معرفة

وثيقة الوجدان والمسيرة: «دار المعارف ـ 125 عامًا من الثقافة»

كيف تحولت دار المعارف من فكرة فردية إلى مشروع ثقافي قومي؟ كتاب يوثق رحلة مؤسسة صنعت الوعي العربي، ويضع دار المعارف في موقعها الطبيعي كأحد أعمدة النهضة العربية.

future كتاب «دار المعارف ـ 125 عاماً من الثقافة»

المقال الفائز بالمركز الثاني في مسابقة دار المعارف «قراءة واعية»

لا يمكن لأي قارئ أو باحث أن يتجاوز اسم «دار المعارف» دون أن تتداعى في ذهنه صورٌ من طفولته المبكرة، ومكتبة والده، ورفوف معرض الكتاب، بل وذاكرة الأمة جمعاء. لقد تأسست هذه الدار كفكرة قبل أن تكون مؤسسة، فكانت ولا تزال الشاهد الأبرز والأطول عمرًا على حركة التنوير، والتحول، والصراع الثقافي في وادي النيل ومحيطه العربي.

لقد جاء إصدار الدار، في عامي 2024–2025، لكتاب «دار المعارف ـ 125 عامًا من الثقافة» (في نسخته المحدَّثة والموسَّعة)، ليمثل حدثًا فكريًا بحد ذاته، لا مجرد إضافة إلى رصيدها؛ بل هو وقفة تأملية ضرورية، ومراجعة نقدية لرحلة بدأها رجل واحد (جبرائيل تقلا)، وتحولت إلى ملكية فكرية لشعب بأكمله. إن هذا العمل التوثيقي، الذي أبدع الكاتب إيهاب الملاح في تقديمه، ليس سردًا تاريخيًا وحسب، بل هو علم اجتماع ثقافي مُغلَّف بأناقة التوثيق.

النبض الأول: من الرؤية الفردية إلى المشروع القومي

يبدأ المقال التحليلي للكتاب من حيث بدأ التاريخ؛ أي من عام 1890. لا يكتفي الكتاب بسرد تواريخ التأسيس والتحول القانوني، ولكنه يغوص عميقًا في البيئة التي نشأت فيها الدار: مصر في نهاية القرن التاسع عشر، التي كانت تتشكل فيها ملامح الهوية الحديثة، وتستقبل مفاهيم جديدة كالصحافة والنشر بمعناه المؤسسي.

إن الجهد التوثيقي يكشف ببراعة كيف أن دار المعارف لم تكن مجرد آلة طبع وتوزيع، بل كانت بوصلة للاتجاه الفكري.ففي مراحلها الأولى، لم تكن تفصل بين الصحافة (حيث أسست «المقتطف» و«الهلال») والنشر، ما جعلها فاعلًا مباشرًا في صياغة الرأي العام.

ويُظهر الكتاب بوضوح أن تبنّي الدار لأعمال عمالقة مثل طه حسين، وعباس العقاد، وأحمد حسن الزيات، لم يكن مجرد صفقات تجارية، بل كان قرارًا استراتيجيًا لترسيخ خطاب الحداثة والتنوير في مواجهة الجمود. لقد وضعت الدار نفسها في موقع المسؤولية عن جودة المحتوى الثقافي، فصارت بمثابة «أكاديمية غير رسمية» خرّجت أجيالًا من القراء والنقاد.

الذاكرة المشتركة: صناعة القارئ العربي

من أكبر المظاهر التي يبرزها هذا السفر التوثيقي هو قدرة دار المعارف على صناعة الذاكرة المشتركة للأمة العربية. وهنا يكمن الأثر الثقافي الأعمق للإصدار. فالكتاب يتعمق في تحليل دور السلاسل الشهيرة التي أصبحت علامات فارقة في وجدان القارئ العربي. إن الحديث عن سلاسل مثل «اقرأ»، أو «المكتبة الخضراء»، أو مغامرات «المغامرون الخمسة»، ليس حديثًا عن كتب، بل عن طقوس معرفية.

