غلاف رواية «جبل سُعدى» الصادرة عن دار نشر فاصلة
«القصة التي تُروى مرة لا تعود سرًا أبدًا».
وهذه قصة الكاميرون التي تتشابك حكايات التاريخ والنضال فيها بكل تعقيداتها، كما رواها ابنها الروائي البارز باتريس نغانانغ في نصّه المميز الصادر عام 2011 بالفرنسية، وعام 2016 بالإنجليزية، ليُترجم عنه حديثًا النسخة العربية (فاصلة للنشر والتوزيع: 2025). وجبةٌ دسمة عن الذكورية والأمومة والحب والعبودية والطغيان والعنصرية الأوروبية على خلفية من الاستعمار، يُقدمها الكاتب عن بلده الإفريقي الذي يضم 238 مجموعة عرقية، وتنازعته تاريخيًا ثلاث قوى كبرى هي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
في رواية المكان بامتياز «جبل سُعدى» عدّة إشارات تحمل بهجة خادعة؛ الغلاف الذي هو أقرب إلى اللوحة الفنية، العنوان الذي يشي بحيّزٍ للسعادة، وبطلة أولى تُدعى (سارة) ليس لها من اسمها نصيب، نكتشف مبكرًا مأساتها في مستهل السرد. أما القصر الذي في الغلاف فهو المنزل الملكي في المنفى على جبل سُعدى، الذي سكنه السلطان إنجويا من البَموم، واحدة من أعراق الكاميرون، وذلك عندما انتقل إلى ياوندي، عاصمة الوصاية الفرنسية في الكاميرون، حيث نفاه الفرنسيون. وأما سارة فهي ابنة الإوند، عرق آخر في البلاد، وقد أُهديت إلى السلطان وهي في التاسعة من العمر كهبة صداقة وأخوة، لتصبح من حريم السلطان، وفيه 681 زوجة سابقة. هناك ثمن للاقتراب من القصر، ولهذا «كانت هناك عائلات تُهدي السلطان أصغر مواليدها أملًا في المكافأة، عندهم البنت محض درجة في درج صعودهم البطيء إلى السلطة، شجرة تنمو لحمايتهم بظلها الكريم».
بين فقدان أمٍ قبلت مصيرها المُرّ في هذا السن المبكر وغيابها إلا في أحلامها، وامرأة أخرى تُدعى (بِرْتَة) ستكون بطلة حياتها وصاحبة التأثير الأعمق في طفولتها بعد أن تتولى أمرها وتُهيئها للسلطان إنجويا، تروي سارة ما حدث وهي في التسعين من العمر، وقد علم الناس «أن لسان إوندية لا يعجزه أن يقطع مثل سياط جند المستعمر». أما لماذا تروي حكايتها فلأن «حياتها في جبل سُعدى لم تكن حياة الطفل العادي»، كما نقرأ ص39، ولكي نعرف شكل الحياة السياسية والاجتماعية للكاميرون في بدايات القرن العشرين. تحكي سارة أيضًا أيام السلطان الأخيرة قبل سقوطه باعتبارها شاهدة على العصر. أما لمن تروي سارة المُسنّة قصتها فلسيدة تحمل نفس الاسم.. لِبِرْتَة أخرى «عادت في النهاية، وهي الآن جاهزة لتسمع.. لتسمع القصة التي لم تُعرها أذنيها كل هذه السنين الماضية. انتظرت سارة عودة هذا اللقاء طول عمرها».
كانت سارة آخر من أعدّتهن برتة للسلطان. وبرتة هي المسؤولة عن إعداد طوائف من الفتيات لأعراسهن الملكية، وترى أن «كل الفتيات كذّابات». لم تُعطِ أذنها لأيٍ منهن طيلة السنوات. حاولت سارة الهرب عدة مرات، لكن برتة دائمًا وقفت لها بالمرصاد. تُرهبها بالسوط الذي تحمله في يدها، لكنها لم تستعمله معها قطّ. وبدلًا من أن تُناديها «ابنتي» و«بنتي»، تناديها «ابني» و«ولدي».
