صورة تعبيرية عن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
أوصيكَ بِالحُزنِ لا أوصيكَ بِالجَلَدِ
جَلَّ المُصابُ عَنِ التَعنيفِ وَالفَنَدِ
—أبو فراس الحمداني
كتبتُ من قبل عن «أفراح الزمان الحزين»، وأجهدتُ في بيان أنها ممكنة، وأن صُنّاعها صُنّاع للحياة، وأجمل بصناعة الحياة من مقاومة.
كان الحديث هناك عن الفرح والاستبشار حين نغزو به أزمنة الحزن والموت والحرب والدمار، والآن أتحدث عن الحزن حين يغزو لحظات السرور والعيد والفرح. أتحدث عن الحزن عندما يكون صديقاً طيب القلب، وعن الشجن إذ يعتَرينا معمِّقاً شعورنا بالسعادة، وعن الموت حين يكون حيواننا الأليف لا وحشاً مخيفاً، وقد ورد تصويره في بعض الأحاديث النبوية بالكبش إذ يُذبح، وفي هذا التصوير من الأُنس والألفة ما فيه.
(2)
ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا
وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ
—دوقلة المنبجي
الحياة لمن تأملها ثنائيات متعانقة متضافرة لا يكاد يُعرَف أحدها إلا بالآخر؛ ليل يغشى ونهار يتجلّى، سماء بناها وأرض طحاها، سعى الناس شتّى، منهم الذكر والأنثى، وحين سوّى نفوسهم من سواها لم يجعلها على جبلة واحدة ولكن ألهمها فجورها وتقواها، فلا يزال القلب يتقلّب، وفي واردات المواجيد يحلّ ويتغرّب، وفي فيافي اليأس والأمل والاطمئنان والوجل والهمة والكسل يشرق ويغرب، وإن لكل عبد شِرّة وفَترة كما ورد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. ولولا هذه ما كانت تلك، وبضدها تتمايز الأشياء.
لولا النصب ما كانت الراحة ممتعة، وما اشتاق إليها مشتاق، ولولا الراحة ما كان النصب ممكناً وما استطاعه عامل؛ فإذا فُرغت فانصب.
لولا الفقر والحاجة ما كانت للغنى هذه المكانة، ولولا المرض ما عرف الناس فضل الصحة، ولولا الظمأ ما كان للماء البارد هذا الإرواء.
لولا اختلاف الرأي يا محترم
لولا الزلطتين ما لوقود انضرم
ولولا فرعين ليف سوا مخاليف
كان بيننا حبل الود كيف اتبرم؟
—صلاح جاهين
وعجبي أنا أيضاً كما عجب صلاح جاهين في هذه الرباعية!
إن اختلاف اتجاه دوران الحبل ضرورة ليلتف على أخيه فيشده ويشتد به.
(3)
جديلةٌ هي من يأسٍ ومن أملٍ
ضدانِ ما اعتنقا إلا ليجتَلدا
—تميم
ما ظاهرها المتعارض قد تكون حقيقته التعاضد، بل قد يكون تعارضهما ضرورة لتعاضدهما، ومن ذلك الحزن والفرح.
أَفْدِي المُسَافِرَ مِنْ حُزْنٍ إلى فَرَحٍ
مُحَيَّرَ الحَالِ لا أَغْفَى وَلا سَهِدَا
—تميم
الحزن حين يكتمل به الفرح، أو قل: حين ينبّهنا إلى ضرورة الفرح ووجوب السعي له واغتنام لحظاته القصيرة. إنه يقول لنا: أيها الناس... افرحوا بأحبابكم وأظهروا لهم وللدنيا كلها حبكم، فمن قريب ترحلون عنهم أو يرحلون عنكم. الحزن هنا داعية فرح، وصانع له ومكمّل لمعناه، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراق أحبابنا لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا... إنا لله وإنا إليه راجعون.
ويتصل بهذا الترابط بين الحزن والفرح ما اعتاده المصريون إذا ضحكوا أن يتوجسوا خيفة فجأة ثم يقولون: «اللهم اجعله خير». وما ذلك إلا لعلمهم باتصال الأمرين، وأن السرور بالضرورة يعقبه الحزن؛ لأن هذه الدنيا لا تدوم على حال.
ومن ذلك أيضاً ما اعتادوه من زيارة قبور أحبابهم صبيحة يوم العيد فور انتهاء الصلاة، وقبل طوفان الزيارات العائلية المعتاد، وفي القرية المصرية لا يبقى بيت إلا يُزار في العيد، لكن قبل كل زيارات الأحباب الأحياء تأتي زيارة الأحباب الراحلين، وبعيداً عن استحسان بعض الناس أو استهجانهم لهذه العادة المصرية إلا أنها تعكس هذا التضافر غير المنفك بين الحزن والسرور، حتى عبّر عن هذا المعنى أحد المغنين بقوله من كلمات الشاعر بدوي جمعة:
يا حبيبتي ليه مستغربة
لما بقول إني حزين جداً سعيد
ما احنا بنطلع نبكي على الأموات
في عز ما احنا فرحانين بالعيد
(4)
«صلوا صلاة مودع»
—حديث شريف
أن تعيش كأنك غريب أو عابر سبيل، وأن تمسي فلا تنتظر الصباح، أو تصبح فلا تنتظر المساء، أن تبادر بالأعمال سبعاً، وأن تغتنم الخمس قبل الخمس، أن تأخذ من صحتك لسقمك، ومن غناك لفقرك، ومن حياتك لموتك…
لو كنت بس ساعتها عارف إن دي المرة الأخيرة
مية مية كانت هتفرق في الوداع
كنت هحضن سندس اللي في تانية تالتة على المشاع
وإحنا طالعين من اللجان بعد آخر امتحان
وأسألها: لو بتشوف فلان؟
طب فاهمة مادة ميس إيمان؟
طب ينفع أبقى أجيلكوا عادي؟
قصدي يعني البيت يساع؟
لو كنت بس ساعتها عارف، كانت هتفرق في الوداع.
