البوستر التشويقي لفيلمَيْ I'm Still Here وThe Secret Agent
تبدو الذاكرة فى السينما غالبًا باعتبارها استرجاعًا للماضى، لكن بعض الأفلام لا تقدم الذاكرة باعتبارها موضوعًا للسرد فقط، بل تجعل السرد نفسه الطريقة التى تتولد بها الذاكرة؛ ومن هنا يمكن قراءة «I'm Still Here» و «The Secret Agent» بوصفهما فيلمين لا يتناولان الذاكرة فحسب، بل يقدمان تصورين مختلفين لوظيفة السرد فى تشكيلها.
ويبدأ فيلم «I'm Still Here» من نقطة تبدو بعيدة تمامًا عن الذاكرة؛ من يوم عادى، وأسرة تمارس تفاصيل حياتها اليومية، وكأن الفيلم يؤجل المأساة عمدًا، ليجعل المشاهد يختبر أولًا ذلك العالم الذى سيُعاد اكتشافه لاحقًا بوصفه ذاكرة.
يفتتح الفيلم بمشهد للأم تسبح فى البحر، بينما تتوقف بين الحين والآخر لتنظر إلى الطائرات التى تعبر السماء؛ وعلى الشاطئ، يلعب الأطفال بحرية، ويعثر أحدهم على كلب ضال يحاول إقناع الأسرة بالاحتفاظ به، فيما يستمر الأب فى تفاصيل يومه المعتادة داخل المنزل؛ لا تحمل هذه المشاهد حدثًا دراميًا كبيرًا، لكنها تؤسس لما هو أهم؛ إذ ترسم إيقاعًا لحياة تبدو مستقرة.
غير أن هذا الاستقرار لا يلبث أن يكشف عن هشاشته؛ فمع تقدم الأحداث، لا يقتحم العنف حياة الأسرة فى صورة مشهد صادم أو انفجار مفاجئ، بل يتسلل إليها تدريجيًا؛ من الطائرات التى تعبر السماء، إلى نقاط التفتيش والرقابة، وصولًا إلى اختفاء الأب، الذى لا يمثل فقدان أحد أفراد الأسرة فحسب، بل اللحظة التى يتبعثر عندها إيقاع الحياة اليومية كله؛ ومنذ تلك اللحظة، لا يعود الفيلم معنيًا بالاختفاء نفسه بقدر ما ينشغل بما يتركه هذا الغياب من أثر داخل الأسرة، وكيف تتحول الحياة نفسها إلى محاولة دائمة لإعادة فهم ما حدث.
أما فى «The Secret Agent»، فلا يبدأ من عالم يفقد توازنه، بل من عالم فقد توازنه بالفعل؛ فلا يقدم مجتمعًا يسوده الاستقرار قبل أن تقطعه المأساة، وإنما يلقى بالمشاهد مباشرة داخل فضاء يبدو فيه التشظى جزءًا من الحياة اليومية؛ ولا يبدو البطل نفسه مندهشًا من هذا العالم، بل يتحرك داخله كما لو كان يعرف قواعده منذ البداية؛ تتجاور الكرنفالات مع الخوف، والاحتفالات مع الموت، حتى يغدو الموت نفسه عنصرًا مألوفًا فى المشهد، لا حدثًا استثنائيًا يوقف العالم، بل تفصيلًا اعتياديًا داخل عالم اعتاد حضوره.

صورة من فيلم «The Secret Agent»
ومن هنا لا يختلف الفيلمان فى ما يرويان فحسب، بل فى الكيفية التى يرويان بها أيضًا؛ فالعالم الذى يفتتح به كل منهما ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو أول قرار سردى يتخذه الفيلم، والطريقة الأولى التى يدعو بها المشاهد إلى تذكر هذا العالم لاحقًا.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقًا بما تتذكره الشخصيات، وإنما بالطريقة التى تجعل التذكر ممكنًا أصلًا؛ وهنا تبدو عبارة الفيلسوف الفرنسى بول ريكور مفتاحًا مناسبًا لقراءة الفيلمين؛ فالزمن، كما يقول، «يصبح زمنًا إنسانيًا بقدر ما يُصاغ فى صورة سرد»؛ ومن ثم لا يعود السرد مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل الشكل الذى يكتسب الزمن من خلاله معناه؛ فالأحداث فى ذاتها لا تكفى لتكوين الذاكرة، وإنما تحتاج إلى بنية تربط بينها وتجعلها قابلة للفهم والمشاركة.