والسر أنها تريد استرجاع أمومتها فيها واستدعاء (نُبوه)، ابنها الذي فقدته وتسعى لإحيائه من جديد. نقرأ ص63: «دخلت سارة –حقيقة– بيت غموض، بيتًا فيه ألف همسة، السكوت فيه دائم رهيب، تملأه الأشباح الخفية. بضربة حظ عجيبة، احتاج السلطان ظلًا، السابق استقال، فضّل أن يحيا منفاه في مساكن المدينة الأفقر». الظل المستقيل هو ابن برتة، لأن ظل السلطان يجب أن يكون رجلًا، ولأن البموم، العرق الذي ينتمي إليه السلطان، يفضلون الذكور عن الإناث. ولكي تدفع بها ظلًا للسلطان، كان عليها أن تدفن أنوثة سارة، فقصّت شعرها إلا خصلة واحدة في أعلى رأسها كالصبيان، ومسحت صدرها بأحجار ساخنة لتؤخر بلوغها، بل لتوقفه تمامًا. نقرأ ص41: «ستدرك سارة أن الندبة الغائرة التي تركها الظلم على رقبة مولاتها كانت سبب قلبها الحجري.. فبرتة رأت من كل شيء».
«الاغتباط العظيم بأن تكون شخصًا غيرك، هذا ما حرر سارة في النهاية من عنائها».
عرف العالم عادة دفن الأنوثة واضطراب الهوية بأشكال مختلفة بين أعراق وعقائد مختلفة؛ من عرب وأدوا البنات من الأصل، وأفارقة وأوروبيين شبّهوا إناثهم بالرجال ليدفعوا بهن إلى عالم الذكور ذي الامتيازات.
في رواية «المُرابطة» المترجمة من البلغارية إلى العربية (صفصافة: 2021) لكاتبتها رينيه كاراباش، تقرر (بكّية) في سن السابعة عشرة العيش كمُرابطة ما تبقى لها من عمر، بمباركة دينية ممثلة في الكنيسة وتصديق المجتمع. تقول في قداس موتها كأنثى وميلادها كذكر: «أُقسم بلوكا دوكاغيني سيد ألب ألبانيا أنني، وحتى آخر لحظة من حياتي، لن أمس رجلًا وسأحافظ على براءة عذريتي، ناكرة حضور المرأة في ذاتي إلى الأبد. أنصاع مطيعة لهذا القسم وأنوي عدم اتباع غيّ غرائزي الفطرية، وأنا اليوم أمام اثني عشر حكيمًا أقبل بالاسم الذكري ماتيا على أن يصبح اسمي الوحيد، ولتقصّ النساء شعري ولتحرق أثوابي رمادًا، ولتصبح ملابس الرجال ظهري وقدمي وبشرتي».
أما التشريع أو «القانون»، كما يتكرر ذكره في الرواية، فهو معلم الثقافة الألبانية الذي وضعه أمير كاثوليكي يُدعى لوكا من عائلة دوكاغيني، وعُمل به لعدة قرون. يتيح القانون فرصة الولوج إلى عالم الرجال لمن لم يُكتب له أن يولد ذكرًا فيحصل على الامتيازات المترتبة. يُعتبر الأمير من الحكام الإقطاعيين الذين حكموا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر.
لم يُتوفَّ ابن برتة طفلًا، بل مات كبيرًا، سقط ضحية لغواية أنكنكرة فأحبها ثم فوجئ بها تتزوج أبيه. كان فنانًا يشتهي الجمال ويشتهي حبيبته، لكنه هلك برغباته. وأرادت أمه أن تعطيه حياة أخرى عبر سارة. حكت لها كل شيء عن ملحمته المدهشة كأنها تنفخ فيها من روحه لتتقمصه. لكن يظل نبوه في نظر أمه طفلًا مدللًا مهما كبر، حتى إنها تكشف له ثديها لكي يرضع.
