مقال للكاتب والأديب المصري، كامل كيلاني (1897 - 1959)، والذي اتخذ من أدب الأَطفال دَرْبًا له فلُقِّبَ ﺑ«رائد أدب الطفل». قدم العديد من الأعمال العبقرية الموجهة إلى الطفل، وتُرجِمتْ أعماله إلى عدة لغات مِنها: الصينية، والروسية، والإسبانِية، والإنجليزية، والفرنسية، ويعد أول مَن خاطَب الأطفال عبر الإذاعة، وأول مؤسِّس لمكتبة الأطفال في مصر. نُشِر المقال بمجلة الرسالة في 11 نوفمبر 1946.
نثبت فيما يلي نص الحوار الطريف الذي دار بين ثلاثة من أدباء مصر وشعرائها في إحدى ليالي رمضان، كما أذاعته محطة الشرق الأدنى.
عبد الغني: بمناسبة شهر رمضان، هل كان كبار الشعراء - يا أستاذ كامل- يصومون؟ وهل كان أستاذك المعرِّي يصوم؟
كامل: ويصلي أيضًا.
عبد الغني: إذ يقول في الصلاة، يا أستاذ كامل؟
كامل:
«وأعجزُ أهل هذه الأرض غاوٍ
أبان العجز عن خمس فُرضنَ له»
ولكنه يريدها صلاة خالصة لوجه الله، وإلا حلت اللعنة على صاحبها.
عماد: إذ يقول أيضًا، يا أستاذ كامل؟
كامل:
«إذا رام كيدًا بالصلاة مقيمُها
فتاركُها عمدًا إلى الله أقربُ»
ولن يصح تدين الإنسان - فيما يرى - إذا اقتصر على الصلاة والصوم، دون أن يخلص نفسه من أرجاسها، ويكف أذاها عن الناس.
عبد الغني: وما الذي يحضرك من شعره يا أستاذ كامل؟
كامل:
«ما الدينُ صومٌ يذوب الصائمون له
ولا صلاةٌ، ولا صوفٌ على جسدِ
وإنما هو تركُ الشرِّ مطَّرحًا
ونفضك الصدرِ من غلٍّ ومن حسدِ»
عماد: أوَ يقول ذلك؟
كامل: ما أكثر ما يقول في هذا المعنى - يا صاحبي - وما أبرع قوله في هذا الباب:
«إذا الإنسانُ كفَّ الشرَّ عني
فسُقيا - في الحياة - له ورُعيا
ويدرس - إن أراد - كتابَ موسى
ويضمر - إن أحب - ولاءَ شُعيا»
عبد الغني: فهل كان يصوم، يا أستاذ كامل؟
كامل: كان صائم الدهر، يصوم عن الأكل كما يصوم عن الأذى والشر.
عبد الغني: وماذا قال في هذا الباب، يا أستاذ كامل؟
كامل:
«أنا صائمٌ طول الحياة، وإنّما
فطري الحمام، وذاك حين أُعيدُ»
عماد: إذن يا أستاذ كامل، كيف تعلل اتهامه في دينه؟
كامل: لم يتهمه في دينه إلا قاصر أو مقصر في درسه، أو راغب في إذاعة مبادئ الشك على لسان غيره، أو متسرع في فهم مراميه، أو رجل يحسن الظن بآراء بعض الباحثين، فلا يُعَني نفسه بمناقشتها وتمحيصها، أو ببغاء يردد ما يسمع بلا تعقل.
عبد الغني: فكيف تعلل قوله:
«في القدس قامت ضجةٌ ما بين أحمدَ والمسيح
هذا بناقوسٍ يدقُّ، وذا بمئذنةٍ يصيحُ
كلٌّ يعلّلُ دينَهُ، يا ليتَ شعري ما الصحيح؟»
كامل: إن السخرية واضحة في الأبيات كما تريان، ولعلكما تذكران الآية الكريمة: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} كما تذكران الآية {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} ولن يدور بخلد كائنٍ كان أن الرسول ﷺ كان شاكًا في أنه على هدى، وأن مجادليه في ضلال مبين.
عبد الغني: فكيف تعلل اضطرابه وتناقضه في شعره يا أستاذ كامل؟
كامل: لم يضطرب أبو العلاء، ولم يتناقض. ولكن اضطرب في فهمه المتسرعون وتناقضوا، ورأى بعضهم - في مرآة نفسه المضطربة - صورته، فحسبها صورة المعري، فهر منها بريئًا.
على أن المخلصين في فهمه، ممن رموه بالتناقض، نسوا الحكمة التي درسوها في مستهل حياتهم، وهي: «لكل مقامٍ مقال» فكان مثلهم مثل من ينصت إلى رجل فيسمعه مرة يقول لولده مغريًا: «لا شك عندي في أنك باذلٌ في دروسك قصارى جهدك، وسيكون لك -إن شاء الله- شأن عظيم، ولتبلغن بجدك أعلى المراتب وأسمى المنازل».
ثم تسمعه مرة أخرى يقول له: «لن تنجح يا ولدي ما دمت مستسلمًا لكسلك، متماديًا في غيك، مسترسلًا في تهاونك». أو يقول له غاضبًا ثائرًا: «والله لا أفلحت أبدًا!».
فيزعم أن الوالد متناقض مضطرب، لأنه يتمنى لابنه النجاح مرة، والإخفاق مرة أخرى، وينسى أنهما أسلوبان متباينان يهدفان -على اختلافهما- إلى غرض واحد، وهو حفز الولد إلى الخير. فكلاهما يعبر عن حب الأب لولده، وحرصه على نجاحه.
