بوستر فيلم «The Pirate Queen: No Safe Waters»
في الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان كان السينمائي الدولي (مايو 2026)، لم تعد السينما تقتصر على الشاشات الفضية التقليدية؛ بل امتدت لتشمل آفاقاً تفاعلية جديدة. وضمن مسابقة الأفلام الغامرة «Immersive Competition»، خطف العمل البريطاني «The Pirate Queen, No Safe Waters» «ملكة القراصنة، لا توجد مياه آمنة»، للمخرجة إيلواز سينجر، وبطولة النجمة لوسي ليو، الأنظار كأحد أكثر التجارب طموحاً وإثارةً للجدل.
من بين مئات القصص التاريخية التي طواها النسيان، تبرز قصة تشينغ شيه (Cheng Shih)؛ تلك المرأة التي تحولت في القرن التاسع عشر من قاع المجتمع الصيني إلى قائدة لأكبر أسطول قراصنة في التاريخ، متفوقةً على أعتى البحريات الإمبراطورية. هذه المادة الخام الخصبة كانت محور تجربة الـ VR (الواقع الافتراضي) الطموحة «The Pirate Queen: No Safe Waters» التي عُرضت في مهرجان كان هذا العام.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد نزع نظارة الواقع الافتراضي: هل نجح العمل في تقديم سينما حقيقية، أم غرق في بحر الاستعراض التقني؟
لا يمكن إنكار الجهد المبذول في بناء العالم البصري والصوتي للعمل، والذي استغرق تطويره خمس سنوات بالتعاون مع مؤرخين ومستشارين ثقافيين. بمجرد دخولك إلى التجربة، تجد نفسك داخل مقصورة السفينة، محاطاً بصوت تلاطم الأمواج الشرسة، و«أسطول الراية الحمراء».
الأداء الصوتي للنجمة لوسي ليو (Lucy Liu) كان بمثابة مرساة العمل؛ حيث منحت الشخصية صوتاً يجمع بين الانكسار الإنساني بعد فقدان زوجها، والصلابة الاستراتيجية اللازمة لمواجهة قادة القراصنة المنافسين. الموسيقى التصويرية لإدوارد لون عززت هذه الأجواء بمزيج من الآلات الشرقية التقليدية والإيقاعات الملحمية الغربية.
تكمن الأزمة الحقيقية للفيلم في المعادلة الدرامية. حين تصنع عملاً غامراً مدته تصل إلى تفاصيل تفاعلية ممتدة، فإنك تراهن على أن يعيش المتفرج الصراع الإنساني للشخصية. لكن النص الذي كتبته مايا بودنستاين جاء أحياناً تعليمياً أكثر من اللازم، ومفرطاً في الشرح والتوجيه.
في بعض اللحظات، يتحول المشاهد من مشارك في صناعة القرار التاريخي مع الملكة، إلى مجرد متفرج يؤدي مهاماً حركية بسيطة (مثل إشعال البخور أو توجيه الدفة) لتمرير الأحداث، مما كسر الإيهام السينمائي، وأشعر بعض الحضور في «كان» بأنهم أمام متحف رقمي متطور أو لعبة فيديو تفاعلية، وليس فيلماً سينمائياً يبحث عن لغة بصرية ثورية.
كذلك، طريقة عرض خيالات وظلال البطلة على جدران وأبواب صالات العرض لم تكن مهيأة تماماً، مما جعل التجربة تفقد جزءاً من سحرها الغامر، وتتحول إلى مجرد رسوم متحركة متوسطة الجودة على مساحات غير مناسبة.
فيلم «The Pirate Queen, No Safe Waters» هو صرخة شجاعة في وجه السينما التقليدية، ومحاولة جادة من «ميتا» و«استوديوهات سينجر» لتقديم قصة نسائية تاريخية منسية بلسان آسيوي حاد.
العمل يستحق المشاهدة لطموحه البصري والتاريخي، ولكنه يظل بحاجة إلى بوصلة درامية أقوى؛ فالتقنية - مهما بلغت من بهرجة - لا يمكنها أن تدير دفة العمل بمفردها إذا غاب النص السينمائي المتماسك الذي يلمس الروح قبل الحواس. إنه فيلم ممتع للتجربة، لكنه لم يصل بعد إلى مرتبة التحفة الفنية التي تغير قواعد اللعبة في «كان».