لكن في المحصلة أحبَّ الروس الرواية والقصة كما أحبوا رواية «أخناتون العائش في الحقيقة»، رغم أن عامل مهم في رواية «العائش في الحقيقة» هي طريقة السرد المميزة، أما رواية خوفو فسردها تقليدي تقريبًا.. فبِمَ تميزت؟
من المراجعات من السهل معرفة أن الرواية حيوية ومليئة بالأماكن، عكس «رادوبيس» التي تدور بين القصور وتركز على قصة الحب فقط، وطبقًا للسرد فهي قادرة على إظهار الأماكن أكثر من «العائش في الحقيقة»؛ لأن السرد يجري على لسان الشخصيات..
هذه المرة نتنقل مع البطل ابن رع من مكان إلى آخر، من المعبد إلى الصحراء إلى الهرم إلى بيت المشرف إلى الكلية الحربية.. فأسلوب السرد في كل رواية لديه القدرة على التحكم في التفاصيل التي تظهر للقارئ، ولحسن حظ الروس المغرمين بتفاصيل البيئات القديمة؛ فالقصة هنا تتناول فرعونًا مشهورًا وخلفية بناء الهرم الأكبر وحياة جندي عادي والخدم والمساعدين أيضًا..
من تعليقات القراء
«هناك لحظات مثيرة وخطوط فلسفية من وجهة نظر العالم والتاريخ، إنها حاضرة وتثري الرواية. بشكل عام الكتاب رائع للغاية ويغمرك في مصر القديمة. أسلوب المؤلف خفيف: ماء النيل، الحرارة ورمال الصحراء، والعمل الدؤوب على بناء أهم الأهرامات».
وهناك أيضًا تعليق جذب انتباهي
«لأكون صادقًا لم أستطع أن أبتعد عن الكتاب لأعود إلى العالم الحقيقي. وُصِفت حياة المصريين في تلك الفترة بشكل مثير للاهتمام ومعقول. نعم، قد يبدو الأمر قاسيًا للغاية؛ الشخصيات في الكتاب تموت مثل الذباب. لكن هذا حقيقي؛ إذًا لم يكن الموت شيئًا غير عادي كما هو الحال الآن. لم يكن هناك دواء جيد، وظروف عمل ملائمة، والعديد من الحقوق المدنية... لا يمكن لأي شخص الاعتماد إلا على صحته».
هذه الجملة توضح أن هناك أكثر من الوصف العادي للبيئة، لطالما آمنت أن الروايات التاريخية ليست الملابس والبيوت فقط، بل كيف يفكر الناس، وما هو شكل العلاقات فيما بينهم.. فهذا واحد من العوامل الزمنية مثلًا..
أعطى نجيب محفوظ تفاصيل عن بناء الأهرامات ولكن من عدة جوانب، فوصف نحت الحجر ونقل الحجارة وشق النيل، وهو ما يمكن معرفته من أي كتاب تاريخ، لكن هناك العوامل المحيطة بالعمال أنفسهم؛ في الرواية يصف محفوظ الظروف البائسة التي يعيش فيها هؤلاء العمال، بداية من تغيبهم عن بيوتهم شهورًا طويلة إلى بناء مستعمرة لأهل العمال المتوفين، مما يعبر في حد ذاته عن كثرتهم دون ذكر العدد.. وجود تلك الملاحظات الصغيرة في بنية تساعد على رؤية أفضل للقارئ.
اللعب مع الأقدار
أما الشيء الثاني الذي لاحظته هو أن فكرة اللعب مع الأقدار تعجبهم، تقريبًا الجميع يعرفون خاتمة الرواية من الصفحات الأولى بعد نطق النبوءة؛ سوف يموت خوفو ولن يخلفه ابنه، بل ابن الإله رع. وهنا اللعبة..
إنها مثل قصة أسطورية نعرف خطوطها العريضة وليست تفاصيلها، وهذه التفاصيل هي ما تصنع الفارق، وهي ما قد تجعلها رواية جيدة أو قصة ساذجة. وقد كانت وتيرة الرواية السريعة أفضل خيار لعرض تنقلات القدر من مكان إلى آخر.
