بوستر مسلسل «حديث الصباح والمساء»
كل محاولة للحديث عن حديث الصباح والمسـاء هي محاولة فاشلة، كل قدرة على وصف الدواخل تختفي، كل محاولة للبلاغة تموت، كل ألفاظ التعظيم تنتهي عند محاولة الحديث عن شيء مثل حديث الصباح والمسـاء.
كل الأشياء نستطيع جمعها معًا، ببساطة أحيانًا، وبصعوبة أحيانًا، كل القصص والحكاوي، وكل الكتب والروايات، على سعتها وقدر الاختلاف بينها قد تجمع في حديث، ثم يأتي شيء، يحوي كل شيء، ويبتلع كل شيء، ولا يبقى بجواره شيء، هذا الشيء قطعًا هو حديث الصباح والمسـاء.
حديث الصباح والمساء هي الرحلة، بكل الاستغراق الممكن في الكلمة، وبلا تحديد ولا وصف، هي الحياة، وهي الموت، وهي كل شيء يمكن أن يوجد في هذه الحياة.
حاولت مرارًا الكتابة عن حديث الصباح والمسـاء، وفي كل مرة أفشل، وفي كل فشل أحاول جاهدًا أن أقرأ مراجعات، مقالات، فيديوهات، عن الرواية، وفي كل مرة، أنفر، «مش دي الرواية، مش ده الموضوع، مش دي القصة، مش ده الأثر، مش ده اللي تنبه له العظيم قبل أن يموت».
هامش:
«الأشياء كلها، تتحدد بنا، بنظرتنا إلى الشيء، لا تتأثر الأشياء بوجهات نظرنا وفقط، إنما جزء من رؤيتنا للأشياء أصلًا يتكون بنا، ومنا».
«حديث الصباح والمسـاء» الرواية، و«حديث الصباح والمساء» المسلسل، وحديث محفوظ، ورحلته المحفوفة بالمخاطر دائمًا، وأبدًا.
في كتابه «ما وراء اللذة»، يقول فرويد: «The aim of all life is death»، إن الهدف الحقيقي للحياة كلها هو الموت، وبعبقرية حديث الصباح والمساء يتجلى محفوظ ويجلي الموت.
الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن أن تنكر، الموت هو الحتمي، وهو النهائي، وهو المصير الأزلي المحمي من كل محاولات النقد، الموت هو تجلي لقدرة الله، القاهر فوق عباده، الموت هو الحياة، وهو ما يكسب الحياة المعنى، وهو ما يفقد الحياة كل المعنى، الموت هو كل شيء، الموت هو أي شيء، الموت هو الغاية والنهاية المفروضة فرضًا على الجنس الخالد كله.
معزوفة محفوظ، أو على الأحرى معزوفة محفوظ بعيون محسن زايد - كاتب سيناريو مسلسل حديث الصباح والمساء - تجعل كل الأشياء تضمحل، تجري بالزمن الذي يجري، وتقلل سرعته في أحيان أخرى، فقط ليريك القصة على الحقيقة، يريك ما أريد لك بشكل أو بآخر أن لا تراه.
محفوظ وزايد يكشفان اللغز، وينهيان القصة، ويضعان حدًا نهائية لهذه المهزلة، ويريانك الله، ثم يختفي كل منهم، تحقيقًا للأسطورة، محفوظ يقتل ذلك الشغف الغريب، ويريك، يريك جيدًا أن العبث متحقق، وكامل، لولا وجود الله، لكـن وجود الله عصم الحياة، وأنهاها، وأعطاها المعنى، ليسلب كل هذا الزيف المتمثل في كل اتجاه.
كل من يلعب على الموت ينتصر، لأنه الوحيد الباقي، الأبدي، الحقيقي، اللامنتهي.
كل هذه البهرجة في الدنيا، لقتل الموت لا أكثر من ذلك، لا يعد ذلك تعميرًا للعالم بأي شكل، إنما التعمير هو الذي يتضمن الفلسفة، فلسفة الموت بكل تفاصيلها، أما كل هذه البهرجة، فهي لا شيء، لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر، وتكاثر، في الأموال، والأولاد، كل هذا الذي يحدث زيف، تكاثر، «حتى زرتم المقابر»، لترون الجحيم، لتدرك العذاب الشديد، والمغفرة.
«مين فينا جاي مرساها مين رايح.. لحظة ميلاد الفرح، كان في حبيب رايح».
معزوفة الموت عند محفوظ، الذي مات!، عبقرية، تبدأ بالترتيب الأبجدي، تجمع شخصيات الرواية بمعرفتك، لن تتعلق بأحد، لأن هذه هي الحياة، وهذه هي الرواية، لكـنك في كل حادثة، ستدرك أثر القدر، ستردد كلمات تشير بها إلى الله، والحقيقة، والنهاية، لكـنك لن تستطيع الاندماج بشكل كاف، وإن كان الهدف النهائي قد تدركه، إن استطعت إكمال الرواية.
