارسية الرسمية للبلاد.

مشهدٌ طويل بكادر واحد لبهرام دون أن يظهر الرقيب مطلقًا، ولو ظلًّا أو من الخلف دون تفاصيل. لم يظهر الرقيب، لكن صوته — الحاضر بالجدل والرفض والتقييد — كان الحقيقة الوحيدة الحاضرة في المشهد، الذي انتهى بحركة متأفّفة من بهرام تاركًا الغرفة، محاولًا تحريك الكراسي المتعارضة مع طريق خروجه إلى الباب، وارتطامه بعلم إيران في الزاوية مسببًا له اهتزازًا خفيفًا، سُمعت له في العرض همهمة إشادة من المشاهدين.

لكن المخرج علي عسكري تجاوز السؤال عن «هزّة العلم» في اللقطة بأنها غير مقصودة وأنه ارتطام عادي، بعد سؤال ماكر في الجلسة النقاشية التي أعقبت الفيلم! فيما ترك السؤال أسئلةً أكثر إثارة عن وعي المتفرج وتصنيفاته للرسائل السينمائية — حتى وإن لم تكن مقصودة.

الكادر الثابت والمشاهد الطويلة

مشهد من فيلم «الكوميديا الإلهية»

اعتمد الفيلم على تيمة رئيسية: كادر ثابت، ومشهد غني بالحوار الطويل المتصاعد بين المحاولة والقطع الكوميدي وسرد الأزمة والنقاش. كان القطع الحيوي الوحيد في الفيلم هو مشاهد صدف وهي تقود الدراجة النارية بلونها الوردي، وسط لون عام يميل إلى الأزرق، في دلالة على الوحدة والعزلة لبهرام وصدف في عالم لا يراهما ولا يوافق على عرض فيلمهما.

كل كادر ثابت — من بداية النقاش مع الرقيب، مرورًا بصاحب السينما المدمن ضعيف الأداء الحياتي والتمثيلي، وصولًا إلى الشرطي الذي حاول إقناع بهرام بتصوير فيلم في سوريا، وحتى في حواره مع توأمه — كلها كوادر ثابتة مؤطَّرة بحوار طويل، بلا تقنية مونتاج للتقطيع السريع تماشيًا مع روح السخرية. لكن كل كادر طويل كان دلالةً أكبر على الحصار الجمعي لبهرام وفكرته.

البناء الخاص بالشخصيات

في كتاب «من الصورة إلى الصورة: كيف يُكتب السيناريو»، يذكر المخرج الإيراني أصغر فرهادي أن «القصص موجودة دائمًا وعلينا فقط العثور عليها»، وذلك يتم عبر الأسئلة حول الشخصيات.

في «الكوميديا الإلهية»، كثّف علي عسكري حضور الفكرة عن البناء الأساسي للشخصيات بالشكل الكافي. فلم يظهر شقيق بهرام إلا في نهايات الفيلم — كعنصرٍ مكمل قبل الوصول إلى النهاية — وقد يُفسر ذلك النطاق الزمني للفيلم الذي يدور في يوم واحد، لكن للمعالجة طرقًا أخرى كان يمكن تجاوزها لحل هذه التفصيلة.

في سؤالي لعلي عسكري بعد العرض عن الربط بين قصيدة دانتي «الكوميديا الإلهية» ومرشديه بين الجحيم والجنة والبرزخ — مثل فيرجيل وبرنار دو كليرفو — ومن هو مرشد بهرام في قصة الفيلم؟ صمت قليلًا، ثم أراد أن تكون الإجابة أكثر ذكاءً: المرشدون صالحون في السماء، بينما على الأرض التجربة هي المرشد الوحيد.

وأكد أنه اختار روح الفيلم الساخرة والكوميديا المتفجرة من تصاعد الحوار، لأنه يرى أن الشعب الإيراني يغرق في الدراما الثقيلة، لكنه حاول انتزاع المشاهد إلى الكوميديا السوداء عبر فيلمه «الكوميديا الإلهية».

في النهاية، تجربة علي عسكري تجربة فريدة في صناعتها. ففي حديثه عن صعوبات التصوير ذكر أن الفيلم بالكامل صُور بلا تصريح واحد داخل طهران، وأنه يعرف جغرافيا المدينة بالطريقة التي سمحت له بالتصوير تحت أعين الرقيب… بلا رقابة.

هي تجربة تستحق التوقف عندها؛ فقد شق طريقًا للواقعية الإيرانية الاجتماعية عبر أربعة أفلام قبل «الكوميديا الإلهية»، جلها يدور حول قصص شخصيات عادية تواجه سلطة القوانين والعادات والاجتماعيات والبيروقراطية، مؤكدًا التوتراتِ الطويلة الشخصية الصامتة، ليجعل المتفرج متشابكًا حقًّا مع شخصياته، متفاعلًا معها، ومؤكدًا روايتها عن حكايتها.

top-ads

# فن # سينما إيرانية # سينما

أفضل 10 مسلسلات أجنبية في عام 2025
الست، والتحديات الـ6!
اختيارات النقاد: أفضل 10 أفلام في عام 2025

فن