أن تحيا مودِّعاً الحياة، وأن تحسن استقبال قادم لا يشك مخلوق في قدومه، في هذا من الباعث على اليقظة والرفق ما فيه.
أما اليقظة فعلمك بالمحدودية يحملك على حسن الاغتنام، وأما الرفق فعلمك بحقارتها وقلة شأنها عند خالقها يدعوك إلى قلة الاهتمام، وإذا كان ذلك كذلك عملت لما يبقى بقدر ما يبقى، وللآخرة خير وأبقى، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مردّاً.
(5)
يا مَن يَعِزُّ علينا أن نُفارقهم
وِجْدانُنا كلُّ شيءٍ بعدَكُمُ عَدَمُ
—المتنبي
للوداع هيبة يجب أن تُحترم، وللذكريات عنده رياح عاصفات ونيران حارقات، وإن في صلاة الجنازة لشفاعة للراحل من جهة، ومن الجهة الأخرى سلواناً للمَرحول عنهم، ثم ما العزاء لأهل الراحل إلى ثلاثة أيام من رحيله إلا وقفة احترام لهيبة الوداع ومحاولة تثبيت القلوب التي تعصف بها رياح الذكريات، وربما تعضّها أنياب الحسرة والندم، وكم من حسرات في بطون المقابر.
وهذا الحق في وداع الأحباب قد يُحرمه بعض الناس لموانع تمنع، ثم لا يجد الممنوع لهذه الموانع من أسباب تدفع أو شفاعات تشفع، وويحي على كل منفي عن بلاده تميل خطا أحبابه فلا يقدر أن يقيمها، ويمرض أهلوه فلا تصلهم منه يد مداوية، ويرحلون ويبقى بعيداً يراقب رحيلهم في الشاشات ثم لا يملك منهم ضمةً وقبلةً وسِمةً أخيرة عند الوداع.
الموعد الله يا أحبابنا... الموعد الله.
(6)
قبل أيام رحل أستاذنا أبو المجد فارس العربية النبيل الخلوق المحبوب المهذَّب المجتهد الأستاذ الدكتور خالد فهمي أستاذ علم اللغة بكلية الآداب جامعة المنوفية، ومن قبله بسنوات رحل أحب الرجال إلى قلبي وصاحب الفضل الأكبر في دربي، رحل أبي، ومن في الناس مثل أبي؟! وبينهما رحل الكثير من الأساتذة والأحباب، وتغيّرت ملامح البلاد والعباد، وأنا بعيد في منفاي، لا أملك إلا الدعاء وصلاة الغائب على من لم يغيبوا عن البال ولا غادروا مقامهم في قلبي قيد أنملة.
أصلي صلاة الغائب وأبكي، ثم أقول بكل ذرة في كياني: الحمد لله، ثم أكرر ثم أكرر: الحمد لله، ثم الحمد لله، ثم الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وحتى يبلغ الحمد منتهاه، ولا منتهى لحمد الله؛ فالحمد لله، ثم الحمد لله، ثم الحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يمتلئ قلبي حزناً، ثم يملؤه الله استبشاراً وأملاً، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً.
تتنزّل الملائكة على أهل الاستقامة ألا يخافوا ولا يحزنوا وأن يُبشَّروا بالجنة التي كانوا يوعدون، فيرحلون مستبشرين بنعمة من الله وفضل، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم.
أملي أن يكون الراحلون قد استبشروا بأعمالهم، ونشهد لهم أن ما عرفنا عنهم إلا خيراً، وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
وأملي أن يكون البقاء بعدهم استخلافاً نستعتب به ويزدادون، وما أعمالنا -إن أحسنا- إلا في ميزانهم إذ علمونا وأرشدونا، وعلى كل سبيل للخير دلّونا، والدال على الخير كفاعله، وهم والله أدلاء خير من الفواعل، فاللهم اجزهم عنا خير الجزاء.
(7)
هذه مقالة في مديح الحزن لا بوصفه حاجزاً عن الفرح والبشارة بل حافزاً عليهما، وفي مديح الوداع الذي يعود منه المودَّع أوثب روحاً وأعلى همة وأمضى عزماً وأحسن عملاً.
وداع يقول:
اغتنمْ ما بقيتَ
فعما قريب يحين الأجل
فإما عملت فجنات خلد
وإما لعبت فيا للوجل
لقلوبكم حق في الحزن فلا تمنعوها، فإنه يجعلها أرق وأنقى، وللشيطان حظ من الحزن فلا تعطوه إياه، فإنه لكم عدو يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً، والله واسع عليم.
يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يذّكر إلا أولو الألباب.