28 حلقة بعيون محسن زايد
أما معزوفة الموت بعيون وقلب زايد، فهي ما أراد محفوظ إيصاله على الحقيقة، 28 حلقة فقط، هي كل ما يلزمك لتعرف هذه الحياة، بلا مقررات كثيرة، وأشياء مبنية على أشياء، وانتقال من رتبة لرتبة، بلا مقارنات، ومحاولات مستمرة، وبلا أي شيء، قدمت الحياة في 28 ورقة، في أقل من 28 ساعة، ترى الحياة كلها، وترى الموت، ترى السابقين، وترى اللاحقين، تدرك فعلًا هذا العبث، وترى الخيوط التي أزيلت في المونتاج، بشكل أو بآخر.
«الصبح طفل برئ، ومساه يبان تجاعيد..
وفوق طريق الأيام، تجري الحياة مشاوير..
ونشوف ملامح الزمن، متعادة في المواليد..
وإحنا البشر كلنـا، أعمــار.. ورق بيطير».
تدرك المعنى، لكيلا تأسى، ولا تفرح، ولتدرك أن كل هذا وهم، من عاش سنة واحدة، أو لم يعش أصلًا، كما يقول درويش، الذي أخرج أعظم إنتاجه في انتظار الموت: «أو أكونْ مثل أختي التي صرخت ثم ماتت ولم تنتبه إلى أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ ولم تعرف الوالدةْ»، أو كما يشبه: «كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ».
أو كمن سيعيش ما يقرب من 100 سنة، ربما كجليلة مرات الشيخ معاوية، أو كراضية، أو كداوود، أو كغيرهم، أو كمن سيُعبر عنه بأنه يود لو عمَّر ألف سنة، ولن يُزحزح، كل هذا وهم.. النهاية، واحدة، والنتيجة، واحدة..
كمن سينطبق عليه: «كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار»، أو كمن سينطبق عليه: «ما رأيت شقاءً قط».. هنا تتضح الرؤية..
أما الرؤية الحالية، فهي رؤية وهمية، غير موجودة، كل نعيم يزول بوقت لا يمكن أن يعد نعيمًا، وبالتالي، لا مسافة كبيرة تفصل بين ذلك النعيم المقيم، وبين ذلك الشقاء الطويل، كل ذلك وهم، ينقضي.
في المعزوفة كذلك سترى اختلاف المصائر، واختلاف الحيوات، وسترى القدر، وسترى الله قبل وبعد وأمام ووراء ومع وفي وخارج كل شيء، سترى الله كما لم تره من قبل ربما.. وإن رأيت الله، عرفت، وقبلت، ورضيت، حتى وإن كان على كره منك، ستقبل رغمًا عنك، بشكل أو بآخر، ستدرك القهر، على حقيقته، وترى الحياة برؤيتك للموت الذي ستقابله في كل لحظة وثانية، وتنتظره.
ما بين الرجل الذي سيحفر قبره بيده، ليموت فيه، للرجل الذي ينتظر صديقه الذي يأتي ليأخذه، للرجل الذي يسافر طوال حياته، لأن هذا قدره ومكتوبه، للمكلومة التي تموت، وللقوية التي تموت، وللعظيمة التي تموت.
في ظل كل هذا الموت القائم، كل حديث عن اللغة والألفاظ، والأسلوب والحكايا تتلاشى، وفي ظل كل ذلك تمضي الأيام، يأتي محمد علي، ليموت، ويأتي عرابي، ليموت، ويأتي سعد، ليموت، ويأتي مصطفى كامل، ليموت، ويأتي عبدالناصر والسادات، لا لشيء سوى الموت، للموت الذي هو هدف الحياة النهائي.
في ظل كل هذا الموت، لا تستطيع الفكاك، ولا يستطيع الهواء الفكاك من الوردة، فيه ستدرك مهزلة الأعمار، ومهزلة الانتظار، وفيه ستتعلم أنك في النهاية ستمضي، وعلى قدر الموت ستعيش..
قولنا سابقًا: «تبدأ أولى خطوات الإنجاز بإدراك الموت والاعتراف به».
وفي يوم الصحة النفسية كتبنا:
«فكرتي عن الصحة النفسية تتلخص في عدد قليل من الأشياء، أولها: الاقتناع بوجود الله، ثانيها: الموت حيًا، ثالثها: الموت الختامي، وكل محاولة للدخول في هذه الرحلة الثلاثية أو الخروج منها هي ضرب من ضروب العذاب، وهي وحدها هي الطريق».
أدعو الله أن يتقبل النجيب، وأن يرزقه الجنة، ولو قدم النجيب في حياته هذه الرواية وفقط لكفته، ولو قدم زايد هذه المعالجة وحسب لكفته، فاتضاح الرؤية بمثل هذا النقاء حتى وإن لم يدوم، فإن الموت حقيقي، ودائم، ولا نهائي، ومتحقق، دائمًا وأبدًا، ومن يعش على الموت يحيا، يحيا طويلًا.