فن

السينما كشهادة في «صوت هند رجب»

في «صوت هند رجب» لا تُنقذ السينما أحدًا، لكنها مقاومة لفقدان الذاكرة وتحدٍّ ضد المحو، فهل نتحمّل ثقل السينما كشهادة؟

future من فيلم «صوت هند رجب»

تحذير: تحتوي المقالة على حرق .. لشعب غزة الشهيد، ولضمائر العالم الصامت، و«للفيلم» .. وهو الأقل أهمية

مقدمة

تغيّر المشهد السينمائي العالمي بصدور فيلم «صوت هند رجب»، وهو وثائقي درامي من إخراج التونسية كوثر بن هنية. يمثل الفيلم تحولًا جذريًا في كل من سينما المقاومة وسينما الإبادة.

على عكس أفلام مآسي الحرب التقليدية المعتمدة على العرض البصري للعنف وإثارة التعاطف، يستخدم الفيلم جمالية صوتية ثورية – تسجيلات صوتية حقيقية للشهيدة الطفلة الفلسطينية هند رجب، البالغة من العمر 6 سنوات، محاصرة تحت نيران صهيونية في غزة.

الفيلم يبني اختبارًا خانقًا من الصدمات تجبر المشاهد على أن يعيش موقف العاجز. يقدم الفيلم انقلابًا معياريًا في عالم السينما؛ فالمشاهد يدخله وهو عليم بنهايته، لكن ما يقدمه صوت الطفلة وانفعالات أبطال العمل هو فرصة للمشاهد لكي يُمنّي نفسه بإنقاذها، وهو باستحالته عليم. مشاهدة هذا المصير المحتوم على الشاشة، بينما تتوسل طفلة من أجل حياتها، يتحول إلى تجربة محسوسة، من المستحيل بشريًا أن تغادر دار العرض كما دخلتها حين تُضطر للاستماع لطفل يتوسل.

لا نقرأ الفيلم هنا بوصفه قطعة فنية ثقافية فقط، بل كوثيقة تاريخية وقانونية لحرب غزة 2023–2025. بفحص التشكيل الهجين للفيلم، إذ يقوم الواقع (الصوت الأرشيفي لهند رجب وابنة خالها ليان حمادة) بتعطيل الخيالي (مكتب الاتصال بالهلال الأحمر المعاد تمثيله)، مما يخلق تأثيرًا واقعيًا يزعزع أمان المشاهد الوجودي ويعصف بكيانه. رفضت بن هنية تصوير القتل بصريًا – مفضلةً جمالية الشاشة السوداء – لتتحدى الاستهلاك الإباحي للموت الفلسطيني، وفي الوقت نفسه لتقديم أدلة صوتية غير قابلة للدحض على جرائم الحرب.

الخلفية الإنتاجية والأحداث

الفيلم حمل مشاركة غير مسبوقة من نخبة هوليوود – براد بيت، وخواكين فينيكس، وجوناثان جليزر، وروني مارا – منتجين تنفيذيين، في إشارة هامة إلى شرخ في السرد الإعلامي الغربي التقليدي حول إسرائيل وفلسطين.

التضامن العابر للحدود في استقبال الفيلم طاف عواصم السينما في العالم، من تصفيق الوقوف المستمر لـ23 دقيقة قياسيًا في مهرجان البندقية السينمائي إلى دوره في القضايا القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية. بالتأكيد يعمل (صوت هند رجب) عمل الأرشيف المضاد للمحو الاستعماري، محافظًا على صوت الضحية الرافضة ترك العالم يتجاهلها. القتل تم بقذائف أمريكية.

استشهدت هند في 29 يناير 2024، وسط العمليات البرية المكثفة في غزة. حاولت عائلة هند الاستجابة لأوامر الإخلاء والفرار من حيهم. واجهوا مدرعات إسرائيلية، مما أدى إلى وفاة البالغين في السيارة على الفور وحبس هند. شكّلت الساعات التالية العمود الفقري للفيلم. تدور أحداث الفيلم بالكامل داخل مقر الهلال الأحمر، ويبرز ساعات مؤلمة حاول فيها الموظفان عمر ورنا الحفاظ على الاتصال الهاتفي مع الطفلة المحاصرة في السيارة، محاطة بجثث أقاربها. بينما كان مديرهما يتفاوض في الوقت نفسه مع مكتب التنسيق العسكري الإسرائيلي (كوجات) لتوفير عبور آمن لسيارة الإسعاف إليهم، في مسافة تقطعها السيارة في 8 دقائق.

الصوت

لفهم أهمية الفيلم، يجب وضعه ضمن إطار السينما الثالثة الفلسطينية. كالأعمال التأسيسية لميشيل خليفي (عرس الجليل 1987) أو إيليا سليمان (يد إلهية 2002)، يقاوم «صوت هند رجب» السرد الاستعماري الذي يجعل الحياة الفلسطينية غير محسوبة أو غير مرئية. ومع ذلك، تبتعد بن هنية عن السريالية أو الواقعية الجديدة الشعرية الموجودة لدى سابقيها. بخلافهم، تتبنى جمالية جنائية؛ فالفيلم لا يروي قصة فحسب؛ بل يقدم أدلة. بدمج تسجيلات مكالمات الطوارئ الفعلية البالغة 70 دقيقة في العمل المكتوب، يهدم الفيلم المسافة بين الحدث التاريخي وإعادة التمثيل السينمائية. يخلق هذا مزيجًا «وثائقيًا–خياليًا» يحاكم الضمير العام. ضربة مضادة للتغطية الإعلامية المنقحة لإخفاء واقع الحرب الإبادية. بينما تنقل أخبار وكالات الأنباء للمواطن الغربي اشتباكات بين طرفين، يجبر الفيلم الجمهور على الاستماع إلى تنفّس طفل مرعوب، طفل بعينه معروف بالاسم والوصف والصوت. هذا التحول من التجريد الجيوسياسي البارد، إلى تجسيد القضية في طفلة حية ماتت، هو التدخل السياسي الأساسي للفيلم.

