حرب غزة 2023
«عليهم صبّ البنزين على غزة وتفجيرها»
كانت هذه العبارة من أبرز العوامل التي دفعت الباحث الإسرائيلي آدم راز إلى تأليف كتابه «الطريق إلى 7 أكتوبر: بنيامين نتنياهو، إنتاج الصراع الأبدي والانحطاط الأخلاقي لإسرائيل». فقد وردت العبارة على لسان والدته اليسارية، والناخبة المخلصة لحزب ميرتس، خلال نقاش دار بينهما عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023، حيث قالت له: «عليهم صبّ البنزين على غزة وتفجيرها».
يروي راز أنه بعد سماع هذه الجملة، أدرك أنه بحاجة إلى التعمق في فهم النفسية التي جعلت حتى الإسرائيليين اليساريين يتبنون هذا النوع من التفكير العدواني.1
ولم تكن والدة آدم راز حالة عابرة، بل هي مثال على نمط آخذ في التكرار، يدل على اشتعال جذوة التطرف. وليت أن الأمر كان مقتصرًا على أفراد عاديين يمكن أن نعزو تحولهم إلى تشوش في الرؤية أو ضعف في تحليل المشهد؛ بل إن ما يدعو للقلق حقًا هو هذا التحول المخيف لرجلٍ قام بزعزعة أرسخ سردية في المجتمع الإسرائيلي عن النكبة.
بيني موريس: من نقد الذات إلى تبرير التطهير العرقي
دحضت أبحاث المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس الأسطورة السائدة التي نشأ عليها جيل من الصهاينة، وهي أن نزوح نحو ٧٥٠ ألف فلسطيني في نكبة عام 1948 قد تم بأوامر من القادة العرب. أوضح موريس أن ذلك ربما حدث في مكان أو مكانين، لكن الهجرة الجماعية نتجت عن عوامل متعددة، منها انهيار الروح المعنوية، والميل الطبيعي للمدنيين إلى الفرار من القتال، ولكن الأهم أن طرد الغالبية كان على يد القادة العسكريين الإسرائيليين.2
فنحن أمام مؤرخ ناقد للمألوف، خبير في فهم نفسية المؤرخ إذا كان معاصرًا للحدث أو جزءًا منه. فقد قال عن المؤرخين الإسرائيليين القدامى إنهم عايشوا تأسيس دولة إسرائيل كمشاركين بالغين، منخرطين في ملحمة «الكومنولث اليهودي» التي تحولت إلى أسطورة التأسيس، ولذلك لم يتمكنوا من الفصل بين حياتهم الشخصية وبين الحدث التاريخي، ولم يستطيعوا النظر إليه بموضوعية.3
لم يكن بيني موريس ناقدًا فقط، بل تبنّى مواقف إنسانية في الصراع، سُجن بسببها. فقد رفض التجنيد في الضفة الغربية عام 1988، أثناء الانتفاضة الأولى، ورفض المشاركة في قمعها.4
لكن هذه النزعة النقدية لم تصمد أمام موجات العنف التي تلت اتفاقية أوسلو عام 1993، والتي تمثّلت في التفجيرات الانتحارية التي نفذتها حماس، فتغير موقف موريس في الانتفاضة الثانية، متأثرًا بالعمليات الانتحارية المتزايدة ضد المدنيين الإسرائيليين، فكتب كلامًا مغايرًا وهاجم رافضي الخدمة العسكرية، معتبرًا أن هدف الانتفاضة الثانية هو تدمير إسرائيل.5
في مقابلة له مع صحيفة هآرتس، تحدث موريس عن نسخة منقحة من كتابه نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وقال إن وثائق جديدة ظهرت له، تُثبت، حسب زعمه، وقوع حالات اغتصاب ومجازر وقتل تعسفي، كما تُظهر أوامر ميدانية صدرت إلى «الهاغاناه» باقتلاع الفلسطينيين وتدمير قراهم. وأكّد أن ذلك لم يكن استثناءً بل «نمطًا متبعًا».
وعندما سُئل عمّا إذا كان ذلك يشكّل جريمة حرب، أجاب: «لا، ليس جريمة حرب. لا يمكن أن تصنع عجة دون أن تكسر البيض وتلوّث يديك. المجتمع الذي يهدف إلى قتلك يُجبرك على تدميره. عندما يكون الخيار بين التدمير أو التعرّض للتدمير، فالأفضل أن تُدمّر».
بل ذهب أبعد من ذلك، مبرّرًا التطهير العرقي قائلاً: «هناك ظروف تاريخية تبرر التطهير العرقي. أعلم أن هذا المصطلح سلبي تمامًا في خطاب القرن الحادي والعشرين، ولكن عندما يكون الخيار بين التطهير العرقي والإبادة الجماعية لشعبك، فأنا أفضّل التطهير العرقي».
