فن

«Rose»: أكثر من مجرد إمرأة تريد أن تكون رجلا

«Rose» حكاية امرأة سعت إلى أن تبدو كمن يملك النفوذ وينال الاحترام في مجتمعها، فخلعت هويتها القديمة؛ لكن حين انكشف القناع، أيُّ ثمنٍ كان في انتظارها؟

future بوستر فيلم «Rose»

يحكى أن جنديًا ألمانيًا في القرن السابع عشر قد وصل لقرية صغيرة، ليعلن أنه الوريث لمزرعة قد هجرها أهلها منذ سنين. يثبت الجندي ادعاءه بمجموعة من الأوراق، ثم يبدأ في إعادة المزرعة لسابق عهدها.

شيئًا فشيئًا يعود اللون الأخضر إلى الأرض، يجد المزارعون رب عمل كريم، يدفع لهم الضعف في الأعياد، يتزوج الجندي من ابنة أحد وجهاء القرية، ينجب ولدًا، يسير كل شئ كقصة مثالية، إلى أن يكتشف أهل القرية بعد ثلاثين عامًا أن الجندي إمرأة وليس رجل.

هذه هي حكاية فيلم «Rose» من بطولة الألمانية ساندرا هولر، ومن إخراج ماركوس شليزنر. قد تظن عزيزي القارئ أنني قمت بحرق أحداث الفيلم في المقدمة، لكن الحكاية واضحة منذ اللحظة الأولى، منذ رؤيتك للملصق الدعائي للفيلم.

في الحقيقة الفقرة الافتتاحية هي ترجمة لنبذة الفيلم الرسمية التي يقدم بها مهرجان برلين الفيلم الذي ينافس في مسابقته الرسمية.

العبرة هنا إذن ليست بما نحكي، ولكن كيف نحكيه. كيف تقدم هولر أداء تمثيلي سيكون ضمن الأفضل في العام؟ والأهم كيف يمكن رؤية هذه الحكاية التي تدور في الماضي بعدسة تجعلها ذات صلة بالحاضر؟

الأميرة والوحش

في بداية الحكاية التي نراها بالأبيض والأسود ويصاحبنا خلالها صوت راوي هادئ، نشعر وكأننا في قصة خيالية، عن إمرأة تتخفى في هيئة وحش: بدلة عسكرية رجالية، جرح يشوه نصف الوجه، ورصاصة تضعها في فمها بين الحين والآخر.

بمنطق الحكايات الخيالية يمكن تصديق أن أهل القرية قد صدقوا بالفعل أن هذا الجندي رجل، في حين يبدو لنا كمشاهدين أنه ورغم التخفي إمرأة بشكل واضح. لكن الواقع في بعض الأحيان أكثر غرابة من الخيال؛ التصديق يأتي رفقة القوة، المال، والسطوة المرتبطة بالزي العسكري.

تتطور الحكاية سريعًا، حينما يطلب أحد وجهاء القرية من الجندي أن يتزوج أحد بناته، في مقابل أن يشاركه في التجارة. يصبح امتلاك زوجة في تلك اللحظة أحد متطلبات البقاء في منزلة السادة.

التحول الأهم في الحكاية يأتي من لحظات تكشف الخدعة، اللحظات التي يختار ماركوس شليزنر أن يسردها بشكل غير معتاد.

ما لا نراه

القاعدة الكلاسيكية في السينما هي «أرني ولا تخبرني»، لكن شليزنر هنا يصنع شيئًا أخر، لا يرينا الحدث ولا يخبرنا عنه، بل يرينا الأثر. هكذا يترك لنا كمشاهدين المساحة لتخيل ماذا حدث، وكأننا نقرأ رواية تم قطع بعض صفحاتها.

يظهر العنف، عدم التسامح وغياب الرحمة، في مجتمع انتفض رجاله ونسائه بمجرد معرفة أن المالك الجديد للمزرعة ليس رجلًا. يطاردونها والمرأة التي ارتضت أن تكون زوجتها. لا يعرض لنا الفيلم ماذا حدث حينما تم إلقاء القبض عليهما، لكننا ندرك عقب ذلك تعذيبهما، كما ندرك النهاية التي حُكم عليهما بها.

رغم بساطة الحكاية إذن إلا أن الأداءات التمثيلية تمنحها عمقًا وصدقًا، وفي مركز تلك الأداءات بالطبع ساندرا هولر.

ساندرا هولر وما بعد الأداء المسرحي

بتبسيط مخل يعتمد المسرح على الكلمة، أما السينما فتعتمد على الصورة. هكذا يختلف الأداء التمثيلي بين الوسيطين؛ في السينما تُنقل لنا صورة الممثل من زوايا مختلفة، ومن مسافات مختلفة، أما في المسرح فنرى كل شئ في كادر بعيد، هكذا يعتمد الممثل بشكل رئيسي على أدائه الصوتي.

تعتمد ساندرا هولر على أدائها لمونولوجات طويلة، هذه هي علامتها المميزة في أفلام عديدة، وهو أمر يبدو وكأنه مستعار من الفترة التي قضتها كممثلة مسرحية في بداية حياتها. نرى هذا الأداء داخل هذا الفيلم أيضًا، وخصوصًا من خلال مونولوجين في الفصل الأخير من الفيلم.

ما يميز أداء هولر هو أنه متجاوز للأداء المسرحي الكلاسيكي، فهي تمزج بين الأداء الصوتي المتدرج، مع تجسيد داخلي وتحكم في نظرات العيون بشكل شديد الحساسية للكاميرا. هكذا يكتسب الفيلم الكثير من تأثيره من خلال الكادرات القريبة لوجهها، والتي ينتهي الفيلم بواحد منها.

ليس عن إمرأة تريد أن تكون رجلًا

بنظرة مبدئية على الفيلم يبدو وكأنه عن إمرأة كورية تريد أن تصبح رجلًا، لكن القصة في حقيقتها ليست كذلك. روزا أرادت في حقيقة الأمر أن تبدو مثل من يملك النفوذ ويحظى بالاحترام في مجتمعها. حينما شاركت في الحرب لم يلاحظ أحد، جسد أخر رفقة سلاح لن يضر على أي حال. لم يهتم أحد بالتحري وراءها إلا عندما أصبحت ذات مال ونفوذ وسلطة.

حكاية روزا هي عن كل من يريد أن يحظى بالمزيد من الاحترام في مجتمع لا يقدره، فيحاول أن يظهر بمظهر جديد ليتم تقبله: مهاجر يريد أن يظهر مثل أهل البلد التي هاجر لها، إنسان منتمي لأقلية في مجتمع لا يحترم الأقليات، أو شخص مؤمن بأفكار يخفيها، حتى يحظى بالحرية والاحترام.

top-ads

# سينما عالمية # فن

«وقائع زمن الحصار»: أشياء عادية مستحيلة
«خروج آمن»: بين فلسفة حسن الأسمر ولعنة سيزيف
«Hamnet»: الموت ليس خاتمة المسرحية

فن