معرفة

محمد الإنسان الكامل

محمد ﷺ لم يكن نبيًّا فحسب، بل رحمةً مهداة، تجسدت في خُلقه، وعفوه عن أعدائه، وحنانه حتى على الحيوان الأعجم؛ لتبقى سيرته مدرسة للرحمة في أسمى معانيها.

future صورة تعبيرية (غلاف مقال للإمام عبد الحليم محمود نُشِر بمجلة الهلال عن النبي ﷺ عام 1978)

نُشِر المقال بمجلة الهلال المصرية في أغسطس 1978م/ شعبان 1398هـ ضمن عدد تاريخي جاء تحت عنوان «محمد رؤية جديدة»، أصدره الدكتور حسين مؤنس، رئيس تحرير المجلة، وشارك فيه أكثر من 40 كاتبًا وأديبًا وعالمًا من ألمع كتاب مصر.

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}

الأنبياء: 107

بهذه الكلمة القرآنية الكريمة حدّد الله سبحانه وتعالى الطابع العام للرسالة الإسلامية، وحدَّد كذلك بواعثها وأهدافها. إن كل ذلك يتمثّل في كلمة واحدة: «الرحمة». وقد كان خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن على حدّ تعبير السيدة عائشة، فطابعه صلوات الله عليه وسلامه وبواعثه وأهدافه إذن إنما هي الرحمة.

ولقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة». وقال صلوات الله عليه: «أنا نبي الرحمة». والرحمة من جانب آخر إنما هي التعبير عن الإنسانية في أسمى معانيها، فالآدمي الذي يتجرد عنها ينسلخ من الإنسانية، فيكون شيطانًا مريدًا أو حيوانًا مفترسًا. وعلى هذا، فرسول الله صلوات الله عليه، وهو الرحمة المهداة من الله إلى خلقه، إنما هو الإنسان الكامل.

لقد تمثّل فيه الجانب السويّ من الإنسانية طيلة حياته، قبل البعثة وبعدها. أما قبل البعثة فقد كان للرسول صورة محددة عبّرت عنها السيدة خديجة رضي الله عنها بقولها: «والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الدهر».

وعبّر القرشيون عن هذه الصورة في كلمة واحدة حينما اختلفوا في وضع الحجر الأسود وحملوا السيوف وأوشكوا أن يثيروها شعواء، ثم اتفقوا حقنًا للدماء على الاحتكام إلى أول داخل عليهم، وكان أول داخل الرسول عليه الصلاة والسلام، فقالوا فرحين مستبشرين: «ها هو ذا الأمين!».

وكلمة الأمين التي كانوا يطلقونها على محمد صلوات الله عليه وسلم كانت تعني مجموعة من الصفات والخصائص المتكاملة، وهي من الإنسانية في الذروة والسنام. ثم جاءت الرسالة الإسلامية مفصّلة مكارم الأخلاق، موضحة المثل الأعلى للإنسانية في أكمل مظاهرها، مبينة في دقة وإحكام الطريق الصحيح للسلوك الإنساني الكريم، وجاعلة شعارها في كل ذلك الرحمة. وقد تشرّب رسول الله هذه الرسالة حتى خالطت لحمه ودمه.

وحملته رحمته الإنسانية، أو إنسانيته الرحيمة، على أن يعمل طيلة حياته لهداية البشرية وإسعادها. وصوّره القرآن خير تصوير في جهاده هذا لإسعاد الإنسانية حينما قال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. لقد أهمّه صلوات الله عليه وسلامه إسعاد البشرية، وكان يحزنه انحراف أفرادها عن طريق السعادة، حتى لقد قال الله له: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ…}. وقال سبحانه: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}.

وقد مثّل الرسول صلوات الله عليه موقفه من الناس بموقف رجل يحاول ما استطاع أن يمنعهم من التردي في نار يتهافتون على الوقوع فيها. ولعل الحادثة التالية تصوّر بعض جوانب التربية الرحيمة التي كان يستعملها الرسول في سلوكه مع الناس، وهي وإن كانت خاصة برجل معيّن فإنها ليست مقصورة عليه، بل هي صفة عامة:

جاءه أعرابيٌّ يومًا يطلب منه شيئًا، فأعطاه صلى الله عليه وسلم ثم قال له مستفسرًا متوددًا: «أحسنت إليك؟» فقال الأعرابي: لا، ولا أجملت! فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار الرسول أن كفّوا، ثم قام ودخل منزله وأرسل إلى الأعرابي وزاده، ثم قال: «أحسنت إليك؟» فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أجبت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك».

فتحدّث الأعرابي إليهم، وطابت نفس أصحاب رسول الله بقول الأعرابي، فقال صلوات الله عليه وسلامه هذا التعقيب الرائع:

إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورًا، فناداهم صاحب الناقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها وأعلم. فتوجه إليها صاحب الناقة بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فردّها هونًا هونًا حتى جاءت واستناخت، فشدّ عليها رحلها وساوى عليها. وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال، لقتلتموه فدخل النار.

لقد كانت نفس رسول الله رحيمة حتى مع الأعداء. فقد قيل له يوم أُحد وهو في أشد المواقف حرجًا: لو لعنتهم يا رسول الله؟ فقال صلوات الله عليه: «إنما بُعثت رحمة، ولم أبعث لعّانًا». وكان إذا سُئل أن يدعو على أحد، عدل عن الدعاء عليه إلى الدعاء له بالهدى والصلاح. وكان يريد باستمرار أن يشعر المسلمون، بل الناس على وجه العموم، بالتعاطف فيما بينهم.

سُئل مرة: «أيّ الناس أحب إليك؟» فقال: «أنفع الناس للناس». وسُئل: «أي الأعمال أفضل؟» فقال: «إدخال السرور على المؤمن». وقال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله».

وكانت رحمته صلوات الله عليه عامة شاملة، حتى لقد تناولت الحيوان الأعجم. فقد قال يحثّ على الشفقة بالحيوان:

بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له». قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر».

وفي المقابل، دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض.

لقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. وإنّ أفضل عمل نرضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتنا ونتأسى به فيه، أن نعاهد الله على أن نكون باستمرار مثلًا كريمًا للرحمة الإسلامية.

* نسخة صوتية للمقال عبر منصة رُواة

# السيرة النبوية # المولد النبوي

رسالة محمد
كيف وصلت لنا أقدم مصنفات السير والمغازي؟
نهج البردة الجديد: السيرة النبوية في المسرح والرواية العربية

معرفة