فن

حوار مع المخرج المصري محمد حماد: الفيلم فعل سياسي

حوار مع المخرج المصري محمد حماد حول فيلم «خروج آمن»… والذي يذهب إلى ما بعد المأساة، حيث لا السياسة هي الحكاية، بل أثرها في روح الإنسان.

future حوار مع المخرج المصري محمد حماد

وسط أجواء برلين الباردة، الجليد المتراكم في الشوارع، مئات الأفلام، وعشرات الآلاف من الجماهير، حضرت مصر بفيلم وحيد ضمن فعاليات الدورة رقم ٧٦ من مهرجان برلين السينمائي، فيلم «خروج آمن» للمخرج المؤلف المصري محمد حماد، من إنتاج خلود سعد، وبطولة مروان وليد ونهى فؤاد. تدور أحداث الفيلم عن سمعان، شاب مصري قبطي فقد والده في حادث قتل جماعة داعش الإرهابية لمجموعة من العمال المصريين الأقباط في ليبيا خلال عام 2015. يواجه سمعان صدمة متوارثة وخوفًا آنيًا يضعه في مصيدة يومية.

التقيت بالمخرج المصري محمد حماد عقب عرض الفيلم، تحدثنا وسط زحام اللقاءات الصحفية، ثم أكملنا حوارنا عبر الهاتف، عن السينما والسياسة ورؤيته الخاصة للتمثيل وحسن الأسمر.

ما هو إحساسك بعد عرض الفيلم في برلين؟

لم أستوعب بعد، كنت منغمسًا تمامًا في الفيلم، وكنت بعيدًا عما يحدث في العالم. لم أشاهد الفيلم سوى في ليلة العرض الأولى حتى أطمئن على النسخة المعروضة. الوضع غريب الآن بعض الشيء، أنا أستمع الآن أكثر لآراء حول الفيلم من الخارج أكثر من انغماسي فيه.

لقد أنهينا العمل على الفيلم فقط يوم ٨ فبراير، ثم تم عرضه عقب ذلك بخمسة أيام. هذا فيلم طازج تمامًا، لذا فأنا حتى الآن غير مستوعب بعد. أحتاج لبضعة أيام لأهدأ وأدرك بشكل أكبر. العرض الأول أيضًا كان أمرًا مختلفًا بالنسبة لي. أنا شخص هادئ تمامًا، وإيقاعي أكثر هدوءًا من كل هذا الصخب.

هنا أرى الحياة سريعة للغاية: حدث العرض الأول، ثم ردود الفعل، ثم اللقاءات الصحفية التي لم أعتد عليها بصراحة. لذلك ربما بعد بعض الوقت سأفهم أكثر ماذا حدث. لكن ربما ما شعرت به الآن هو أن الناس سعيدة، شعرت أنهم تفاعلوا مع الفيلم، رغم أنه يظل يحمل أسلوبي وإيقاعي.

الفيلم مبني على أحداث حقيقية حدثت في فبراير 2015، حينما أعدمت جماعة داعش الإرهابية مجموعة من العمال المصريين الأقباط في ليبيا. نحن الآن في فبراير 2026، مر ١١ عامًا. كيف تصنع فيلمًا عن حدث سياسي ولا يصبح الفيلم تعليقًا سياسيًا؟

هذا تأثير العشر سنوات وأكثر بين الحادثة وصناعة الفيلم. حينما أعدمت داعش المصريين الأقباط في ليبيا صدمتني الحادثة بشدة. ذهبت عقب ذلك للمنيا حينما حدث التأبين الأول، ثم حينما حدث التأبين الثاني بعد عودة الرفات. لماذا لم يصبح فيلمنا تعليقًا سياسيًا؟ لأنه لا يدور عن الحدث، بل يدور عما بعد الحدث، عن المشاعر، وعن تأثير الحدث في التفاصيل الحياتية اليومية. هكذا يمكن تحويل أكبر حدث سياسي تراه في نشرات الأخبار إلى تفاصيل بسيطة للغاية داخل الحياة اليومية لشخص قد مر بهذا الحدث. هكذا نركز على هذا الشخص كإنسان، وليس فقط كصورة لضحية أو ابن ضحية رأيناها في الجرائد.

