فن

«خروج آمن»: بين فلسفة حسن الأسمر ولعنة سيزيف

فلسفة الضحك رغم الأحزان، أو الضحك على الأحزان، هي ما جعل الكوميديا الإنجاز المصري الأهم عربيًا. «خروج آمن» فيلم مصري كوميدي حظي بعرض عالمي ناجح في برلين.

future بوستر فيلم «خروج آمن»

في 30 ديسمبر 2014 تم خطف 7 عمال مصريين مسيحيين في مدينة سرت الليبية أثناء محاولتهم للعودة، قبل ليلة رأس السنة، إلى عائلاتهم، وفي 3 يناير 2015 تم اختطاف 14 آخرين من مساكنهم في مدينة سرت أيضًا. أعلن تنظيم داعش مسئوليته عن الاختطاف، وتظاهر أهالي المختطفين في مصر لحث الدولة على محاولة استعادتهم، وفي 15 فبراير 2015 نشر التنظيم الإرهابي فيديو مصور لعملية قتل الـ21 عاملًا مصريًا.

في «خروج آمن»، الفيلم المصري الوحيد في برليناله 2026، لا يستعيد محمد حامد تفاصيل الواقعة، لكنه يضع وجهًا واسمًا على أحد ضحاياها، تتحول الحكاية من مجرد رقم إلى صور، ذكريات، وصدمة يرثها الابن عن الأب الذي تعرض للذبح أمامه.

كيف يمكن صنع فيلم عن حادثة قتل على الهوية، دون أن يتحول الفيلم إلى مقال رأي؟ كيف تتحول السياسة إلى تفاصيل بسيطة داخل الحياة اليومية للبشر العاديين؟ والأهم، هل يوجد حقًا إمكانية لخروج آمن؟

المصيدة الآمنة

في «خروج آمن» نتتبع حكاية سمعان، شاب مصري مسيحي، عاش لحظة الاختطاف رفقة والده في ليبيا، ثم تركه الإرهابيون بعد لحظة الذبح. يروي سمعان أن هذا حدث عن قصد، أسوة بتقليد حربي قديم، بترك مجموعة من الناجين ليروا الفظائع التي عاشوها، ولبث الرعب في نفوس من سيستمعون لهم عند العودة. يعمل سمعان كحارس عقار في وسط مدينة القاهرة، والعقار يسكنه إرهابي آخر، يبدو من سمته أنه ربما منتمي لنفس التنظيم الذي قتل الأب.

يبدأ الفيلم بتتابع سريع لظهور عربات شرطة أمام العقار، سمعان يضغط على زر يطلق صوت إنذار في شقة بها شاب ووالدته، يجري الشاب ليثبت كشافًا على رأسه، يودع والدته، ثم يتسلق سلالم العقار الخلفية حتى يصل للسطح، في نفس لحظات صعود قوات الشرطة على السلالم الأمامية، يصل الشاب لسطح العقار ويختبئ داخل خزان ماء فارغ. تبحث الشرطة داخل الشقة، تستجوب الأم، تبحث في المبنى وعلى السطح، ولا يجدون الشاب الذي يجلس في أسفل الخزان، يرتدي حزامًا ناسفًا، لأنه ربما يفضل الموت على الأسر.

هذا التتابع السريع بكل ما فيه من حركة وتشويق، يبدو وكأنه يعد بفيلم أكشن أو ثريلر، لكن الفيلم ينتقل عقب ذلك إلى سينما محمد حماد ذات الإيقاع الهادئ.

الشاب المختبئ داخل الخزان هو عبد الله، لا يظهر في البداية إذا ما كان مظلومًا كما تكرر والدته، أو إرهابيًا كما تصرح الشرطة، لكن العلاقة بينه وبين سمعان تبدو وكأنها اتفاق على تواجد الطرفين في مصيدة آمنة.

من جانب تدفع أم عبد الله وابنها أموالًا لسمعان لتحذيرهم في كل مرة تأتي فيها الشرطة، يهرب هكذا عبد الله كل مرة داخل مصيدة آمنة، هي الخزان. على جانب آخر، فسمعان راضٍ بتواجده في مصيدة التعامل مع أحد المنتمين للجماعة التي قتلت والده، لأن ذلك يوفر له الأمان ماليًا واجتماعيًا، وربما يحميه أيضًا من بطش الإرهابيين، فالخوف أحد السمات التي يخبرنا أنه أضافها لمتطلبات وظيفته.

سمعان ليس مسيحيًا بمعنى ديني، أو «نصراني» كما يحلو لعبد الله وتنظيمه أن ينادوه، يبدو في الحقيقة غير متدين على الإطلاق، لكنه يبقى مسيحيًا بمعنى هوياتي، وهذه أيضًا مصيدة.

رجل وامرأة وسياسة أكواب الشاي

تحكي عبلة الرويني، زوجة الشاعر الراحل أمل دنقل، أنها طلبت منه في مرة أن يتوقف عن الحديث عن السياسة حينما يقابلها، فرد عليها أن السياسة تحضر في كل شيء، حتى في ثمن كوب الشاي الذي يريد أن يدعوها إليه.

