مجتمع

مغامرة البحث عن المكانة

ليس كل ذمٍ عقوبة، ولا كل مدحٍ كرامة؛ فبين إقبال الناس وإدبارهم يربي الله القلوب ويكشف حقيقة ما تتعلق به النفوس.

future صورة تعبيرية عن طريق الإنسان بين اتهام الخلق ونور الحق.

(1)

«يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا»

الصديقة المباركة مريم بنت عمران (عليها السلام)

امرأة أعاذها الله وذريتها من الشيطان الرجيم، أبوها نبي، وابنها نبي، وجعلها الله آية للعالمين، ومع ذلك تمنت الموت حين خافت الفضيحة بين الخلق، هذا مع علمها ببراءتها وطهرها وبعدها عما سيرمونها به، ولكن النفس السوية وإن كانت كاملة لا تحب أن تكون متهمة بين الخلق، وإن كان مما يهون عليها البلاء أن تعلم أنها بريئة من هذه التهمة عند الخالق.

وإذا كانت هذه المرأة الصالحة التي انفردت وثلاث أخريات فقط بالكمال دونًا عن جميع نساء الجنس البشري كما في الحديث الشهير، قد أحزنها فقد المكانة وخوف الفضيحة حتى بلغ بها حزنها هذا المبلغ، فكيف بغيرها ممن لم يبلغ رتبتها من الكمال والصديقية؟!

ثم كانت التسرية من الله تعالى عنها بعد أن قالت قولها ذلك وتمنت لو أنها لم توجد أصلًا: «فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي»، ما الذي سيذهب بحزنها؟ إنها البشارة التالية: «قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا»، والسري: هو القادم والإمام والشريف في قومه، كما في قول القائل:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهالهم سادوا

إن البشارة إذن هي أن المكانة مرفوعة، والمقام الشريف محفوظ في الدنيا والآخرة، فإن هذا الغلام الذي ولدته لتوها سيكون سريًا: «وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» كما جاء في الآية التالية.

وقد وردت كلمة وجيه مرتين في القرآن الكريم، هذه واحدة، والأخرى سنتناولها بعد قليل، وأما الذي نادى مريم من تحتها فقد اختلف المفسرون من هو، فقيل: جبريل عليه السلام، وقيل: هو عيسى نفسه، وهذا أول كلامه بشارة لأمه وإيناسًا لقلبها، وإعلامًا لها بقدرته على الكلام في المهد بما أنطقه الله، حتى إذا عادت إلى قومها بعد ذلك أشارت إليه ليكلموه.

(2)

«بكيت ليلتين ويومًا، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي»

الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

لقد اتُّهمت عائشة -رضي الله عنها- بمثل ما اتُّهمت به مريم -عليها السلام-، وخاض الناس في عرضها، وقالوا قولًا شنيعًا، ولم ينزل في أمرها على النبي صلى الله عليه وسلم شيء يبرئها أو يصدق الخائضين في عرضها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فلم يكن بد من أن ينتظر البينة من الله تعالى، غير أن البينة تأخرت خمسين يومًا، واشتد الأمر جدًا على النبي، حتى شاور أصحابه عامة، وشاور خاصة أهله، كل هذا وهو يتحاشى أن يحادثها مباشرة عما يتحدث الناس به، ثم لم يجد بدًا من المواجهة، فقال لها: إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه.
قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قَلَص دمعي (أي: تجمد) حتى ما أحس منه قطرة.

ثم طلبت من أبيها جوابًا على كلام النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجب، فطلبت جوابًا عند أمها فلم تجد، وكأني بها -رضي الله عنها- أحست بالحسرة والخذلان، فقالت: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ».

