صورة تعبيرية: تعبر عن صناعة السينما من خلال المنح وورش تطوير الأفلام
هناك سؤال يبدو ساذجًا في ظاهره، لكنه يزداد إلحاحًا كلما اتسعت منظومة المنح والمعامل والمختبرات السينمائية: هل كانت الأفلام عاجزة فعلًا عن الوجود قبل ظهور برامج التطوير؟
السؤال ليس حنينًا رومانسيًا إلى زمن أنقى، ولا إنكارًا لأهمية الدعم المادي في صناعة مكلفة كالسينما، لكنه محاولة لفهم التحول الذي أصاب معنى الفيلم نفسه، كيف انتقل الفيلم من كونه مغامرة فنية غير مضمونة، إلى مشروع يحتاج أولًا إلى إثبات قابليته للشرح، والتقديم، والتسويق، قبل أن يوجد أصلًا؟
في العقود الأخيرة، خصوصًا مع صعود نموذج الإنتاج المشترك الأوروبي، تحولت ورش التطوير من مساحة دعم إلى مرحلة شبه إلزامية داخل دورة إنتاج الفيلم المستقل.
قبل البدء بكتابة الفيلم نفسه، أصبح الأهم هو البدء بصناعة ملف تقديم يحتوي على العديد من الضمانات تشمل خطة توزيع تؤكد ذهاب الفيلم إلى المحطة الفلانية لفيلم لم يوجد بعد! ، وبالتدريج لم تعد هذه الملفات مجرد أدوات تنظيمية، لكنها أصبحت تحدد طبيعة الفيلم الممكن إنتاجه من الأساس، كآلية تعيد تشكيل طبيعة العمل الفني نفسه، لا تسأل الفيلم إن كان جيدًا فقط، بل تسأله إن كان قابلًا للشرح داخل لغة مؤسساتية محددة للغاية، ما هي الأفلام الأكثر قابلية للقراءة داخل معايير شخصية وخاصة للغاية، أي الأفلام التي تتقن لغتها، وتفهم ذوقها، وتعرف كيف تقدم نفسها ضمن الإطار المتوقع منها.
بمعنى آخر، الفيلم أصبح يُقيم باعتباره مشروعًا يمكن قراءته إداريًا وثقافيًا وتسويقيًا. ولهذا أصبحت الكتابة عن الفيلم أحيانًا أهم من كتابة الفيلم نفسه
يبدو كثير من الأفلام المعاصرة تتشارك الحساسية الجمالية نفسها، حتى لو جاءت من بلدان مختلفة تمامًا، هناك إيقاع محدد للحكي، وطريقة محددة لبناء الشخصيات، وحتى شكل معين للهشاشة الإنسانية القابلة للتداول داخل السوق الفني العالمي، لنتحول هذه العناصر إلى نمط إنتاجي شبه مؤسسي، يمكن التعرف عليه بسهولة قبل حتى مشاهدة الفيلم، فيلم أقل قدرة على المفاجأة، وأكثر قدرة على التوافق.
تكمن المفارقة في أن مثل هذه المؤسسات تقدم نفسها غالبًا باعتبارها مساحة لاكتشاف الأصوات الجديدة، بينما هي في كثير من الأحيان تعيد إنتاج الأصوات نفسها، أو على الأقل تعيد إنتاج الشكل نفسه للصوت المختلف.
تمرد محسوب، يمكن شرحه، وتأطيره، وتسويقه، أما الأعمال التي تحمل فوضى حقيقية، أو رغبة جذرية في كسر الشكل، فغالبًا ما تبدو غير قابلة للتطوير أصلًا، لأنها لا تستطيع ترجمة نفسها بسهولة إلى ملفات قابلة للتقييم، ولهذا نادرًا ما تنتج هذه المنظومة أعمالًا تشكل قطيعة حقيقية مع الشكل السائد، هي قد تنتج أفلامًا جيدة، حساسة، ذكية، لكنها أقل قدرة على الصدمة أو اختراع لغة جديدة، لأن اختراع لغة جديدة بطبيعته شيء غير مضمون، والمنظومات المؤسسية، مهما بدت منفتحة، تخاف دائمًا مما لا يمكن توقعه.
ولعل أكثر ما يثير القلق هو ادعاء الموضوعية الذي يحيط بهذه العملية، نظريًا تقوم المنح على معايير فنية مفتوحة، لكن عمليًا، تتشكل القرارات داخل شبكات معقدة من الذوق المشترك، والعلاقات، والخلفيات الثقافية، والتصورات المسبقة حول ما يجب أن تبدو عليه “السينما الجيدة”، لهذا يصبح من السهل أحيانًا توقّع نوعية المشاريع المختارة حتى قبل إعلان النتائج.
