صورة تعبيرية عن ميزان العلم والأثر
لي أستاذ من أحب خلق الله إلى قلبي. كنت إذا هاتفته أو لقيته يبادرني بالسؤال عن أخباري قائلًا: كيف حال حضرة معالي فخامة سعادة جناب سمو سيادتك؟!
يبدو ازدحامًا مضحكًا لبعض ألقاب التوقير والاحترام التي يذخر بها عالمنا العربي المكدس بالسادة أصحاب الفخامة والسمو والسعادة والمعالي والفضيلة: الرؤساء، والملوك، والأمراء، والوزراء، والعلماء، والمشايخ، والقادة، والوجهاء، والزعماء، وهلم جرًّا!
وظاهرة كثرة الألقاب والرتب والمناصب في بلادنا، وما يصحب كلًّا منها من مقتضيات التفخيم والتعظيم والتبجيل، جديرة بتأمل المتأملين ودراسة الدارسين؛ فلعل بعضها من ضرورات الذوق والاحترام واللياقة الاجتماعية، وبعضها الآخر من التكلفات الممجوجة والمبالغات المستهجنة عند العقلاء الذين يؤذي نفوسهم كثرة الأسماء والصفات المادحة حين يرونها تتناسب عكسيًا مع شرف المسمى وقيمته وفائدته للبلاد والعباد.
وقد قيل قديمًا: «إن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى»، واعترض معترض على هذا القول بكثرة أسماء الكلب عند العرب، حتى قال شيخ معرة النعمان أبو العلاء إنها سبعون، وصنف السيوطي في جمعها رسالة سماها: «التبري من معرة المعري».
فليست كثرة أسمائه دالة على شرفه، بل هو والحمار قد ضُربت بهما أسوأ الأمثال في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. بل لعل في كثرة أسمائه إلماحًا إلى خسة رتبته، وإن الناظر في مبالغات أبي الطيب إذ مدح كافورًا ليجد السخرية والإزراء مبثوثين في أعطاف ألفاظ التعظيم والإطراء!
ولله در الأول يوم قال ضجرًا:
مما يزهدني في أرض أندلس … ألقاب معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها … كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد!
هذا هو الحال عندما تقصر الهمم عن صناعة الحقائق الشامخة، فإن النفوس الصغيرة تجد في الأسماء الكبيرة عزاءً لها وسلوانًا، ثم تظن -لحمقها- أن زخرفًا من القول وزورًا يمكن أن يغني عنها ويرفع خسيستها، ثم يصدّق الكذاب كذبه، ويتوهم أن حيلته الألمعية قد انطلت على الناس، فصدقوا الأسماء الموهمة، وحسبوا الورم شحمًا والنحاس ذهبًا!
ما أشبه حال هذا الأحمق المسكين الهر مهاب الركن صاحب الصولة بحال أبي وهب، وما أدراكم من أبو وهب؟
رجل في الجاهلية مترف حاله، كثير ماله، قليل عقله، سمع أن ثابت بن جابر بن سفيان الملقب بتأبط شرًا بلغ به الأمر من شجاعته، ودوي اسمه، وانخلاع قلوب الرجال إذا سمعته، أنه كان يُغير على القافلة وحده؛ فيخرج على القوم منفردًا شاهرًا سيفه صائحًا: أنا تأبط شرًا؛ فيلوذ القوم تاركين إبلهم ومتاعهم، مؤثرين حياتهم على أموالهم، مفضلين الذهاب سالمين على تحريز ذهبهم الثمين؛ فأغرت الأخبار أبا وهب، وغره أن هذا المجد المؤثل والشرف المبجل قابل لأن يُشترى ويُتمول؛ فذهب يساوم تأبط شرًا على اسمه ليبيعه إياه، على أن يبذل أبو وهب نظير مبادلة الأسماء هذه الكثير الكثير من كل غالٍ ونفيس، فما كان من تأبط شرًا إلا أن قبل المبادلة وأخذ المال وانطلق مترنمًا ساخرًا يقول:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها .. تأبط شرًا واكتنيت أبا وهبٍ
فهبه تسمى اسمي وسماني اسمه .. فأين له صبري على معظم الخطب
وأين له بأس كبأسي وسَورَتي .. وأين له في كل فادحة قلبي؟
وكأن الشاعر يوبخ الأحمق المشتري فيقول له: إني قد أخذت اسمك واستبحت به زوجتك، فإنها حليلة أبي وهب وقد صرت أنا أبا وهب، غير أنك يا مسكين لا تحسن أن تصنع شيئًا باسمي؛ إذ ليست الأسماء تصنع الرجال، ولكن الرجال من يصنعون أسماءهم، وإنه «ليس السيف ولكنها اليد التي تحمل السيف» كما قال القائل.