شخصية البطل هنا هي كولاج من تفاصيل كثيرة حقيقية، لكنه شخصية متخيلة. هكذا تبتعد عن الحدث السياسي، لكن يظل هناك خيط بينه وبين الشخصية، لأن المشاهد لو أراد أن يشاهد الحدث السياسي سيراه في الأخبار أو في فيلم تسجيلي، أو سيقرأ المقالات والإحصائيات التي تم نشرها. لذلك لم نرد أن نظهر حتى مشهد الإعدام داخل الفيلم. نريد للمشاهد أن يظل في الزمن الحاضر. هذه لعبة مهمة على مستوى السرد، لا نعود خلال الفيلم ولا مرة في «فلاش باك». نحن في اللحظة الراهنة، ما حدث قد حدث، أنت لا تملك سيطرة عليه. هكذا يصبح التركيز كله على الشخصية وما تمر به في هذا الأسبوع، وهذا هو السؤال لك كمخرج: هل ستتعامل مع هذه الشخصية كأنها خبر في جريدة، أم ستتعامل معها كإنسان له طموحات وأحلام وانتصارات وانكسارات وشهوات وتفاصيل جيدة وخصال سيئة؟

تعتمد بشكل دائم على فريق تمثيلي غير معروف، تختار ممثلين لا نراهم عادة في السينما والدراما المصرية. هل هذا لاعتبارات إنتاجية أو لرؤية فنية؟ وكيف أدرت الممثلين الرئيسيين، مروان ونهى، في هذا الفيلم ليناسبوا أسلوبك الذي يعتمد عادة على سرد بصري غير منطوق؟

الظروف الإنتاجية في أفلامي دائمًا صعبة، لكني ممتن لذلك لأنه يمنحني الفرصة للعمل مع ممثلين جدد. هذه فرصة لخلق وجوه جديدة، وعملية الخلق هذه هي ربما الأكثر إمتاعًا لي خلال صناعة الفيلم. تشبه لحد ما من يستمتع أثناء طهي طعام معين أكثر من استمتاعه أثناء أكله. أستمتع جدًا بذلك.

أول خطوة هي ألا تركز فقط على فهمهم لأدوارهم، ولكن على فهمهم للفيلم بشكل مكتمل. يجب أن يروه كما أراه في النهاية. أرى أن المخرج لا يجب أن يقلل من تقدير أهمية دور الممثل. أرى أن الممثل يجب أن يكون وكأنه مشارك في تأليف العمل وإخراجه. وحتى لو كان الممثل يمثل للمرة الأولى، حتى لو كانت أول مرة يقف أمام الكاميرا، هناك بالطبع مشاكل تقنية يجب التغلب عليها، كأن يتعلم الممثل ألا ينظر للكاميرا، لكن هذا ليس الأساس.

أنا أيضًا ضد فكرة أن المخرج لا يجب أن يصادق الممثلين. أؤمن على العكس بأن المخرج والممثلين يجب أن يكونوا رفقة صعلكة. أنا والممثل الرئيسي في الفيلم «مروان وليد» كنا تقريبًا مقيمين سويًا. نهى فؤاد -الممثلة الرئيسية- هي صديقة لي منذ سنوات طويلة. كنا نمشي لفترات طويلة في وسط مدينة القاهرة حيث سنصور أحداث الفيلم. زرت أنا ومروان كنائس مختلفة ولمرات كثيرة ليتحضر لشخصية سمعان، الشاب المسيحي، تحدثنا أحيانًا مع رجال الدين هناك. نهى كانت تجلس معي على مقاهي وسط البلد أحيانًا بملابس شخصية فاطمة. هذه عملية ممتعة للغاية، والحقيقة أنها غير مكلفة، مكلفة فقط على مستوى الوقت، فقد قضينا فيها ٩ شهور، بين بروفات ومعايشة ومناقشات، حتى يتشرب كل ممثل الشخصية التي سيؤديها.

لا يجب توجيه الممثل أبدًا بشكل مباشر. مثلًا، لو قمنا بتصوير مشهد لانهيار سمعان، هل يمكن توجيه الممثل فقط بأمره بالانهيار؟! -يضحك مستنكرًا- بالطبع لا. يجب أن يتشرب الممثل الشخصية لنصل لمرحلة لا يتطلب الأمر فيها التوجيه. هكذا يظهر الناس بشكل صادق، بشكل يمكن تصديقه، حتى لو لم يكن الحوار طويلًا.

لكن في الحقيقة قلة الحوار ليست سمة في هذا الفيلم، ففاطمة وعم عربي يتحدثان كثيرًا. هي سمة لشخصية سمعان، الشاب المنطوي جدًا، الذي يعاني من كرب ما بعد الصدمة. لذا رأيت أن تركيبة شخصيته هي لشخص يجيب دائمًا بكلمة أو اثنتين، شخص يكرر عادة حاضر ونعم، مقتصد للغاية وتلغرافي. هكذا كتبت وصفه عندي تلغرافي. لديه ربما كسل وزهد في الحديث، هو عدمي في أحد جوانبه، يقلل من قيمة السعادة. هذا شخص محمل بالكثير، منهك، لذا لا يتحدث، لكنه يتحدث مع نفسه كثيرًا أثناء الكتابة.