وما أدري -أيها الصديقان- كيف يُشك في صدق إيمان هذا الرجل، وهو دارس متعمق حصيف، يجمع بين الإنصاف والإحاطة والفهم؟
كيف يُشك في حسن عقيدة من يقول: «أقر بأن لي ربًا قديرًا، ولا ألقى بدائعه بجحد».
أو يقول ويصل إلى ذروة الإبداع حين يقول: «تعالى الله، وهو أجل قدرًا من الإخبار عنه بالتعالي».
إلى آخر ما يقول، فما أنتما بحاجة إلى أن أتلو ما يزخر به شعره ونثره من الآيات الدالة على سلامة عقيدته، وخلوصها من الشكوك والأوهام.
وقد علمتما يا صاحبيَّ أنني عرضت لهذا الموضوع في مناسبات عدة، لا سيما في رسالتي الغفران والهناء، وكتابي على هامش الغفران وحديقة أبي العلاء، وربما أنجزت كتاب عقيدة المعري وأعددته للطبع بعد قليل.
حسبكما الآن قوله في رسالة الغفران، ولعله - على وجازته - أبرع ما رأيت في هذا الكتاب، لأنه يقرر في بلاغة علائية فاتنة أن الإنسان مؤمن بغريزته، وأن الله سبحانه قد وهبه فطرة مؤمنة تعصمه - إذا لاذَّ بها - من الزيغ والإلحاد، كما يعصم الحصن الحصين من يلوذ به ويحميه من المغيرين، وإليكما ما قال:
«والتأله (يعني: الإيمان بالله) موجود في الغرائز، يكون
لهن كالألجاء الحرائز (يعني: كالحصون الحصينة كما تعلمان)»
وبهذه الجملة البارعة يلتقي المعري بما أبدعه لامرتين في قصيدة الخلود، وهي من غرر الشعر الفرنسي وروائعه.
كما يلتقي مع شكسبير في قوله:«كل ما نلقاه حسن إذا حسنت خاتمته».
فيقول:
«إن ختم الله بغفرانه، فكل ما لقيته سهل».
لا أدري كيف يجرؤ منصف على اتهام مثل هذا الرجل الطاهر في عقيدته! ألا ما أصدق المثل:
«رمتني بدائها وانسلّت».
ورحم الله ابن الرومي القائل:
«ما خمدت ناري، ولكنها
ألفَتْ نفوسًا نارُها خامدة
قد فسدت في دهرنا أنفسٌ
تستبرد السخنة لا الباردة»
عبد الغني: هل تحسن نظم الشعر وأنت صائم يا أستاذ عماد؟
عماد: كلا، فإن سطوة الجوع تكفل هدم كل بيت من الشعر أحاول بناءه، أو لعل شيطان شعري يُسجن في شهر رمضان مع سائر إخوانه الشياطين، وإن كنتُ أنا نفسي قد مثلت دور شيطان في هذا الشهر المبارك.
عبد الغني: وكيف كان ذلك يا أستاذ عماد؟
عماد: في ليلة مظلمة من أحد رمضانات الحرب، التي حُرمنا فيها من النور، عدت إلى منزلي متأخرًا، وكنت مرتديًا بذلة سوداء، وبينما أنا واقف أمام الباب والشارع مقفر، أقبل شخص رآني من بعيد، ولكنه حين لمحني تباطأ في مشيته، ثم وقف مترددًا، فأدركت أنه خاف مني، وأنه حسبني أحد شياطين الظلام. دفعني حب العبث إلى أن أمثل دوري إلى النهاية، فتقدمت نحوه خطوتين، فاضطرب وكاد يولي هاربًا، ولكن إلى أين؟ وقد علم سلفًا أنني سأدركه بوثبة شيطانية واحدة!
وكان منزله -لسوء حظه- مقابلًا لمنزلي، فجمع قواه واندفع يجري أمامي في سرعة الريح، وهو يتلو آية الكرسي بصوت عالٍ، محاولًا إحراقي بها، بينما كنت أشير إليه إشارات تزيده رعبًا. ظل يجري حتى أدرك باب منزله، فارتمى فيه على وجهه!
كامل: وماذا كان وقع آية الكرسي في نفسك، يا أستاذ عماد؟
عماد: بردًا وسلامًا، على خلاف عادتها مع الشياطين!
عبد الغني: إن هذه الحادثة لا تخلو من فائدة، فهي تعلل لنا الحوادث التي يؤكد بعض الناس أنهم رأوا فيها الشياطين رأي العين.
ولكن قل لي، يا عماد، هل تعتقد حقًا أن لكل شاعر شيطانًا يوحى إلى الشعر؟ كما كان يعتقد حسان بن ثابت، إذ يقول:
«ولي صاحبٌ من بني الشيصبانِ… فطورًا أقولُ وطورًا هوه»
عماد: هذا -بالطبع- أمر لم يقم عليه دليل مادي، ولكن مما لا شك فيه أن الشاعر، عندما ينظم قصيدته، يكون مدفوعًا بقوة غير عادية. فقد يعود إلى قراءة هذه القصيدة في وقت آخر، فيراها أعلى من مستوى تفكيره، ويعجب من نفسه كيف تيسر له نظمها على هذه الصورة، والشاعر الذي أعنيه هنا هو الشاعر الصادق، الذي لا ينظم إلا متأثرًا بفكرته. فالتأثر هو الذي يوحي إليه ما يحسبه وحيًا من قوة فوق قوة البشر، كالشياطين أو الملائكة.
أما الشاعر الكاذب المقلد، فوحيه من القردة، لأنها أطبع المخلوقات على التقليد! ويجب عليه إذا ذكر وحيه أن يقول: «قال لي فؤادي»، لا «قال لي شيطاني!»
عبد الغني: هذا حق، والشعراء الفردانيون كثيرون في كل عصر، لسوء الحظ.