معرفة

تحت راية القرآن: خالد فهمي ورسالة البيان

ليس كل العلماء يورِّثون معرفة، بعضهم يورِّثون رؤية. وكان الدكتور خالد فهمي من الذين أعادوا وصل اللغة بالوحي، والعلم بالرسالة.

future الدكتور خالد فهمي خلال إحدى الندوات العلمية.

حين وقف مصطفى صادق الرافعي في وجه السيل الجارف الذي أراد أن يقتلع الأمة من روحها، لم يسمِّ كتابه الأشهر في تلك المعركة: «دفاعًا عن اللغة»، ولا «معركة الأدب»، بل سماه: «تحت راية القرآن»؛ لأنه أدرك أن القضية لم تكن قضية ألفاظٍ تُبدَّل، ولا أساليب تُهجَر، بل قضية قلب أمةٍ يُراد انتزاعه من صدرها.

لقد فهم الرافعي أن الذين يحاربون العربية لا يحاربون حروفًا وأصواتًا، وإنما يحاربون القرآن الكامن فيها، والتاريخ الساكن بين جنباتها، والروح التي صنعت من هذه الأمة يومًا أستاذةً للدنيا وقائدةً للإنسانية.

ومن أجل ذلك، كان علماؤنا الكبار إذا خدموا العربية لم يخدموها خدمة الموظف لصناعته، بل خدمة المؤمن لعقيدته، والجندي لثغره، والعاشق لمعشوقه. فما كان الخليل بن أحمد الفراهيدي يجمع اللغة من أفواه العرب في الفيافي والقفار، إلا وكأنما يجمع لآلئ أمةٍ خشي عليها الضياع، ولا كان سيبويه يقيم للعربية ذلك البناء الشامخ، إلا ليحفظ للقرآن لسانه الذي نزل به، ويبقي للأمة ميزان بيانها الذي لا يختل.

حصون الوحي

ثم جاء الجاحظ فحوَّل البيان إلى حياةٍ نابضة، وربط اللغة بالعقل والحضارة والسياسة والاجتماع، حتى غدت كتبه صورةً للعقل الإسلامي وهو يفيض قوةً وثقةً واتساعًا. وجاء عبد القاهر الجرجاني فوقف بين يدي القرآن موقف المتعبد المفتون بجلاله، يغوص في أسرار نظمه كما يغوص المؤمن في بحرٍ لا يبلغ له قرارًا، حتى صار علم البلاغة بعده حصنًا من حصون الوحي، وسورًا من أسوار الدفاع عن إعجازه.

ولقد علَّم القرآن الأمة أن الكلمة أمانة، وأن الموهبة قد تكون باب هدايةٍ أو سبيل غواية، فقال سبحانه:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ۝ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ۝ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾

فلم يكن الذم للشعر بذاته، وإنما كان لانحراف الكلمة عن رسالتها، وانفصال الموهبة عن الحق. ولذلك بقي في تاريخ الأمة رجالٌ سخَّروا البيان للذبِّ عن الدين، والدفاع عن الحق، وإيقاظ الوعي؛ فكان الرافعي يقاتل بقلمه كما يقاتل المجاهد بسيفه، وكان محمود محمد شاكر يحمل في صدره على التغريب غيرةً تكاد تتقد نارًا؛ إذ يرى أن هزيمة الأمة تبدأ حين تستحي من لغتها، وتفقد ثقتها بروحها.

وفي هذا السلك الكريم ينتظم الدكتور خالد فهمي؛ فما كان رجلًا يعيش في زوايا التخصص الضيقة، ولا أستاذًا جامعيًّا يحصي القواعد ويكرر المعلومات، بل كان صاحب رسالةٍ يشعر، وأنت تسمعه، أن القرآن يسكن قلبه قبل أن يجري على لسانه. كان يرى أن أزمة الأمة ليست جهلًا بالمعلومات، وإنما غيابٌ عن المنبع الذي يصنع الإنسان، ويقيم الحضارة، ويربط الأرض بالسماء.

ولذلك جاء كتابه: «كأن القرآن يتنزل من جديد» عنوانًا لقلبه قبل أن يكون عنوانًا لكتابه؛ إذ كان يريد للناس أن يعودوا إلى القرآن عودة الحي إلى الماء، والغريب إلى وطنه، والتائه إلى النور. لم يكن يتعامل مع الوحي على أنه أثرٌ من آثار التاريخ، بل على أنه حياةٌ متجددة، وخطابٌ خالد، وروحٌ قادرة على أن تبعث الأمة من رقادها الطويل إذا صدقت في الرجوع إليه.