لا يعني ذلك أن كل الأفلام المدعومة سيئة، أو أن كل لجان الاختيار فاسدة، فهذه قراءة تبسيطية وغير دقيقة.
المشكلة أعمق من ذلك، إنها تتعلق بكيفية تحول الدعم نفسه إلى أداة لإعادة إنتاج ذائقة محددة عالميًا، حتى لو بدا الأمر ظاهريًا متنوعًا ومنفتحًا، لهذا لا يمكن النظر إلى المسألة باعتبارها فسادًا فرديًا فقط، المشكلة بنيوية أكثر من كونها أخلاقية.
كثيرًا من المخرجين الشباب لم يعودوا يكتبون أفلامهم فقط، بل يكتبون أيضًا احتمالية قبولها. يفكرون منذ المراحل الأولى في كيفية تقديم المشروع داخل السوق الدولي:
ما القضية التي يحملها؟
كيف يمكن تلخيصه؟
ما زاويته السياسية أو الاجتماعية؟
وإلى أي فئة مهرجانية يمكن أن ينتمي؟
بمرور الوقت، يصبح الفيلم أقل ارتباطًا بضرورته الداخلية، وأكثر ارتباطًا بقدرته على الحركة داخل المنظومة، وبالتدريج، يتحول المخرج إلى مدير مشروع ثقافي.
وهذا ليس تفصيلًا بسيطًا، لأنه يغير طبيعة العلاقة بين الفنان وعمله، الفيلم تاريخيًا كان أحيانًا محاولة لفهم شيء غامض حتى بالنسبة لصانعه، أما الآن، فكثير من المنظومات تطلب منك أن تفهم فيلمك بالكامل قبل أن تصنعه.
لكن ماذا لو كانت قيمة الفيلم أصلًا في الأشياء التي لا يستطيع صانعه شرحها بعد؟ ماذا لو كانت السينما مساحة للتيه، لا للتفسير الكامل؟
وربما لهذا نفتقد اليوم المحاولات الفنية التي تبدو خارجة فعلًا عن السياق، حتى حين تفشل.
نفتقد الأفلام التي لا تعرف كيف تشرح نفسها جيدًا، الأفلام غير الواثقة، وغير المصقولة، والمليئة بالتناقضات، لكنها تحمل رغبة حقيقية في اكتشاف شكل جديد.
المفارقة أن تاريخ السينما نفسه قام على هذه المحاولات.
معظم التحولات الكبرى في اكتشاف لغة الفيلم لم تأتِ من داخل الأنظمة المستقرة، جاءت من أشخاص اصطدموا بها، أو عملوا خارجها، أو استخدموا فقر الإمكانيات كوسيلة لاختراع شكل آخر للصورة.
لذلك لا تتلخص المشكلة في وجود منظومة التطوير ذاتها، بل في تحولها إلى الطريق شبه الوحيد الممكن، حين يصبح للفيلم مسار مؤسسي واحد كي يُعتبر مشروعًا جادًا، تفقد السينما جزءًا أساسيًا من طبيعتها:
القدرة على المخاطرة، وعلى الفشل، وعلى الظهور من أماكن غير متوقعة.
ربما أخطر ما في الأمر اختفاء البدائل تقريبًا، لم يعد هناك خارج واضح لها، حتى التمرد نفسه أصبح يبحث عن فرصة عرض، أو إقامة فنية، أو شريك إنتاج أوروبي، قد يبدو كثير من الغضب المعاصر تجاه هذه المؤسسات غضبًا متناقضًا بطبيعته، لأن معظمنا جزء منها بالفعل، ننتقدها، ثم نعود لإرسال الملفات نفسها، وانتظار النتائج نفسها، والحلم بالقبول نفسه، لكن ربما يبدأ أي وعي حقيقي من الاعتراف بهذا التناقض، لا إنكاره، أن نفهم أن المشكلة ليست في وجود الدعم، لكن في تحوله إلى الشكل الوحيد الممكن لوجود الفيلم.
لأن السينما، في جوهرها، لم تولد من اليقين أساسًا، ولم تتقدم عبر المشاريع الأكثر تنظيمًا، لكنها قدمت عبر أشخاص خاطروا بأفكار بدت غير منطقية، وغير قابلة للبيع، وأحيانًا غير مفهومة تمامًا، وربما لكل هذه الأسباب يبدو جزء كبير من السينما المعاصرة شديد الاكتمال… وشديد البرودة في الوقت نفسه.
ربما ما نحتاجه الآن استعادة فكرة أن الفيلم يمكن أن يوجد خارجها أيضًا، أن يعود كفعل شخصي، غير مضمون، وغير محمي دائمًا، لكنه حي.