نبوه وأنكنكرة ثنائي آخر من ثنائيات الرواية، غير سارة وبرتة. تنقسم الرواية إلى أجزاء عبارة عن قصص لثنائيات تتدفق أفقيًا وتقدم نماذج ذكورية ونسائية مختلفة، نتابع قصة كل منها كما في أنكتانة وأنكُتُه، وإنجويا وموسى، وفي كل منها نقرأ عدة فصول. لكن تظل سارة وبرتة هما البؤرة السردية لهذا العمل الأدبي.
في الجزئين الأخيرين تبرز أنكتانة، ابنة السلطان، التي تحترف الإغواء كذلك. مشغولة بالموضة الغربية حتى إن الرائي يحسبها تتزين لإغواء أجمال رجال العالم. أما إنجويا فسلطان على بني جلدته فقط، أما أمام المستعمر فمثلما كتب في مذكراته: «أنا كالنساء، والبيض مثل الرجال؛ وهل يسعني إلا أن أطيع؟». أراد قتل الملازم برستات الذي تحركت نفسه للفئات الدنيا، ونوى أن يدخل الديمقراطية في السلطنة وأن يخلي سبيل العبيد والنساء في فمبان.
لإنجويا الفضل في تعلم سارة الكتابة برموز صورية هي خط اللوي، أول نظام كتابة اخترعه السلطان في أواخر القرن التاسع عشر قبل أن يسيطر البيض على أرضه. يزين هذا الخط أسماء الأجزاء المعتمدة على الثنائيات جنبًا إلى جنب مع اللغة التي كُتب بها النص، في إشارة إلى تمسك الكاتب بأنظمة الكتابة قبل الاستعمار. يظهر الخط كذلك في بعض الصفحات بما يُضفي جمالًا خاصًا. نقرأ ص54: «لم يكن ليخطر له أن سارة بنت السنوات التسع، تلك التي وُهبت له من صديق، هي التي ستخط له الطريق في متاهة الخلاص الاستعمارية».
أما عائلة سارة فكان خلاصها بالموت الذي التهم أخواتها في معسكرات النازيين لأنهم من السود. حلم أبوها أيضًا بحياة أفضل في برلين أُجهض بنجاح نتيجة العنصرية ضدهم هناك.
ألقت التعقيدات التاريخية والاجتماعية للكاميرون بظلالها الثقيلة على النسيج الروائي، فجعلته تحديًا للقارئ؛ من حجمه الذي يقارب ستمائة صفحة، إلى تقنيته القائمة على ذاكرة امرأة شارفت قرنًا من العمر، بما تحمله من فجوات وتكرار وتشظّي للأحداث. تقول (ص 176): «جسدي دار محفوظات… يذكر قصصًا لا أعلمها». يضاف إلى ذلك كثرة الأسماء غير المألوفة، والتنقل الزمني بين وقائع تاريخية وخيال سردي لا يعرف القارئ العربي عنهما الكثير، رغم التمهيد المعلوماتي في الصفحات الأولى. صنع الكاتب روايته التاريخية بشخصيات متخيلة، وغزل سردًا خياليًا فوق أحداث حقيقية.
ربما كانت الترجمة العربية للدكتور مؤمن خالد بحاجة إلى مزيد من التحرير الأدبي، ومع ذلك تظل الرواية إضافة قيّمة إلى المكتبة العربية، قدّمها الناشر ضمن سلسلة الأدب المترجم، مختارًا هذه المرة واحدًا من أهم أصوات الأدب الإفريقي المعاصر المكتوب بالفرنسية: باتريس نغانانغ، أستاذ الأدب المقارن بجامعة ستوني بروك في نيويورك، الذي تتميز كتاباته بجرأة سياسية، والمعروف بمواقفه المعارضة التي اعتُقل بسببها عام 2017.