صورة تعبيرية عن العزلة
1
«ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة»
— ابن عطاء الله السكندري.
بيّض أئمة التصوف وتزكية النفوس صفحات كثيرة في فضل العزلة والخلوة بالنفس لرياضتها ومحاسبتها والتفكر في عيوبها وطرق علاجها وتقويمها وغير ذلك. ومع ذلك فقد طال حديثهم واشتد تأكيدهم على أهمية الصحبة الصالحة المعينة على الخير الدالة عليه، ويكفي أن أهم شرائع الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلوات الخمس، قد شُرعت في جماعة، وكذلك الحج والصوم والزكاة والجهاد كلها يفعلها المسلمون جماعة لا انفرادًا، فالإسلام إذن دين اجتماعي كما قالوا.
ومن هنا حصل تعارض في بعض الأذهان بين الداعيين: داعي العزلة والخلوة، وداعي المخالطة والاجتماع. فأفرد المصنفون والمربون صفحات وأوقاتًا للموازنة بين الأمرين جمعًا أو ترجيحًا، وهذه كلمات موجزة في ذات السياق عامة، ثم في علاقته بشهر رمضان وأنماط وعادات الناس فيه خاصة.
2
«يسعك بيتك، وأمسك عليك لسانك، وابكِ على خطيئتك»
حديث نبوي، وهو جوابه صلى الله عليه وسلم عن سؤال صاحبه عبد الله بن عامر الجهني حين سأله: ما النجاة؟
للعزلة والصمت والبكاء منافع كثيرة وفوائد عظيمة للقلب، ونذكر هنا من فوائد العزلة ست فوائد:
أولًا: التفرغ للعبادة والتفكر في خلق السماوات والأرض والتأمل في أسرار الدنيا والآخرة والاستئناس بمناجاة الله تعالى، ولذلك حين قيل لأحد الحكماء: إلى أي شيء أفضى بكم الزهد والخلوة؟ قال: إلى الأنس بالله.
ثانيًا: السلامة من المعاصي التي تجر إليها المخالطة كالغيبة والنميمة والرياء والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.
ثالثًا: الابتعاد عن أسباب الشقاق والنزاع والفتن والخصومات والتحزبات والعصبيات، وقد ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أمانتهم وكانوا هكذا — وشبك بين أصابعه — قال ابن عمر: فما تأمرني؟ قال: الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر الخاصة ودع عنك أمر العامة.
رابعًا: الخلاص من شر الناس، فإنهم يؤذون مخالطهم إذا عارضهم حاضرًا بالسخرية والانتقاص، وإذا غاب عنهم بالغيبة أو الكذب والبهتان، وقد رُئي سفيان الثوري رحمه الله في رؤيا بعد موته، فاستنصحه رائيه، فنصحه قائلًا: أقلل من معرفة الناس، فإن التخلص منهم شديد، ولا أحسب أني رأيت ما أكره إلا ممن عرفت.
خامسًا: حفظ القلب والعقل من التعلق بما وسع الله به على غيرك من الخلق، فإن من أشد البلاء تعلق القلب بما لم يُكتب له، ولهذا كان التأديب القرآني البليغ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال الله تعالى له:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (131).
سادسًا: حراسة النفس وحمايتها من التطبع بطباع أهل الشر والتفريط، وهم كثير من الناس، وإن شئت قلت هم الأكثر، وأما أهل الخير والصلاح فقليل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (13). فإذا خالط العبد الناس — وحالهم على ما ذكرنا — تطبع بطبعهم وسرت إليه أخلاقهم بقانون السراية الذي جعله الله في المتجاورات من المخلوقات، وقد قالوا: الطبع لص، والصاحب ساحب، والأخلاق سراقة، والمجانسة بالمجالسة.
فهذه يا صاحبي ست فوائد للعزلة، وأضدادها مخاطر ومخاوف مصاحبة للمخالطة لا تكاد تنفك عنها، لكن للمخالطة كذلك من الفوائد ما يجعلها مرغوبة مطلوبة. أم تُرى نبيك صلى الله عليه وسلم أمر بأن يصبر نفسه مع الصالحين عبثًا؟ — تعالى الله وجل —.
3
«الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم»
—حديث شريف.
لا ينقضي عجبي وأنا أتأمل هذه الآية التي أمرت أعظم مخلوق عرفته الدنيا بأن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجه الله، ونهاه ربه — سبحانه — في نفس الآية عن أن يرغب في صحبة غيرهم من أهل زينة الحياة الدنيا.
