نُشِر المقال بمجلة الهلال المصرية في أغسطس 1978م/ شعبان 1398هـ ضمن عدد تاريخي جاء تحت عنوان «محمد رؤية جديدة»، أصدره الدكتور حسين مؤنس، رئيس تحرير المجلة، وشارك فيه أكثر من 40 كاتبًا وأديبًا وعالمًا من ألمع كتاب مصر.
كان الرسول الكريم رسولًا؛ لأنه جاء يحمل رسالة، وكانت الرسالة - بالبداهة - موجهة من الخالق سبحانه إلى مخلوقه «الإنسان». ليس في هذا القول دعوى يحتاج صاحبها إلى إقامة البرهان على صدقها، لأن لفظ «الرسول» كافٍ وحده لتوليد النتيجة، التي هي أن الإنسان هو الهدف؛ بمعنى أن تكون الحياة الإنسانية نفسها هي مدار الإيمان، هي محور العبادة، هي مبدأ الأخلاق، هي الدنيا، وهي كذلك الطريق إلى الآخرة.
لكن الحياة الإنسانية التي هي هدف الرسالة، لا وسيلة لإقامتها على قوائمها إلا بالإنسان نفسه، وإذن فالإنسان هو الهدف وهو الوسيلة معًا. إنك تعبد الله حين تعمل على شفاء المريض، وتعبد الله حين تعين المتألم على أن ينزاح عنه الألم، وتعبد الله حين تزيل الجهالة عن جاهل، وتعبد الله حين تكشف للإنسان عن جوهر عقله الصافي بعد أن ترفع عنه حجاب الخرافة والضلال.
لقد استوقف نظري فيما قرأت قولان مختلفان، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة، فيها من الخصوبة والثراء ما يوحي للفكر المتأمل بمعانٍ كثيرة غزيرة. فأما أحد القولين فقد صادفته خلال قراءتي لديوان ابن عربي «ترجمان الأشواق» الذي تولى فيه ابن عربي بنفسه شرح شعره ليبين مراميه في الرموز التي لجأ إلى استخدامها في ذلك الشعر، وقد أورد في غضون هذا الشرح حديثًا للنبي عليه الصلاة والسلام يقول فيه: «ما ابتُلي أحد من الأنبياء بمثل ما ابتُليت»، مشيرًا بذلك - فيما يقول ابن عربي - إلى رجوعه من حالة الرؤية «رؤية الحق» إلى دنيا الناس ليخاطب فيهم من ضل ليهديه سواء السبيل. أي أن رؤية الحق لم تكن هي كل الطريق، وإنما يكملها أن يغير الحياة على هذه الأرض بما يجعلها تعلو إلى الكمال الذي رأى.
وأما القول الثاني فقد وجدته عند محمد إقبال، حينما عاودت قراءة كتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، إذ وجدته يستهل الفصل الخامس من هذا الكتاب بهذه العبارة: «صعد محمد النبي العربي إلى السماوات العُلا، ثم رجع إلى الأرض، قسمًا بربي لو بلغت هذا المقام لما عدت أبدًا». وهي عبارة قالها - كما ينبئنا بذلك محمد إقبال - ولي مسلم عظيم، هو عبد القدوس الجنجوهي. ثم يمضي إقبال بعد ذلك في القول، بأنه من العسير - في ظنه - أن نجد في الأدب الصوفي كله ما يفصح في عبارة واحدة عن مثل هذا الإدراك العميق للفرق النفسي بين نمطين مختلفين من أنماط الوعي: أما أحدهما فهو النمط الذي تتميز به حالة النبوة، وأما الآخر فهو ذلك الذي تتميز به حالة التصوف.
ففي هذه الحالة الثانية «حالة التصوف» نرى المتصوف إذا ما بلغ شهود الحق تمنى ألا يعود إلى دنيا الناس، وحتى إذا هو عاد - كما لا بد له أن يعود - جاءت عودته غير ذات نفع كبير للناس، لأنه سينحصر في ذات نفسه منتشيًا بما قد شهد، ولا عليه بعد ذلك أن تتغير أوضاع الناس من حوله أو لا تتغير.
وأما في حالة النبوة فالأمر على خلاف ذلك، لأن مشاهدة الحق يتلوها رجوع إلى الناس في دنياهم، لا ليقف النبي مما يجري حوله موقفًا سلبيًا غير مكترث، بل ليغامر فيه بما يغيره التغيير الذي يخلصه من أوجه الفساد، ويصعد به نحو مثال الكمال كما ارتسم في إدراكه الواعي لحظة الشهود.
إن إدراك الحق عند الصوفي هو غاية يوقف عندها، وأما عند النبي فهو بمثابة يقظة تصحو بها كوامن نفسه، حتى لتتحول تلك الكوامن بين جوانحه إلى قوى تهز أركان العالم ليستفيق من سباته، فيبدل بالقيم البالية قيمًا جديدة. فكأنما عودة النبي من حالة الشهود إلى حالة الفعل، هي بمثابة مقياس يقيس شيئين في وقت واحد: يقيس مدى ما تنطوي عليه المثل العليا التي شوهدت في حالة الرؤية الروحية من قدرة على التطبيق والإصلاح، ثم يقيس مدى ما تستطيعه الإرادة القوية والعزيمة الماضية من مواجهة الصعاب حتى تزيل حياة فسدت ليقيم مكانها حياة جديدة منشودة.
بهذا المعنى أحب أن أفهم رسالة الرسول، فليس الأمر فيها كلامًا جميلًا يقال، ولا هو هداية إلى غير تطبيق، إنما هي رسالة ترسم للحياة الفعلية الحقيقية المجسدة طريقها. وماذا يكون طريق الحياة القويمة إذا لم يكن هو نفسه طريق العمل على رفعة الإنسان؟ إن العبادة التي يترفع فيها العابد عن خدمة الناس، أو التي ينعزل بها وحده بين جدران داره أو معبده، لهي أقرب إلى محفوظات المتاحف منها إلى نبضات الحياة. وأمامك الأحاديث النبوية الشريفة، فاقرأ منها ما شئت أو اسمع منها ما يُروى بوعي يقظان، تجدها مبادئ علاقات الإنسان بالإنسان كيف ينبغي لها أن تكون.
وإذا أردت فاقرأ تاريخ الإسلام في قوته، تجده تاريخًا «لأعمال» اضطلع بها أصحابها ليقيموا بها قواعد حضارة جديدة على وجه الأرض. فإذا كان الإسلام قد صعد كما صعد، فبأعمال العاملين في سبيل الإنسان، وإذا كان قد هبط، فلأن معنى الإيمان به قد انحسر عن صخب الحياة، ليقنع بالتعاويذ والتمتمات بين الشفاه.