ثم أنزل الله براءتها قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، حتى إنها تفاجأت لهذا الأمر وقالت: والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يُتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها.
غير أن الله تعالى أراد لها الجبر بعد الانكسار، ورفعة الشأن بعد وضعه، وبقاء سيرتها نقية بيضاء ناصعة، وذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

(3)

«الستر على قسمين: ستر عن المعصية، وستر فيها، فالعامة يطلبون الستر من الله فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق، والخاصة يطلبون الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق»

من الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري -رحمه الله-

من مرغوبات النفوس السوية كما ذكرنا قريبًا أن تحظى بين الناس بالتقدير والاحترام، ولذلك فإنها تنبسط بالمدح وتسر به، وتنقبض بالذم وتغتم به، وليس في هذا بحد ذاته بأس، ولكن الشيطان الخبيث الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم ويقعد له كل مرصد، يحاول إفساد نفس ابن آدم وعمله متسللًا متوسلًا بالشهوات والمرغوبات التي ركبها الله في نفوس عباده، فإن استعملوا هذه المرغوبات والشهوات المزينة لهم المحببة لنفوسهم في مراضيه سعدوا وغنموا وأفلحوا في الدارين، وإن استعملوها -عياذًا بالله- في مساخطه كان المحق والوبال والهلاك عليهم في الدارين.

ولعلم الشيطان بذلك فإنه يلبس على عباد الله، فإذا لم يفلح في حرفهم عن الطاعة إلى المعصية أفسد عليهم نياتهم في طاعتهم، وجعل مقصودهم منها رضا الناس وتحصيل المكانة عندهم وجمع الدنيا بالدين، فإذا فعل الطاعة أحب ظهورها بين الناس ليُمدَح بها، وإن وقع في المعصية لم يغتم لحصولها من جهة أنها مبعدة عن رضوان الله تعالى، ولكن من جهة أن الخلق إن اطلعوا عليها سقطت رتبته عندهم، وفاته ما كان يجده من إقبالهم وحفاوتهم ومحبتهم.

ولمثل هذا قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله قولته سابقة الذكر، منبهًا لافتًا لوجوب ملاحقة النية في طلب الستر، أهو لرعاية حظوظ النفس أم لحق الله تبارك وتعالى؟ فإذا ما ضبط الإنسان هذا المعنى في قلبه ارتفع عن حضيض مراقبة الناس وطلب المكانة عندهم إلى سمو نظر من يراقب الله تعالى ويؤمن بالآخرة ويعلم أنها: «وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ».

(4)

«تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»

—سورة القصص: 83

ما من شيء يكون في كون الله إلا لحكمة، والسعيد من تأملها واغتنمها وانتفع بها قربًا من الله تعالى وفهمًا عنه، والغافل من أعرض عنها ولم ينتبه في كل فعل إلى فاعله الحق، وفي كل حادثة إلى محدثها، فينقل فكره في الحوادث ومحدثيها الحادثين بدورهم، فيكون كحمار الوحي كما قال ابن عطاء الله، أو كثور الساقية كما يقول العامة، يرحل من كون إلى كون، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، ولكن العاقل ينتقل من الأكوان إلى مكونها سبحانه: «وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ».

ومن نعم الله على بعض خلقه -التي تظهر في صورة المحن والبلايا- إعراض الناس وذمهم، وهو ثقيل مكروه، غير أن فيه من المنافع ما لو تأمله العبد لحمد الله تعالى، وإن من البلايا والرزايا -التي تظهر في صور النعم والعطايا- إقبال الناس ومدحهم، وهو محبوب مرغوب، مع أن فيه قصم الظهر وكسر العنق لو كانوا يعلمون.

ألا ترى قول النبي صلى الله عليه وسلم لمادح أخيه: «ويلك! قطعت عنق صاحبك»، وقوله ناصحًا الممدوحين إشفاقًا عليهم وحرصًا على نجاتهم من هذه المهلكة: «احثوا في وجوه المداحين التراب»؟

وأعجب من هذا ما كان من أمر الغلام الرضيع -وهو أحد أربعة تكلموا في المهد- حين كانت ترضعه أمه، فمروا بجارية يضربونها يقولون: «سرقت.. زنت..»، فقالت الأم: «اللهم لا تجعل ابني مثلها»، فترك الرضيع ثدي أمه وقال: اللهم اجعلني مثلها.

ثم مر موكب رجل عظيم حوله جماعة من الناس يحتفون به ويعظمونه، فقالت الأم: «اللهم اجعل ابني مثله»، فترك الرضيع ثدي أمه ثانية وقال: «اللهم لا تجعلني مثله».

إن الجارية المضروبة المشتومة كانت مظلومة صابرة، وإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، و«إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ»، وأما الثاني فظالم جبار متكبر فرح بنفسه، و«إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ».