وشبّه الفلسطينيين بـ«الحيوان البري» الذي يجب حبسه داخل «قفص»، وهاجم ديفيد بن غوريون لأنه، في رأيه، لم «ينجز» تهجير كل الفلسطينيين في نكبة 1948.6
بحسب موريس، فإن تحوّله بدأ بعد عام 2000، متأثرًا بإخفاقات مفاوضات كامب ديفيد وتفجيرات الحافلات والمطاعم. قال: «إنهم يريدون كل شيء: اللد، عكا، يافا... لقد هزّني تفجير الحافلات والمطاعم، وأدركت عمق الكراهية تجاهنا... أدركت أن العداء الفلسطيني والعربي والمسلم للوجود اليهودي هنا يقودنا إلى حافة الدمار». (المصدر السابق)
بيني موريس، ووالدة المؤرخ آدم راز، وسواهم من النماذج، ليسوا سوى غمامة تراكمت لتُشكّل سيلًا قد يجرف ما تبقى من جسور السلام التي حاول الضمير الإنساني تشييدها.
لكن كيف يتحوّل أشخاص عاديون، بل أحيانًا صالحون، إلى متطرفين؟
في كتابه «التطرف»، يستعين J.M. Berger بنظرية الهوية الاجتماعية التي طوّرها هنري تاجفيل، لتفسير هذا التحول. وتنضم إليه نظرية اللايقين والهوية لعالم النفس الاجتماعي مايكل هوغ، التي تفترض أن الناس مدفوعون إلى تقليل مشاعر اللايقين بشأن حياتهم ومستقبلهم، وأن من طرق تقليل اللايقين هو الانضمام إلى جماعة والتماهي معها، لتحدد هذه الجماعة موقعهم في العالم الاجتماعي، بل وتملي عليهم أيضًا كيف ينبغي أن يفكروا ويتفاعلوا داخل جماعتهم ومع الجماعات الأخرى، كما أنهم يدركون العالم من خلال عدسة الجماعة.
ولكن ما هي سمات الجماعات الأنسب لتقليل اللايقين؟
يقول مايكل هوغ: إن الجماعة الأنسب لهذا الدور هي الجماعة التي تشبه الكيان، ولها حدود واضحة، ويجمع أعضاءها مصير مشترك، ولها نزعة جوهرية في خصائصها التي لا تتغير، فهي تقول لأعضائها من نحن، وكيف نتصرف، ومن هو الآخر، وكيف يتصرف، فيمكن من خلال ذلك التنبؤ بما سيكون عليه الحال مستقبلًا.
فعندما يواجه الناس أزمات طارئة تهددهم، مثل كوارث طبيعية أو حروب أو إرهاب، يزداد لديهم دافع تقليل اللايقين، ويتجه الناس نحو التماهي مع مجموعات لا تتسم بالحدود الواضحة والصارمة فحسب، بل تتسم بالتطرف، فهناك علاقة وثيقة بين اللايقين المجتمعي وأشكال مختلفة من التطرف.
الإنسان يسعى إلى تقليل مشاعر اللايقين بشأن مكانته ومستقبله، وأحد أهم وسائل ذلك هو الانتماء إلى جماعة تمنحه هوية مستقرة. إذن هذه الجماعة لا تكتفي بتحديد من «نحن»، بل تُخبر أعضاءها بكيفية التفكير، والتفاعل، والنظر إلى الآخرين. وكلما كانت الجماعة «كيانية»، أي ذات حدود واضحة، ولها سمات جوهرية، ومصير مشترك، زادت فعاليتها في تقليل اللايقين.
لكن المفارقة أن الجماعات الكيانية الأقوى في تقليل اللايقين، هي غالبًا الجماعات المتطرفة. فعندما يتعرّض الناس لأزمات وجودية مثل الحروب، والكوارث، أو العمليات الإرهابية، فإن دافع تقليل اللايقين يزداد بقوة، فيندفع البعض نحو التماهي مع جماعات أكثر صرامة وتطرفًا، باعتبارها الأكثر قدرة على أن نرى العالم من خلال عدساتها، مما يحقق شعورًا باليقين الذاتي داخلنا».7
فهل يمكن القول إن موجات العنف في الانتفاضة الثانية، وهجمات السابع من أكتوبر 2023، عزّزت تحوّل أمثال موريس ووالدة راز من اليسار إلى اليمين المتطرف؟
وهل سنشهد، في المقابل، انخراط مزيد من الفلسطينيين والإسرائيليين في جماعات أكثر تطرفًا، نتيجة اللايقين والخوف الناتج عن الحرب والعنف المفرط؟