وقد نجح التوثيق في تسليط الضوء على الآلية التي استخدمتها الدار لتقديم محتوى عالمي وتراثي في أغلفة جاذبة وبأسعار زهيدة، مما جعلها متاحة للجميع دون تمييز طبقي أو جغرافي.

عندما نتحدث عن «دار المعارف»، فنحن نتحدث عن البيت الذي ربط القارئ العربي بالقصص العالمية مترجمة ببراعة، وربطه في الوقت ذاته بعبقرية علي مبارك والجاحظ من خلال سلاسل التراث.

وهذا التمازج بين الأصالة والمعاصرة، بين المحلي والعالمي، هو ما عزز الهوية الثقافية للقارئ وجعله منفتحًا وراسخًا في آن واحد. إن الكتاب يوثق هذه اللحظة التاريخية التي تحولت فيها الكتب إلى مفردات يومية لا كماليات فكرية.

تحدي التوثيق والمنهجية: أمانة إحياء المجد

إن قيمة كتاب «135 عامًا من الثقافة» تكمن في منهجيته التوثيقية. ففي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتلاشى فيه المؤسسات، يأتي هذا الكتاب ليعيد الاعتبار لـ«الأرشيف».

لقد كان التحدي الأكبر الذي واجهه الكاتب هو جمع وتنسيق هذا الكم الهائل من الوثائق والصور وأسماء الكُتّاب الذين تعاقبوا على الدار، بالإضافة إلى مراحل التحول الإداري والقانوني (من القطاع الخاص إلى القومي).

لقد أظهر الملاح إحساسًا قويًا بالمسؤولية التوثيقية؛ فلم يكتفِ بتعداد الأسماء، بل حلّل سياق النشر ودوافعه. فمثلًا، تحليل إصدارات الدار بعد ثورة يوليو 1952 يوضح دورها في نشر الأيديولوجية القومية والتعليمية التي سادت في تلك الفترة، وكيف كانت تتواءم وتتفاعل مع توجهات الدولة، دون أن تفقد بالضرورة بعضًا من ريادتها الفكرية. إنها دراسة حالة لكيفية عمل مؤسسة عريقة في تقاطعات السياسة والثقافة والاقتصاد.

الخاتمة: دار المعارف كضمير للثقافة العربية

ختامًا، يمكن القول إن إطلاق هذا الكتاب التوثيقي في الفترة ما بين 2024 و2025 لم يكن مجرد مناسبة احتفالية، بل هو إعلان استراتيجي من الدار بأنها تعي ثقل إرثها وتأثيره. هذا الإصدار يمثل حجة قوية، ليس فقط لتكريم الماضي، ولكن لتعريف الأجيال الجديدة بـ«القيمة المضافة» للمؤسسات الثقافية العريقة.

إن «دار المعارف ـ 125 عامًا من الثقافة» هو في جوهره عمل يخدم المستقبل؛ لأنه يرسخ فكرة أن التقدم الفكري لا ينفصل عن توثيق الرحلة.

إنه دعوة لكل المؤسسات العربية لأن تنظر إلى أرشيفها ككنز استراتيجي، وللقارئ العربي ليدرك أن صفحات الكتب التي يقلبها اليوم هي امتداد لمشروع تنويري بدأ قبل أكثر من قرن.

لقد نجح هذا الكتاب في أن يكون ضمير المرحلة، يعيد تعريف العلاقة بين الناشر والقارئ، ويؤكد أن الثقافة العربية، بشموليتها، ما زالت بحاجة إلى أصول راسخة مثل دار المعارف لتبقى شعلتها متقدة. إنه عمل مرجعي لا غنى عنه في مكتبة كل من يسعى لفهم الجذور الحقيقية للحركة الفكرية في العالم العربي.

top-ads

# قراءة واعية # مسابقة دار المعارف

حفيد الجبرتي يرسم لنا «خطط القاهرة»
ريم رفقة أبي حامد: إشراقات الروح في عتمة المادية

معرفة