(5)

«إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ»

—الحجر (95:99)

من فوائد إدبار الخلق وإعراضهم عن العبد انكسار قلبه، فيورثه ذلك قربًا من ربه، وفي الأثر: «إن الله عند المنكسرة قلوبهم»، وفيه رجوع العبد إلى ربه وتوكله عليه واكتفاؤه به، فيتحقق بحقيقة: حسبي الله ونعم الوكيل، فماذا يريد من الخلق من كان الله حسبه؟!
وفيه تذكير العبد بعدم الركون إلى الدنيا أو الاغترار بها، فإن نعيمها ظل زائل وعارية مستردة.

وفيه حفظ أجره موفورًا في الآخرة، فإن حمد الناس وإقبالهم قد يكون من إذهاب الطيبات في الحياة الدنيا والاستمتاع بها، مع ما يورثه ذلك من استكبار في الأرض بغير الحق وفسق فيها!

وفيه السير على طريق الأنبياء الذين كُذِّبوا وأوذوا فصبروا على ذلك، ومنهم من يبعث يوم القيامة ومعه الرجل أو الرجلان، ومنهم من يُبعث وليس معه أحد، يكفيه أن الله معه، ومن وجد الله فماذا فقد؟!

بل وحتى الأنبياء الخمسة أولو العزم، مع ما أكرمهم الله به من كثرة الأتباع لهم والمؤمنين بهم، فقد أوذوا في الله تعالى أذى كثيرًا، وأعرض عنهم الخلق، وكذبوهم، وسبوهم، وقالوا فيهم أقوالًا خبيثة كثيرة، ومنهم موسى -عليه السلام-، وهو الوجيه الآخر الذي وعدنا في صدر المقال بالكلام عنه.

(6)

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا»

—سورة الأحزاب: 69

لأن السفهاء لا يفرقون بين وجيه مكرم عند الله وبين غيره، بل كثيرًا ما يرفعون من شأن من خفض الله، ويخفضون من شأن من رفع، كما مر في أمر غلام المهد، لذلك قالوا عن موسى قولًا قبيحًا، ذلك أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة، وكان موسى رجلًا حييًا ستيرًا، وكان لا يُرى من جلده شيء، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده؛ إما برص، وإما أدرة (أي: انتفاخ في خصيتيه)، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، فشاء أن يظهر لهم الحقيقة بطريقة غير متوقعة.

فذهب موسى يومًا ليغتسل وحده، فوضع ثوبه على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه! فخرج موسى عليه السلام في إثره، ينادي: «ثوبي يا حجر!»، يلاحقه وهو عارٍ، حتى رأته بنو إسرائيل، فعلموا أنه سليم مما كانوا يظنون، فقالوا: «والله ما بموسى من بأس!».
ثم أخذ موسى عليه السلام ثوبه ولبسه، وطفق يضرب الحجر ضربًا حتى ترك عليه أثرًا من ندبات، قال أبو هريرة رضي الله عنه: «والله إنه لندب بالحجر، ستة أو سبعة، ضربًا بالحجر».

وهكذا أظهر الله براءة نبيه موسى عليه السلام، ورد عليه كيد قومه، وأثبت لهم أنه كان يستتر حياء لا لعيب فيه.
هذا شريف نبيل كريم يبتليه الله -كالعادة- بتطاول السفلة من الخلق، ثم تقتضي حكمته سبحانه أن يبرئه الله من قولهم وأن يظهر لهم مقامه وشأنه، كما كان مع جريج العابد حين رموه بالزنا، فأنطق الله الرضيع ببراءته، وكان الناس قد هدموا صومعته الطينية، فلما استبانوا الأمر قالوا: نبنيها لك من ذهب، فقال: بل من طين كما كانت.

وسبحان من يحول ولا يتحول، قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يتجلى بالإقبال أو بالإدبار، الأمر أمره، والملك ملكه، ولا معقب لحكمه.

رباه إني قد برئت من الهوى … واستقبل القلب الخلي هواكا
فليرض عني الناس أو فليسخطوا … أنا لم أعد أسعى لغير رضاكا
نقولها تذكيرًا للقلب وتوطينًا لا تحققًا، فما أضعف الحال، ونسأل الله العافية، ونعوذ به من الدعاوى.