«إن تأملات فرعون في قيمة الحياة وحتمية الموت مثيرة للاهتمام. بشكل عام تقترح الرواية التفكير في معنى الحياة وتقييم القيم الإنسانية دون فلسفة معقدة وعبارات صعبة، بل كانت مقبولة تمامًا».
كما أن شخصية خوفو في ذاتها تركت انطباعًا جيدًا لدى القراء، ربما بسبب أنها شخصية ملك حقيقية، وأن هرم خوفو واحد من عجائب الدنيا السبع، لكن هناك من أعجبتهم سطوة الملك ومجده، وأيضًا طريقته في التفكير حول الموت والحياة، وحتى تحديه للقدر كان مثيرًا للإعجاب – حتى لو لم ينجح – فاعترافه في النهاية بهزيمته أمام القدر لهو عمل شجاع.
الرواية من رأيي تبث فكرة غير واضحة في طياتها، لكن عقولنا تدركها وتخزنها، هذه الفكرة أننا لن نهزم القدر؛ لأن هذا الفرعون القوي، والذي يحكم دولة كبيرة ويدير الجيوش، وكل دقيقة من حياته مخطط لها بشكل مسبق، لم يستطع أن يمنع ما يجب حدوثه، فهل نقدر نحن؟
وجزء آخر من هذه الفكرة هو ربما أننا لا نحتاج لمحاربة القدر من الأساس؛ فمن قال إن كل ما يبدو سيئًا هو سيئ؟ ربما أنها مجرد أفكارنا تُلاعِبنا. خوفو اشتعل غضبًا عندما سمع النبوءة، وظن أن هناك حربًا ستقوم أو اغتيالًا يُحضَّر أو مأساة كبيرة، ولكن عندما قضى على ما ظنه مصدر التهديد عاش قرير العين، وفي النهاية تحققت النبوءة دون أن تمس به.
إن الأفكار حول قلقنا من المستقبل تتشعب لتصل لكل عقل ما يشاء؛ هناك من تمنى عدم تحقيق النبوءة، وأن يكون هناك مجال للخطأ، خطأ واحد في قصة خوفو قد يغير الحكمة تمامًا، لكن ما أراده نجيب محفوظ واضح.. سنظل نفكر وستعبث بنا الأقدار.
لكن رغم هذا الإعجاب لا يزال هناك بعض التقييمات المنخفضة التي لم تعجبها الرواية، منها هذا التعليق..
«لا أستطيع حتى أن أتخيل خوفو هنا كفرعون عظيم، إله على الأرض، يتم تقديمه كشخص عادي بالنسبة لي. لا توجد تلك العظمة التي عادة ما تكون موجودة في الكتب الأخرى والمؤلفين الآخرين».
السبب هنا واضح؛ فالقارئ متعلق بالكتابات الخرافية عن مغامرات آلهة مصر، وتلك الكتابات كثيرة بالفعل، وقد ذكر القارئ منها بالفعل في مراجعته كتابات بولينا جيدج، وهي كاتبة كندية تتصدر كتبها الأكثر مبيعًا، ولديها عدة روايات عن مصر القديمة، منها ثلاثيتان: الأولى «ثلاثية أسياد الأرض» و«ثلاثية رجال الملك»، وذكر أيضًا كريستيان جاك، وهو عالم آثار فرنسي وكاتب مغرم بشخصية الملك رمسيس الثاني، حتى إنه كتب خماسية عنه وحده..
وبهذا نعود مرة أخرى، حتى مع الرواية الأكثر إعجابًا، إلى نقطة الإثارة والمغامرة التي يتطلع إليها بعض القراء، خصوصًا مع غلاف واعد ونبذة مشوقة، لكن يجدونها رواية أدبية طويلة مليئة بالتفاصيل والأسئلة الفلسفية حول القدر، وهو مفهوم بالطبع؛ فلن تعجب رواية واحدة كل القراء أبدًا.