هكذا تحضر صورة سياسية لمصر حينما تصل فاطمة إلى العقار الذي يحرسه سمعان، لا يبذل حماد مجهودًا كبيرًا لتحويل الحكاية لتعليق سياسي مباشر، لكن السياسة تحضر في خلفية حكاية فاطمة بشكل مكتمل، المرأة التي لا تملك بطاقة شخصية، ولا تحمل قدرًا كافيًا من المال لإجراء فحوصات طبية لمعرفة سبب تكرر نوبات الصرع التي تعاني منها. تعمل فاطمة كفتاة ليل، المهنة التي توفر لها بعض المال، وفي بعض الأحيان سقفًا يأويها.

فاطمة مسلمة، بشكل أكثر من مجرد هوياتي، لكنه إيمان مصري في نسخته الشعبية، فهي تؤمن بحق أن الدعاء قد يشفيها، والتبرك ربما يحجب عنها الأخبار السيئة، وحينما تجد صورة العذراء في غرفة على السطح، تحدثها وتخبرها بأنها تتمنى لو أنها كانت أمها. حديث فتاة الليل مع العذراء يمكن أن يحمل تأويلات عديدة، لكنه يحضر هنا بشكل طوباوي وبسيط يقرب فاطمة خطوة أخرى لقلوبنا.

يعتمد محمد حماد على فريق تمثيلي طازج بالكامل، لا يوجد فيه أحد من الأسماء الكبيرة في الدراما والسينما المصرية، هذا الفريق يقدم هنا في مجمله أداءً أكثر من جيد، خصوصًا بطل الحكاية مروان وليد، الذي يعتمد بطبيعة شخصية سمعان على إجابات مقتضبة والكثير من الصمت. أما الأداء التمثيلي الأكثر تميزًا فيأتي عبر نهى فؤاد في دور فاطمة، والتي يصعب تصديق أنها تؤدي دور بطولتها الأول، تقدم نهى شخصية فاطمة بتجسيد متميز على مستوى لغة الجسد وحركات الوجه، طريقة الكلام ونظرات العيون، تمزج بين طيبة شديدة على جانب، وشيطنة وذكاء فطري وخفة دم على جانب آخر.

حينما يشرب سمعان الشاي مع فاطمة، يخبرها أنه يضع ملعقة سكر واحدة، فترد بأنها تضع ست ملاعق سكر. هذا ملمح يعرفه المصريون جيدًا، وهو مؤشر عن الطبقة الاجتماعية، التي كلما اقتربت من الفقر ازداد استهلاكها للسكر، ليصبح الشاي معها وجبة وليس مشروبًا.

يتحدث سمعان كثيرًا، يستعيد ما عاشه من مأساة وهو يكتب كتابًا يخبر فاطمة عنه، فترد عليه بكلمات أغنية حسن الأسمر الشهيرة «كتاب حياتي يا عين، ما شفت زيه كتاب، الفرح فيه سطرين، والباقي كله عذاب».

فلسفة حسن الأسمر ولعنة سيزيف

يستخدم محمد حماد أغاني الراحل حسن الأسمر بذكاء شديد، فأغانيه تحمل ملمحًا مصريًا شديد الفرادة، وهو الرقص على الأحزان، تفيض أغاني الأسمر بالحيرة والعذاب، لكنها كلها تحمل تنويعات موسيقية راقصة. هكذا تحيا فاطمة، تخبر سمعان بأنه لو كان يكتب كتابًا واحدًا، فحياتها تستحق ثمانية كتب، ثم تبدأ في غناء «كتاب حياتي يا عين» وترقص عليها.

فلسفة الضحك رغم الأحزان، أو الضحك على الأحزان، هي ما يمنح المصريين القدرة على الاستمرار، وهو ما جعل الكوميديا هي الإنجاز المصري الأهم عربيًا، لذلك وبحضور هذه التفصيلة الكوميدية الداكنة هنا، يقترب حماد خطوة مهمة للسينما المصرية وجمهورها، ليمزج بين ذلك وبين جمالياته الفيلمية على مستوى الصورة، والتي تبدو أوروبية بشكل كبير.

على جانب آخر تبدو حياة سمعان كلعنة سيزيفية مستمرة، يستمر في حمل الصدمة التي عاشها كصخرة ثقيلة لا يمكنه التخلي عنها، وفي اللحظة التي يفكر فيها في تبني فلسفة حسن الأسمر التي تؤمن بها فاطمة، يجد نفسه في صدفة مأساوية تدفع الفيلم لتتابع النهاية، تتابع يعيدنا مرة أخرى لبداية الفيلم، لكن مع تغيير بسيط، وكما نعلم فتغيير بسيط كرفرفة فراشة، قد يؤدي لحدوث إعصار في النهاية أو كسر لعنة سيزيفية.

«خروج آمن» فيلم مصري يرتكز على حبكة تحقق بشكل كبير معادلة الإمتاع والتأمل، يرتكز على أداءات تمثيلية مميزة، ويحسن توظيف بيئته وثقافته الشعبية لسرد حكاية سينمائية يمكنها لمس أرواح كل من يؤمن بحق البشر العاديين في الحياة والأمان. فيلم حظي بعرض عالمي ناجح في برلين، وننتظر أن يسبب حراكًا وجدلًا ونقاشًا وحياة حينما يصل للقاهرة.

top-ads

# سينما مصرية # فن # سينما عالمية

«Rose»: أكثر من مجرد إمرأة تريد أن تكون رجلا
«وقائع زمن الحصار»: أشياء عادية مستحيلة
«Hamnet»: الموت ليس خاتمة المسرحية

فن