(7)

«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ»

—سورة الأنبياء: 35

خلاصة القول

يبتلي الله تعالى عبده في وقت ما بإقبال الناس عليه ومحبتهم له وأنسهم به، ليستخرج منه عبوديات لا تستخرج إلا بهذا، كنسبة الفضل -ظاهرًا وباطنًا- لله تعالى، والبراءة من الحول والقوة إلى حول الله وقوته، وعدم الاغترار بمدحهم وشكرهم وإكرامهم، فيظن أن له بذلك وحده عند الله مقامًا، وهذه كلها عبوديات قلبية لازمة لمن ابتلي بمحبة الناس وإقبالهم.

كما يلزمه ظاهرًا أن يستعمل ما آتاه الله من وجاهة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع المظالم ونصرة الفقراء والإصلاح بين الناس، فإنه بوجاهته ونفوذه بين الناس يقدر على ما لا يقدر عليه غيره.

ثم هو بعد قيامه بهذا وغيره من عبوديات الظاهر والباطن على خطر عظيم، فيخشى أن يقصر فيما أمر به، أو يطغى في استعمال ما أوتيه، أو أن يحبط عمله بالعجب ونحوه، ومن هنا نفهم قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو من هو عدلًا وعملًا وعلمًا ونفعًا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يقول: «ليتني أخرج منها كفافًا، لا لي ولا علي»، أو يقول في مقام آخر: «ليت أم عمر لم تلد عمر»، وما أشبهها كلمة بقول مريم -عليها السلام- الذي أوردناه في أول المقال، ثم ما أشبهه ظاهرًا بقول الكافر حين يرى الحساب والعذاب يوم القيامة: «يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً» (النبأ: 40).

وشتان شتان بين المقامين، وإن تشابهت العبارة، ولكن الصالحين بيقينهم رأوا في الدنيا ما لم يره الكافر إلا يوم القيامة، فقالوا -وجلًا وإشفاقًا- ما قالوا، وقال -ندمًا وحسرة- ما قال.

وأما ابتلاء الله عبده في وقت آخر بإدبار الناس وإعراضهم عنه، وذمهم له، واستيحاشهم منه، فإن ذلك ليستخرج منه عبوديات أخرى لا تستخرج إلا بهذا، كحمد الله الذي ستر أكثر مما فضح، سبحانه من إله حليم، لا يؤاخذ بالجريرة، ولا يهتك الستر، ويقبل التوبة عن عباده، وهو -سبحانه- حسن التجاوز.

ثم يصبر العبد على ما أوذي، ويعلم أن العباد مسخرون له أو مسلطون عليه، فلا يلتفت إليهم ولكن إلى من قلوبهم بيده، فهو الذي سخر المسخرين أو سلط المسلطين.

فهذه وغيرها من العبوديات القلبية تلزم من ابتلي بإعراض الناس وإدبارهم، كما يلزمه ظاهرًا أن يغتنم الفراغ الذي حصل له فيعمر أوقاته بالطاعة والعبادة والذكر وطلب العلم، مع نية أنه إن أقامه الله في المقام الآخر لفعل من وجوه الخير وفعل، فبهذا يكون قد جمع الخيرين جميعًا.

وكم في حديث: «إنما الدنيا لأربعة نفر» من فوائد، وما كانت نية المرء خيرًا من عمله إلا لأن صاحب النية يؤجر كأجر المبتلى بالنعمة الظاهرة مع نجاته من مأثمها ومخاطرتها، فإن من العباد من عاهد الله لئن آتاه من فضله ليصدقن وليكونن من الشاكرين، فلما آتاه الله ما طلب بخل به وهلك، وتولى معرضًا، فأورثه الله النفاق في قلبه بشؤم ما ملك.

فالحمد لله على نعمة السلب الدال عليه والموصل إليه، ونعوذ بالله من نقمة العطاء الحاجب عنه والموجب للحسرة بين يديه، وإذا فتح الله لك بابًا للفهم أصبح المنع عين العطاء.

(8)

أخيرًا..
قال أحد المبتلين بالإقبال:
والله لو علموا قبيح جنايتي … لأبى السلام علي من يلقاني
وقال أحد المبتلين بالإدبار:
«الحمد لله الذي جعل حساب العباد إليه لا إلى أحد من خلقه».

top-ads

# دين

أحمد حسن الزيات يكتب: عيد الأضحى
أفراح الزمن الحزين ممكنة
أحمد حسن الزيات يكتب: رمضان

مجتمع