وقد استطاع – رحمه الله – أن يبني من علوم اللغة جسرًا يصل بين القرآن والحياة، وبين العلم والنهضة، وبين التراث والإنسان المعاصر. فما كانت العربية عنده حروفًا جامدة، بل كانت طريقًا إلى فهم الوحي، وفهم الوحي طريقًا إلى فهم الإنسان والتاريخ والحضارة. ولذلك أحبه المثقفون والدعاة وطلاب العلم وعامة الناس؛ لأنهم وجدوا فيه العالم الذي يتكلم بروح المؤمن، لا بجفاف الأكاديمي البارد.

ولعل من أعجب ما يلفت الناظر في سيرته أن الله بارك له في عمره وعمله على نحوٍ يذكِّرنا بسِيَر علمائنا الأوائل، الذين كانت أعمارهم قصيرةً في حساب الزمن، ولكنها طويلةٌ في حساب الأثر؛ لأنهم عاشوا لله، فبارك الله لهم في الساعات والأيام، وفتح لهم أبواب القبول في الأرض. فما أكثر من تطول بهم السنون ثم يمرّون في الحياة خفاف الأثر، كأنهم ما مرّوا بها يومًا، وما أكثر من يرحل مبكرًا وتظل روحه ساريةً في العقول والقلوب بعده بعشرات السنين!

خدمة القرآن والعلم والأمة

وهكذا كان خالد فهمي؛ لم يكن يبدد أيامه في ضجيج الشهرة، بل كان يسكب عمره في خدمة القرآن والعلم والأمة، حتى يخيَّل إليك، وأنت تتأمل آثاره، أن وراء هذا الجهد سرًّا من أسرار العون الرباني الذي لا يمنحه الله إلا لعباده الصادقين.

ولقد تجلّى هذا الصدق الأخّاذ في تفاصيل حياته وأبوّته؛ إذ لم تكن رسالته شعارًا يرفعه في المحافل، بل كانت نبضًا يسري في بيته، فجاءت حياته سعيًا مشهودًا لمجد الدين ورقيه في نفوس الناس، تمامًا كما تملّكته هذه الأمنية وتراءت في وجدانه حين سمّى ولديه: «مجد الدين» و«رقي الدين»؛ ليكون بيته مرآةً لفكره، وامتدادًا لأمله.

ولم يقف هذا الوصل الروحي عند شؤون أسرته، بل امتدَّ إلى خلوة بحثه وكتابته؛ فحين أسَّس مكتبته الخاصة، حرص أن تكون جلسته وراء مكتبه مستقبلة القبلة؛ لكي يكتب وهو مستشعرٌ أنه يقف في مِحرابِ عبادةٍ موصولة بالوحي، تتجه الحروف فيه حيث تتجه القلوب والوجوه، وهو معنىً شريفٌ ظل يُردده ويغرسه في نفوس طلابه عبر محاضراته ودوراته.

وفوق علمه وفكره، كان يحمل أخلاق المعلم المسلم الذي تخرَّج في مدرسة القرآن، واستضاء بسيرة محمد؛ فكان قريبًا من الناس على سعة علمه، هيِّنًا ليِّنًا، لا يرى العلم وسيلةً إلى التعالي، بل بابًا إلى الرحمة والهداية. وكان إذا تحدث إلى الناس شعرت أن الكلمات تخرج من قلبه قبل أن تخرج من فمه، وأنه لا يريد أن يبهر العقول بقدر ما يريد أن يوقظ الأرواح.

رحل الرجل، ولكن الرجال الذين يعيشون تحت راية القرآن لا يغيبون كلَّ الغياب؛ لأن أرواحهم تظل ساريةً في العلم الذي خلّفوه، والوعي الذي صنعوه، والقلوب التي تعلّقت برسالتهم. وإن أمةً تنجب أمثال هؤلاء لا تزال فيها بقيةُ خير، مهما تكاثفت عليها ظلمات الوهن؛ لأن الله لا يترك أرضًا يموت فيها الصادقون دون أن يبعث فيها من يذكِّر الناس بمعانيهم.

رحم الله الدكتور خالد فهمي رحمةً واسعة، وجعل القرآن الذي عاش له شفيعًا له، وجزاه عن العربية والفكر الإسلامي وأجيال طلابه خير الجزاء، وألحقه بركب العلماء العاملين الذين عاشوا للحق، ومضوا تحت راية القرآن.

top-ads

# أثر خالد فهمي

في مديح الوداع الحزين

معرفة