هي إذن صفقة خاسرة إذا ظن ظان أن الاسم يغنيه. ولكن إذا لم يكن الاسم كافيًا، فلماذا هو؟ وما فائدته؟
والجواب: إن الأسماء والألقاب والنسب إنما هي رموز مختصرات دالة على المعاني المرادات؛ فيقال: طبيب، وفقيه، وشرطي، وضابط، ومهندس، ونجار، وحداد، وغير ذلك من ألفاظ دالة على التخصصات المهنية المختلفة. ويقال: فيزيائي، وكيميائي، وجيولوجي، ونحوي، وبلاغي، وفلكي، وغير ذلك من ألفاظ دالة على العلم الأبرز في اشتغال المعرّف به. بل قد يقال ما يشير إلى مذهب خاص في علم ما؛ فيقال: معتزلي، أو أشعري، أو إمامي، أو حنفي، أو مالكي، أو رأسمالي، أو اشتراكي، أو تطوري، أو بنيوي، أو سيميائي، أو غير ذلك من النسبة لأي مذهب في أي علم.
وبهذه الألفاظ القليلة المضافة إلى الأسماء الاعتباطية للأعلام تعرف بعض ما تحتاج إلى معرفته عن الناس، بحيث تعرف لمن تلجأ منهم عند احتياجك لأمر ما، ولا يخلو أحد من الناس عن حاجات له عند آحاد الناس وجماعاتهم، ومن هنا كانت الحاجة إلى الألقاب والنسب المعرفة.
ثم نشأت مع التعقيد وتفاوت المهارات والقدرات حاجة جديدة إلى الأوصاف الكاشفة؛ فكان الصبي والمعلم، والبلية والأسطى، والمريد والشيخ، وغير ذلك الكثير. وانظر مثلًا إلى بلاغة وصف المتدرب على بعض الحرف بأنه «بلية»، أي يشبه في مبناه ومعناه الكرة الزجاجية أو المعدنية الصغيرة -بحجم عقلة الإصبع- التي يسميها العامة «بلية».
فهذه البلية صغيرة الحجم، شبيه بها جسد هذا المتدرب حدث السن صغير الحجم، ثم هو في سرعة حركته وركضه بأمر معلمه يمنةً ويسرةً يقضي الحوائج في خفة، شبيه المعنى بالبلية، فاستعير اسمها له لشبه ما بينهما.
ويقابل البلية (المتدرب) الأسطى (المدرب)، ولفظه محرف عن الأستاذ (أي: المعلم المتقن البارع)، ثم في الإشارة إلى وجوب التدرج عبر هذه الثنائية لضمان الإتقان قبل التصدر قال بعض المصريين: «متحاولش تبقى معلم في شغلانة مكنتش فيها صبي»، أي: لا تحاول ادعاء الأستاذية والرياسة والإتقان في أمر لم تبدأ طريقه من أوله ولم تعرف كيف يكون الترقي المتأني من سفحه إلى قمته.
ثم ظهرت حاجة أخرى لتمييز رتب المتدربين عن بعضها، وكذلك تمييز رتب المدربين المعلمين عن بعضها، فكانت الدرجات العلمية، وكانت الرتب العسكرية؛ فالجندي المستجد في العسكرية يرأسه الجندي الأقدم فيها، وهو المسمى بالرقيب، ثم الجاويش (أو الشاويش)، ثم الضابط المعاون (صف الضابط)، ثم الملازم، فالملازم الأول، فالنقيب، فالرائد، فالمقدم، فالعقيد، فالعميد، فاللواء، فالفريق، فالفريق الأول، فالمشير، ولكل واحد من هؤلاء علامة تميز رتبته يعلقونها على كتفيه.