سبحان الله! إنه توجيه للأمة كلها في شخص نبيها صلى الله عليه وسلم، فإذا كان النبي — وهو حبيب الله ومصطفاه — مأمورًا بصحبة الصالحين، فكيف بغيره ممن هو دونه رتبة ومقامًا، وكل الخلق دونه رتبة ومقامًا؟!
وقد كان الظن أن يوصي ربنا المؤمنين بأن يصبروا أنفسهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهم مأمورون بذلك لا شك، ولكن هذه الآية الشهيرة من سورة الكهف أوصت بالأبعد من الأذهان، فدلت على الأقرب من باب أولى. ولذلك فإن في المخالطة والصحبة من الفوائد ما تُذكر منه سبع، هي:
أولًا: التعلم والتعليم، فإن خير الناس من تعلم العلم وعلمه، ولا يكون التعلم والتعليم إلا بالمخالطة، فمن اعتزل قبل التعلم أثم، ومن امتنع عن تعليم الناس ما يحتاجونه من فرائض دينهم ودنياهم وهو قادر على ذلك أثم أيضًا، ولذلك قال النخعي رحمه الله: تفقه ثم اعتزل.
ثانيًا: النفع والانتفاع، فإن المخالط للناس منتفع بما يوصلونه إليه وما يعينونه على قضائه من حاجات الدين والدنيا، وهو كذلك نافع لهم بماله أو ببدنه، ففي قضاء حوائج المسلمين من الثواب ما لا يعلم قدره إلا الله تعالى، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»، وفي الحديث الآخر: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقال أيضًا في الحديث الآخر الذي يرويه ابن عمر رضي الله عنهما:
«أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد — يعني مسجد المدينة — شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه — ولو شاء أن يمضيه أمضاه — ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة — حتى يثبتها له — أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام».
ثالثًا: التأدب والتأديب، وذلك أن الأخلاق الفاضلة لا تُعرف حقيقتها إلا بمخالطة الناس والصبر على أذاهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». وقد جعل الله تعالى الناس للناس فتنة وجعل امتحانهم ببعضهم، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾، فيستفيد المخالط للناس تأديب نفسه وتصبيرها ورياضتها على الصبر على الأذى ومقابلة الإساءة بالإحسان ودفع السيئة بالتي هي أحسن، ولا يمكنه تحصيل شيء من ذلك إلا بالمخالطة.
رابعًا: الاستئناس والإيناس، والفطرة التي فطر الله الناس عليها تجعلهم مجبولين على الاحتياج إلى الأنس والمؤانسة، ولذلك قال المصريون في أمثالهم: «الجنة من غير ناس ما تنداس»، ذلك أن النفس تستوحش بالوحدة ولو كانت في جنة، وقد استوحش أبونا في الجنة إذ كان وحيدًا، فخلق الله له أنثى تؤنسه.
وفي الاستئناس تنشيط للنفس على العبادة وترويح لها ورفق بها، فإنها إذا كرهت عميت، ولذلك آنس الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعد ما ذاقه من مرارة التكذيب والإيذاء والإعراض في حصار الشعب ثم في رحلة الطائف أن سرى به إلى المسجد الأقصى ليرى الأنبياء مجتمعين فيه فيأنس بصحبتهم، ثم عرج به إلى السماوات العلى ليراهم مرة أخرى كل نبي في رتبته، ويتجاوزهم جميعًا إلى رتبة من القرب لم يبلغها مخلوق، ثم يعود إلى الدنيا مستأنسًا مؤنسًا، واصلًا موصولًا، ويقول له ربه سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾.
خامسًا: تحصيل ثواب الجماعة وإعانة الناس عليه، وقد ورد الشرع آمرًا بجماعات كثيرة، من جنائز، وعيادة مريض، وصلاة عيدين، وجمعة، وصلوات خمس، وكسوف، وخسوف، واستسقاء، وإجابة دعوة لوليمة زواج، والإجابة إليها واجبة، وغير ذلك من شرائع كثيرة في الدين لا يمكن تحصيل ثوابها إلا بالمخالطة والاجتماع، فمن خالط الناس في مثل هذا حصل ثوابه وأعان غيره على تحصيله، إذ الجماعات السابقة كلها يزيد ثوابها بزيادة عدد الناس فيها، ومن اعتزل حرم نفسه وغيره من هذه الفضائل كلها.
