مجتمع

خديعةُ الهدوء: عن اغتيال عيون الحقيقة في غزة 2025

بين رؤية أبو الغيط الحقيقة ضوءًا يجب أن ينفذ من ثقوب الألم، وخيطًا يربطه بالحياة، ومطاردة أنس وصالح الضوء بالعدسات، نشهد كيف دفعت الكلمة ضريبتها من حياة قائلها.

future صورة تجمع الصحفيين الفلسطينيين صالح الجعفراوي وأنس الشريف

في وصيته الأخيرة «أنا قادم أيها الضوء»، صاغ الكاتب الراحل محمد أبو الغيط بيانه الأخير عن الكتابة كفعل مقاومة للفناء؛ كان يرى الحقيقة ضوءًا يجب أن ينفذ من ثقوب الألم، وخيطًا يربطه بالحياة. كان الحِبر بالنسبة له محاولة أخيرة لمقاومة الفناء؛ لأنه لم يكن يكتب للحاضر فقط، بل للغد الذي قد لا نراه.

هذه اللحظة، التي تجمع الألم بالأمل، كانت نواة كل مقاومة ممكنة. وبعد سنوات، وتحديدًا في عام 2025، لم يعد هذا الضوء مجرد استعارة أدبية، بل صار واقعًا يتجسد في عدسات لطختها بقع الدم، ويُبث عبر إشارات إرسال متعثرة من أزقة جباليا ومستشفى كمال عدوان وغيرهما من المناطق المنكوبة.

في هذا العام، شهد العالم فصلًا سياسيًا وإنسانيًا فارقًا؛ لم يكن مجرد استمرار للإبادة، بل كان محاولة ممنهجة لطمس عيون الحقيقة، تجلت في استشهاد الصحفيين أنس الشريف وصالح الجعفراوي.

مفارقة السلام القاتل: صالح الجعفراوي واللحظة صفر

ثم تأتي الحكاية الأكثر إيلامًا في 2025 لتكون من نصيب صالح الجعفراوي؛ ذلك الشاب الباسم رغم الرماد. تعرّض صالح لعملية اغتيال معنوي ممنهجة؛ حوربت صورته، واتُّهم بالتزييف عبر حملات شيطنة، وحُوِّلت حياته إلى مادة للشك. لكنه لم يتوانَ عن التصوير، والنشر، وكشف الحقائق. كان صالح يدرك أن عدسته هي خط الدفاع الأول ضد التضليل العالمي، فحوَّل حساباته الشخصية إلى وكالة أنباء بديلة تنبض بالحياة من وسط الموت، وتُجبر المشاهد على مواجهة الحقيقة دون وسيط.

لقد مثَّل صالح نمطًا جديدًا من الصحافة العفوية التي تجاوزت بروتوكولات الوكالات الإخبارية الكبرى؛ ففي زمن الخوارزميات المنحازة عام 2025، استطاع بذكائه الفطري أنسنة القضية، وتحويل المقاطع القصيرة إلى وثائق إدانة لا يمكن حجبها. لم تكن كاميرته تبحث عن الحدث بقدر ما كانت تبحث عن الإنسان داخل الحدث، وهو ما جعل اغتياله ضرورة لآلة الحرب التي سعت لتجريد الضحية من وجهها، وصوتها، وقدرتها على استمالة الضمير العالمي.

ما جرى مع صالح كان محاولة لكسر مفهوم المصداقية البصرية، وتحويل الشك إلى سلاح يوازي الرصاصة. لذا كانت المفارقة السياسية الكبرى التي شهدها عام 2025 هي إعلان وقف إطلاق النار؛ تلك اللحظة التي تنفّس فيها العالم الصعداء، وظنّ فيها الصحفيون أن بإمكانهم أخيرًا خلع ستراتهم الواقية.

لكن، وبعد ساعات قليلة من إعلان الهدنة المزعومة، جاء اغتيال صالح الجعفراوي كقرار سياسي لتصفية الوعي الميداني. هنا تتجلى خديعة السلام؛ فبينما كانت المحافل الدولية تحتفي بحقن الدماء، كان الاحتلال ينفّذ قائمة تصفية لمن أزعجوا روايته. لقد سقط صالح وهو يظن أن الصورة انتصرت، لكن دمه على رصيف الهدنة صار الوثيقة السياسية الأكثر إدانة لزيف الضمانات الدولية.