ومثل هذه الرتب العسكرية وجدت في الدائرة العربية درجات يفترض بها أن تكون دالة على درجة الإتقان ومقدار التأهل؛ فيبدأ الأمر بالحصول على الشهادة الابتدائية، ثم الإعدادية، ثم الثانوية (أو الدبلوم الأولي)، ثم البكالوريوس (أو الليسانس)، ثم الدبلوم العالي (الدراسات العليا)، ثم الماجستير، ثم الدكتوراه، ثم أبحاث ما بعد الدكتوراه.
وإذا كان الطالب متفوقًا في اجتيازه لمرحلة البكالوريوس، فإن أساتذته يختارونه ليتأهل للتدريس من بعدهم، فيكون معيدًا للدروس على صغار الطلبة بين يدي الأساتذة، حتى إذا أتم الماجستير جعلوه مدرسًا مساعدًا، فإذا ما أتم الدكتوراه ضموه إلى هيئة التدريس في كليتهم وجعلوه مدرسًا، ثم يواصل أبحاث ما بعد الدكتوراه لسنوات حتى يترقى فيكون أستاذًا مساعدًا، فأستاذًا، فنصف إله يسير على الأرض متجبرًا متكبرًا يظن أن قد أوتي من العلم ما لم يؤته أحد من العالمين.
وينجي الله من هذا المصير المؤسف والحال البائس من تأدب مع الله بالأدب القرآني البليغ: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا»، وقال تعالى: «وفوق كل ذي علم عليم»، فأورثهم ذلك تواضعًا وحرصًا على مواصلة التعلم وعدم الترفع عن طلبه أبدًا ما بقي في الدنيا نفس، حتى إن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله ورضي عنه- حمل المحبرة والقراطيس يومًا ليكتب الحديث عن أهله، وكان شيخهم وإمامهم والمقدم فيهم، فقيل له: المحبرة؟ وأنت الإمام؟! (كأنها لا تليق إلا بالطلبة المبتدئين، أما أنت فيكتب الناس عنك ولا تكتب عن غيرك)، فقال قولته الجليلة الشهيرة: «مع المحبرة إلى المقبرة».
ولذلك قيل: «لا ينبل الرجل حتى يأخذ عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه»، وقد رأينا هذا الفعل الشريف النبيل من كثير من الأساتذة الكبار في علوم تخصصات كثيرة ومختلفة ومتنوعة.
ولكن هذه الدرجات العلمية أحيانًا ما تفقد معناها، فيجد أهل علم ما أستاذًا جامعيًا في علمهم هذا قد انقطع عن البحث ومواصلة القراءة المتجددة في مجال التخصص وفي غيره، فتقادم علمه، وسقطت بين المتخصصين رتبته، غير أنه يبقى متمسكًا بدلالة الألقاب، مفاخرًا بها، تيّاهًا على غيره، مراهنًا على الجهل العام، فلهذا وأمثاله يكون ما سقناه من كلام في مفتتح المقال عن الهر الذي يحكي انتفاخًا صولة الأسد.
وعلى الناحية الأخرى نجد ربما من لا يحمل هذه الألقاب الفخمة الضخمة، إلا أن بحوثه الرصينة، ومشاركاته العلمية الجادة تلفت إليه أنظار الجماعة العلمية؛ فيقبلون عليه، ويرفعون قدره، ويحرصون ما وسعهم على الانتفاع به وبعلمه، وحسبك بعباس محمود العقاد، ومحمود محمد شاكر، والشعراوي أمثلةً مبينةً عن المراد، وأن العبرة إنما هي بالحقائق وإن خلت عن الأسماء والألقاب، لا بهما إذا لم يكن تحت قبابهما شيء.
«فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».
صدق الله العظيم.