سادسًا: التواضع، وهو من أجلّ الأخلاق وأرفعها منزلة، ولا يظهر إلا بمخالطة الناس ومؤاكلتهم والسير بينهم، والعزلة قد يكون باعثها الكبر إذ يرى نفسه أجلّ من أن يعمل ما يعمله الناس، لهذا كان باب مدينة العلم سيدنا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يحمل التمر والملح في يده وثوبه ويقول: لا ينقص الكامل من كماله ما جرّ من نفع إلى عياله. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشتري الشيء فيحمله إلى بيته بنفسه، فيقول له بعض أصحابه: أعطني أحمله. فيقول: صاحب الشيء أولى بحمله.
سابعًا: التجارب، فإن من رأى أحوال الناس وتدبيرهم لشؤون دينهم ودنياهم وما أصابوا به وأفلحوا وما أخفقوا به وخسروا استفاد من ذلك كله الشيء الكثير مما لا يمكن تحصيله والاستفادة به لمن اعتزل الناس ولم يعرف أحوالهم وأخبارهم وتجاربهم.
4
«اجعل لكل عمل وقتًا لا يتعدّاه، ولا تُشرك معه فيه سواه»
— الإمام الغزالي حجة الإسلام.
إذا كان الحال في كلٍّ من العزلة والمخالطة على ما عرفتَ من الفوائد والمنافع، وكان في عدم أيٍّ منهما فوات فوائده وخسارة منافعه، فماذا يفعل العاقل الراغب في تحصيل الخير في الدنيا والآخرة؟!
الجواب في كلمة واحدة عليها مدار الفلاح كله والتوفيق جميعه، إنها النية وإن شئت قلت كلمة أخرى حسب اصطلاح المعاصرين هي: الهدف.
إنها جواب سؤال من أهم الأسئلة قبل كل عمل وأثناءه وبعده، هو سؤال «لماذا»: لماذا أفعل ما أفعل أيا كان؟ ولماذا أترك ما أترك أيا كان؟ لماذا أعتزل؟ ولماذا أخالط؟
وإذا كان هذا سؤال العمر عامة، فإنه في أيام رمضان ولياليه أوجب وآكد، إذ هو موسم سريع الانقضاء جدًا، ساعاته غالية، ولحظاته نفيسة، والملهيات والشواغل فيه كثيرة، وإن شياطين الإنس والجن ليتجهزون له قبله بعام كما كان الصالحون يتجهزون له بقولهم: اللهم بلغنا رمضان، فإن المفسدين يتجهزون بألوان من المشتتات والملهيات والموبقات، فضلًا عما يجهزه التجار من المأكولات والمشروبات والمسليات والمرطبات.
وإذا كان الأمر كذلك فإن السؤال يجب أن يكون حاضرًا في كل يوم، وفي كل ليلة، وفي كل تجمع — وما أكثر تجمعات رمضان — وفي كل عزومة، وفي كل لَمّة، وفي كل عزلة، وفي كل خطوة، وفي كل عبادة سر، وفي كل لحظة تأمل وتفكر، وفي كل اعتكاف، وفي كل قراءة منفردة للقرآن، وفي كل جواب بنعم عن دعوة، وفي كل جواب بلا عن الأخرى.
لماذا؟
فإذا كان في هذه العزلة الآن ما أحتاج إليه وأفتقده من منافع العزلة السابق ذكرها فلتكن العزلة، وإذا كان في إجابة هذه الدعوة والمشاركة في هذا التجمع ما مر ذكره من فوائد المخالطة فليكن التجمع ولتكن المشاركة. والعاقل من تبصّر بحال نفسه، فإذا انحرفت ردّها، وإذا تكاسلت حفزها ونشّطها وزجرها.
في رمضان من فرص الطاعات الجماعية والاجتماعية من التزاور والبر وصلة الأرحام ما لا يكون في غيره، وفيه أيضًا من فرص الخلوة والعزلة والتفكر والتأمل ما لا يتاح في سواه إلا قليلًا، فليكن لك يا صاحبي من منافع الأمرين نصيبًا مفروضًا في كل يوم وليلة، ولتكن المشاركة أو الانسحاب، والخلطة أو الاعتزال، مخططًا لهما لا خبط عشواء وتضييعًا للأوقات في هذه أو تلك بدون هدف أو فائدة.
ولعل في تغليب العزلة في طرفيه الأول والآخر ما يعينك على تحصيل أغلب مقصودك، ولتكن العشر الأواخر خاصة للعزلة التامة إلا عما لا بد منه، وما تيسّر مطلب أنت طالبه بنفعك، ولا تعسّر مطلب أنت طالبه بربك، فاستعن بالله يا صديقي ولا تعجز…
والسلام.