فلسفة الخروقات: حين يكون الوجع مستمرًا

ما عاشته غزة في 2025، وما وثّقه أنس وصالح بدمائهما، هو أن الأزمة لا تنتهي بقرار سياسي. «وقف إطلاق النار» كان مصطلحًا إعلاميًا براقًا، بينما الواقع ينطق بخروقات تهدف إلى هندسة فراغ معلوماتي لما بعد الحرب. فالاحتلال يدرك أن النكبة الثانية لا تكتمل إلا بفرض الصمت على تداعياتها، ومنع العالم من رؤية حجم الدمار بعد توقف القصف. أنس وصالح كانا يمثلان ذاكرة اليوم التالي، ولذلك كان لا بد من تغييبهما لإجهاض هذه الذاكرة. إن استهدافهما وغيرهما من الصحفيين هو الخَرق الأكبر لكل المواثيق، والدليل على أن الحرب في غزة هي حرب على الوجود، وليست مجرد صراع حدود.

إن استحضار مأساة أنس وصالح في عام 2026 ليس مجرد فعل رثائي، بل هو مساءلة لكل قلم يكتب اليوم عن غزة. لقد علمتنا أحداث 2025 أن الحياد في وقت الإبادة هو انحياز ضمني للقاتل، وأن الصحافة التي لا تملك الشجاعة لتسمية الأشياء بمسمياتها هي صحافة تساهم في تعتيم الضوء والحقيقة.

اليوم، ونحن نرى كيف يحاول التاريخ الرسمي إغلاق ملفات 2025 تحت مسميات التسوية وإعادة الإعمار، ندرك أن المهمة الأصعب هي الإبقاء على تلك الجراح مفتوحة أمام الوعي العالمي، كي لا تتحول دماء الشهود إلى مجرد أرقام في تقارير حقوقية تُركَن على الرفوف.

إنها معركة استعادة الإنسان من ركام السياسة، وهي المعركة التي بدأها أنس وصالح بدمائهما، ونكملها نحن اليوم بالكلمة التي ترفض التراجع أو المهادنة.

عن الحبر الذي صار دينًا في أعناقنا

عندما سقطت عدسة أنس، وتوقف إرسال صالح، لم ينتهِ الأثر؛ فقد خاضا حرب الذاكرة ضد النسيان، تمامًا كما فعل أبو الغيط حين كتب وصيته وهو يصارع العدم. كلاهما — بالحبر وبالدم — كانا يؤمنان أن الكلمة هي الخيط الوحيد الذي يربطنا بالحياة.

في عام 2026، ونحن نقف في معرض الكتاب وبين الحروف والجُمل، نتذكر أن كل صفحة نكتبها، وكل مقال ننشره، هو مدينٌ لتلك العدسات المحطمة في غزة 2025. لم ينقطع الإرسال باستشهاد أنس وصالح ورفاقهما، بل تحولت ذكرى كلٍّ منهما إلى «قناة بث» عابرة للحدود. لقد ظنّ القاتل أنه بكسر المصباح سيحلّ الظلام، ولم يدرك أن الضوء الذي آمن به أبو الغيط، والذي طارده أنس وصالح، يسكن الآن في عيون ملايين البشر الذين رأوا الحقيقة ولن ينسوها أبدًا.

إن مأساة غزة 2025 لم تنتهِ بوقف إطلاق النار، بل بدأت فصلًا جديدًا من حرب الذاكرة؛ وهي الحرب التي انتصر فيها أنس وصالح بدمائهما، وعلينا أن ننتصر فيها نحن بكلماتنا.

top-ads

# منحة محمد أبوالغيط 2026 # حرب غزة # طوفان الأقصى

محمد أبو الغيط، أنا قادم أيها الضوء، دار الشروق، 2022.
نقابة الصحفيين الفلسطينيين، التقرير السنوي حول انتهاكات الاحتلال وحماية الطواقم الإعلامية في قطاع غزة، 2025.
قناة الجزيرة الإخبارية، تغطية ميدانية وتقارير «شمال غزة»، يناير-ديسمبر 2025.
منظمة «مراسلون بلا حدود»، بيانات حول استهداف الصحفيين في مناطق النزاع، عام 2025.
السينما كشهادة في «صوت هند رجب»
هل حقًا توجد حياة بعد سهام؟
من الدعوة للسلام إلى إحراق غزة: كيف تورّط اليسار الإسرائيلي في التطرف؟

مجتمع