حسن الأسمر، كيف دخل عالم الفيلم، ولماذا؟

أنا محب لحسن الأسمر، وأرى أنه ممثل مهم، وأننا خسرنا أنه لم يقم بأدوار كثيرة. لدي هذا الشعور منذ سنوات. قابلته حينما كنت صغيرًا وسألته سؤالًا غريبًا: سألته من أي كلية تخرج؟ فأجاب بأنه خريج فنون جميلة، ثم ضحك.

في الفيلم، فاطمة تحب حسن الأسمر للغاية، وتعتقد أن حياته حزينة كأغانيه، ولديها هذا التصور الشعبي أنه توفي مبكرًا بسبب الأحزان والآلام التي غنى عنها. هكذا تشعر فاطمة بأنها تسمع أغانيه الحزينة التي تعبر عن حياته وحياتها، وهذا النوع من الأغاني ربما هو أكثر شيء بعيد عن سمعان، رغم أنها تعبر عنه أيضًا بشكل ما.

أرى أن أغنية «أنا مين» تحمل سؤالًا وجوديًا، وهذا يظهر كثيرًا في الأغاني الشعبية، التي تحمل أحيانًا معاني فلسفية ربما تليق بسارتر. حسن الأسمر يغني «أنا اللي كلي جروح، ومن الزمن مجروح»، تظهر كثيرًا أيضًا كلمات ذات معانٍ كبيرة مثل «الزمن». رأينا أن كل ذلك يناسب سمعان، الشاب القبطي الكاتب، الذي سمى روايته «من أنا».

هذا هو موضع السخرية، وهو أيضًا موضع التقاء الشخصيتين. حينما يحدث ذلك يضحكان سويًا. لا يفهم كل منهما الآخر، لكن كلاهما شعر بالآخر. هذا المشهد يظهر الرابط بين شخصيتين لا يجمعهما أي شيء، سوى ربما أنهما لو مرا في أحد الشوارع فلن يلاحظهما أحد.

يحدث المهرجان بعد مرور أكثر من ١٠ سنين على الحادث. الآن يوجد حدث آخر في الواجهة: الإبادة في غزة، مطالبة البعض لصناع السينما بمقاطعة مهرجان برلين لعدم تضامنه بشكل واضح مع أهل فلسطين، في حين أنه يملك موقفًا سياسيًا واضحًا من كل شيء آخر في العالم. كيف رأيت ذلك؟

أتعجب بشدة من الذين يريدون فصل السياسة عن السينما. أي فيلم هو سياسي بطبعه. صانع السينما لا يمكن أن يكون منعزلًا عن بيئته، وعن مجتمعه. أي صانع سينما يقوم بالأساس بفعل سياسي، وخصوصًا خلال السنوات التي نعيشها الآن. هموم الإنسان هي السبب في صناعة السينما. مع الأحداث الكبرى الأخيرة، خصوصًا مع الإبادة في غزة، هناك ضرورة لأن تكون سياسيًا كصانع سينما.

حينما تم دعوتنا لمهرجان برلين لم أفكر سوى في الوصول للجمهور وعرض الفيلم أمامه والحديث معه. حينما وصلت هنا تابعت لهفة الجمهور لمشاهدة الأفلام العربية، وخصوصًا الفيلم الفلسطيني للمخرج عبد الله الخطيب. وفي عروض فيلمي تفاجأت من تواجد جمهور كثيف من الألمان، الذين يناقشوننا بعد الفيلم. نريد أن نصل لهؤلاء الناس، نريد أن نتكلم ونعرض رؤيتنا، لأنهم أيضًا يريدون التواصل معنا ومناقشتنا.

تواجدت هنا أيضًا ضمن ندوة رفقة المخرج السوري الفلسطيني عبد الله الخطيب والمخرجة اللبنانية رانيا رفاعي، وتواجد أيضًا عدد كبير من الجمهور الألماني الذي لمست فيهم اهتمامهم بقضيتنا.

top-ads

# فن # سينما مصرية

الجرأة والتجريب: قراءة في ثلاثة أفلام قصيرة.
معزوفة محفوظ التي لا تبلى: «حديث الصباح والمساء»
هل يكفي ذنب مفرد للهلاك؟

فن