ومن هذا المنظور، يتحمل السرد فى فيلم «I'm Still Here» هذه المهمة كاملة؛ فهو لا يكتفى بتسجيل ما مزقه الغياب، بل يعيد ترتيب الزمن بحيث لا يصبح الاختفاء نهاية للقصة، وإنما بداية لذاكرة قادرة على المقاومة؛ لذلك يبدو بناء الفيلم وكأنه يجمع شظايا الحياة اليومية، لا ليعيدها إلى صورتها الأولى، وإنما ليمنحها شكلًا يستطيع أن يبقى بعد غياب أصحابها؛ فالصورة الأخيرة للعائلة، رغم غياب الأب، لا تستعيد زمنًا ضائعًا، بل تؤكد أن الزمن لا يُهزم ما دام قابلًا لأن يُروى.
ولا يتوقف السرد عند لحظة الفقد، بل يواصل مرافقة الشخصيات عبر السنوات، رافضًا أن يختزل وجوده فى تلك اللحظة وحدها؛ فكل مشهد جديد لا يلغى الغياب، وإنما يعيد وضعه داخل حياة تستمر رغم ثقله؛ وهكذا لا يبقى الاختفاء مركز الحكاية الوحيد، وإنما يتحول إلى جرح يرافق الشخصيات دون أن يمنعها من مواصلة العيش؛ ومن خلال هذا الامتداد، تصبح الذاكرة مقاومة لا لأنها تعيد إنتاج الماضى، بل لأنها تمنع الغياب من احتكار معنى الحاضر.
وعلى النقيض، يرفض فيلم «The Secret Agent» منذ البداية هذا التصور؛ فهو لا يسعى إلى جمع الشظايا داخل قصة متماسكة، لأن العالم الذى يقدمه لم يعد يسمح بمثل هذا التماسك، ولذلك يبنى حكايته على إيقاع هذا العالم؛ فتتنقل بين الشخصيات، وتترك الأحداث تتشعب، وتقبل بالفراغات والالتباسات، لا بوصفها عيوبًا فى البناء، بل بوصفها الشكل الوحيد الصادق لتمثيل واقع فقد مركزه.
وتتخذ طريقة الحكى هنا مسارًا مختلفًا تمامًا، فلا يبدو أن أى شخصية تمتلك القدرة على مواجهة واقعها مواجهة مباشرة؛ فالجميع يتحرك فى حالة من التأجيل المستمر. ولا يمنح الفيلم بطله لحظة استقرار تسمح له بمواجهة العالم، بل يبقيه فى حركة هرب دائمة، بينما يعيش الطفل على وعود أب لن تتحقق، وتتعايش الشخصيات الأخرى مع العنف والسخرية والخوف بوصفها تفاصيل اعتيادية فى الحياة.
ولهذا لا يقف الفيلم خارج هذا العالم ليعيد تنظيمه، بل يختار أن يسكن داخله؛ فينتقل السرد بين الشخصيات، ويترك مساراته مفتوحة، ويرفض منح المشاهد نقطة ارتكاز مستقرة، وكأن بنيته نفسها أصبحت انعكاسًا لعالم لم يعد قادرًا على جمع شتاته.
وإذ يتماهى السرد مع هذا العالم، فإنه لا يكتفى بتشظية الأحداث من خلال تعدد الشخصيات وتداخل الأزمنة، بل يفتحه على مستويات أخرى تمتزج فيها الوقائع بالأساطير والحكايات الشعبية؛ فالرعب الذى تثيره أسطورة الساق المقطوعة، والخوف الذى يصنعه فيلم Jaws فى خيال الطفل، وغيرهما من الحكايات، لا تظهر باعتبارها استراحات خيالية منفصلة عن الواقع، وإنما تصبح جزءًا من الطريقة التى يُعاش بها هذا الواقع نفسه، وهكذا لا يعود المشاهد قادرًا على الفصل الحاسم بين ما وقع فعلًا وما تشكل داخل المخيلة الجمعية، فتتضاعف طبقات الحكى، ويزداد الإحساس بأن العالم لا يمكن القبض عليه من خلال رواية واحدة أو حقيقة واحدة.
