هنا تجلت المفارقة الكبرى: أبو الغيط كان يكتب ليقترب من الضوء، بينما كان أنس وصالح يطاردان الضوء بالعدسات وأجهزة البث. لقد اتخذ الخيط بين الوجود والعدم في 2025 شكلًا أكثر قسوة؛ فصار صوتًا متهدجًا يخرج من بين الأنقاض، يقطعه أزيز الطائرات وصمت العالم. وهنا تلاشى الفارق بين الحِبر والدَّم؛ إذ دفعت الكلمة ضريبتها مقدمًا من حياة قائلها.
شمال غزة: حين ذابت المسافة بين المُخبر والخبر
لقد أعاد عام 2025 تعريف «شمال غزة» جغرافيًا وسياسيًا؛ فلم يعد مجرد حيز مكاني، بل صار موقفًا أخلاقيًا عاريًا أمام صمت العالم. وفي قلب هذا الحصار، وقف أنس الشريف كحارس المربع الأخير. لم تكن فرادة أنس في قدرته على النقل فحسب، بل في إنهاء المسافة المهنية الفاصلة بين الشاهد والمأساة؛ فقد كان يمارس صحافة الوجود من داخل الحصار، يجوع مع الجائعين، ويصور جثامين الجميع حتى أهله، وهو يرتدي سترة الصحافة التي صارت في 2025 هدفًا عسكريًا صريحًا.
استهدافه في ذروة الأحداث السياسية لعام 2025 كان إعلانًا صريحًا عن تفكك وهم الحصانة الدولية، ووفق تقارير نقابة الصحفيين الفلسطينيين، كان عام 2025 من أكثر الأعوام دموية بحق الصحفيين في قطاع غزة، حيث تحولت سترات الصحافة من درع قانوني إلى علامة استهداف، في انتهاك فجّ لكل مواثيق حماية المدنيين والإعلاميين.
لقد كان أنس يمثل الرئة المعلوماتية للمحاصرين، وبموته أراد الاحتلال خنق الصوت الأخير قبل الدخول في أي تسويات سياسية. لم يرحل أنس لأنه كان في المكان الخطأ، بل لأنه كان الشاهد الوحيد المتبقي في المكان الصحيح.
ولم يكن استهداف الصحفيين في شمال غزة معزولًا عن سياق دولي أوسع يتعامل مع الحقيقة بوصفها عبئًا سياسيًا؛ ففي عام 2025، لم تكن غزة وحدها ساحة حرب، بل كانت غرفة اختبار لقدرة العالم على تحمّل رؤية الضحية. الصورة القادمة من غزة، وتحديدًا من الشمال، لم تكن تفضح آلة القتل فقط، بل كانت تُربك الخطاب الدولي الذي اعتاد إدارة الصراعات من خلف مكاتب باردة، بعيدًا عن الأجساد والأنقاض.
لقد بات واضحًا أن قتل الصحفي لم يعد فعلًا عشوائيًا، بل صار جزءًا من استراتيجية السيطرة على السردية؛ فالحقيقة حين تُبث حيّة، تُفقد الجريمة قدرتها على التبرير. ومن هنا، تحوَّل الصحفي من شاهد محمي بالقانون الدولي إلى عائق استراتيجي يجب إزالته كي يستقيم المشهد السياسي لاحقًا.
إن ما جرى هناك يضع الصحافة اليوم أمام سؤال وجودي غير مسبوق: هل لا يزال العالم يعترف بحق الناس في أن يُروا؟ أم أن الحق في المعرفة صار امتيازًا يُمنح ويُسحب وفق موازين القوة؟ في هذه البقعة المحاصرة، لم يكن أنس ورفاقه يوثقون الحدث فحسب، بل كانوا يختبرون – بأصواتهم وأجسادهم – آخر حدود المهنة، حين تصبح الحقيقة فعل شجاعة قصوى، لا مجرد نقل إخباري.