وعندئذ، لا يعود السرد شاهدًا يمتلك الحقيقة، بل مساحة تتجاور فيها الحقيقة مع الإشاعة، والذكرى مع الخرافة، والواقع مع الخيال، دون أن يمنح الفيلم أحدها امتيازًا نهائيًا على الآخر.
لا يلتقي والتر ساليس وكليبر ميندونسا فيلهو في عودتهما إلى سنوات الديكتاتورية البرازيلية فحسب، بل في اللحظة التي اختارا فيها العودة إليها أيضًا؛ فقد ظهر الفيلمان متعاقبين على الساحة السينمائية العالمية خلال عامين، وحضرا بقوة في المهرجانات الدولية ووصلا إلى سباق الأوسكار، وكأن السينما البرازيلية وجدت نفسها مدفوعة إلى إعادة النظر في ذلك الماضي مرة أخرى، ولا يبدو هذا التزامن مجرد مصادفة زمنية، بقدر ما يجعل الفيلمين يدخلان في حوار مع الحاضر بقدر ما يحاوران التاريخ نفسه.
رغم اختلافهما في الكيفية التي يبنيان بها الذاكرة، فإنهما يشتركان في قناعة واحدة: أن الماضي لا يغادر لمجرد أن الزمن مضى، بل يحتاج دائمًا إلى صورة يُروى من خلالها؛ فما يُروى يظل حاضرًا بوصفه ذاكرة، وما يُترك خارج السرد لا يختفي، بل يبقى قابلًا لأن يعود في صور جديدة. ومن ثم لا تبدو العودة إلى الديكتاتورية في الفيلمين استعادة لحقبة انتهت، بقدر ما تبدو محاولة لفهم حاضر لا يزال الماضي يعمل في داخله.
تكشف نهاية الفيلمين عن المصير الذى انتهى إليه كل تصور للسرد؛ ففي «I'm Still Here» تمضى الأم سنوات طويلة فى انتزاع اعتراف رسمى باختفاء زوجها، حتى يأتى المشهد الأخير وهى تشاهد هذا الاعتراف بعد عقود من الانتظار، ولا يبدو الانتصار هنا انتصارًا قانونيًا بقدر ما هو انتصار للسرد نفسه؛ فالحكاية التى كادت أن تُمحى تجد أخيرًا مكانًا فى التاريخ، ومن ثم لا تستعيد النهاية ما فُقد، بل تمنع الفقد من أن يبتلعه النسيان.
أما «The Secret Agent» فلا يمنح الذاكرة هذا الاكتمال، فالماضى لا يعود بوصفه قصة أُغلقت، وإنما بوصفه أثرًا يواصل التسلل إلى الحاضر؛ فى ملامح الابن، وفى فضاء السينما، وفى الإحساس بأن ما غاب لم يغادر حقًا. لذلك لا يحاول الفيلم ترميم التشظى، بل يتركه قائمًا حتى النهاية، وكأن الذاكرة لا تُحفظ دائمًا عبر استعادة ما حدث، وإنما عبر استمرار أثره فى كل ما يأتى بعده.
وبينما يمنح «I'm Still Here» الذاكرة شكلًا يقاوم النسيان، يتركها «The Secret Agent» مفتوحة على ما يستعصى على الاكتمال، وهكذا يعود الفيلمان إلى الفكرة التى ينطلق منها بول ريكور: أن السرد ليس مجرد وسيلة لحكى الزمن، بل الشكل الذى يكتسب الزمن من خلاله معناه؛ ولذلك لا تبقى الذاكرة بما حدث وحده، وإنما بالشكل الذى يُروى به.