أكثر تدخلات الفيلم جذرية هي معالجته للصوت. في الدراما الوثائقية التقليدية، يُعاد تسجيل الصوت بواسطة الممثلين أو على الأقل تنظيفه (إزالة الضوضاء) لضمان وضوح سينمائي. لكن بن هنية اتخذت خيارًا مميزًا ونظريًا بعدم تنظيف الصوت الأرشيفي لصوت هند. التشويش، والانخفاض في الصوت، والتشويش الرقمي، وضوضاء الخلفية لإطلاق النار محفوظة في حالتها الخام. حتى أن بعض عبارات هند لا يسمعها متلقو الاتصال في الهلال الأحمر فيسألونها «إيش؟!» لكي تكررها.

هذا الرفض لصقل الصوت يؤدي وظيفتين: جمالية وأخلاقية. من الناحية الجمالية، يخلق هذا نسيجًا من الواقعية القاسية المفتقرة إليها السينما عالية الجودة. وأخلاقيًا، يحتفظ الفيلم بمادية الصدمة. عندما يسمع الجمهور صوت هند، يتذكرون دائمًا أنهم يشهدون قصة ليست من بنات خيال المؤلف. هذا أثر بيولوجي لطفل يحتضر، يسبب هذا تمزقًا في الديجيسيس. لا يقتصر الممثلان الرئيسيان – ساجا كيلاني (رنا) ومعتز ملحيس (عمر) – على التمثيل؛ بل يتفاعلان مع السجل التاريخي الفعلي للحدث. وهي تقنية مبتكرة توقف فيها المخرجة الفيلم عمدًا؛ لتخبرك أنه ليس فيلمًا.

يتوقف الممثلون أنفسهم عن التمثيل ويستمعون معك إلى الأصوات الحقيقية للشخصيات من التسجيلات. رسالة بن هنية أن الواقع أثقل من أن أمثله لك. الواقع ثقيل لدرجة أننا توقفنا عن التمثيل وجلسنا إلى جوارك لنستمع إلى ثقله. من المستحيل أن تتهم أي مشهد بأنه درامي من أجل الدراما. كل شيء يبدو حقيقيًا لأنه كان في الواقع كذلك.

الصورة

يقترح مفهوم رولان بارت لتأثير الواقع أن التفاصيل الزائدة في السرد تشهد على صدقه. بن هنية توسع هذا المفهوم ليشمل استراتيجية اختيار الممثلين. الممثلون المختارون للعب أدوار الموظفين يشبهون بشكل لافت عمر ورنا الحقيقيين جسديًا. يتجاوز التشابه محض الاتفاق الشكلي ليشمل المزاج والعواطف.

لاحظت بن هنية أن معتز ملحيس يشترك في المزاج الانفجاري مع عمر الحقيقي، مما يسمح بأداء يقترب من الحقيقة. يظل التشابه الشكلي محض أداة إخراجية – على الاجتهاد فيها – عاديًا، حتى تقترب نهاية الفيلم. في المشاهد النهائية، ينتقل الفيلم بتقنية ذكية جدًا من الممثلين إلى فيديوهات حقيقية للشخصيات في ذات المشهد وذات الغرفة، مما يطمس الحدود الوجودية بين الشخصية والتجسيد.

هنا فقط يقوم هذا التشابه بزعزعة شكوك المشاهد، لا تسمح بن هنية لك بالراحة حين تقول «إنه مجرد فيلم». الحضور المادي والثقيل للممثلين الحقيقيين يعمل كدليل على الرعب.

الجو الخانق لغرفة الإرسال المضاءة بتوهج بارد للشاشات والخرائط يعمل كصورة مصغرة للحالة الفلسطينية: محاصرون في غرفة انتظار، يطرقون أبواب الخزان، يعتمدون على إذن قوة احتلال، يستمعون إلى صوت الموت الثقيل يتشكل من بعيد.

المحرك الدرامي للفيلم ليس التصوير ذاته، بل العنف البيروقراطي في عملية التنسيق. يصور الفيلم بدقة محاولة مكتب الهلال الأحمر الحصول على «الضوء الأخضر» (التنسيق) من الجيش الإسرائيلي (الكوجات) لإرسال سيارة إسعاف.

التوتر السردي مبني على الانتظار المؤلم – ثلاث ساعات من التفاوض بينما ينزف طفل في السادسة من عمره حتى الموت. يتماشى هذا التصوير مع الفهم السوسيولوجي للعنف البنيوي.

يظهر الفيلم أن مقتل هند لم يكن مجرد نتيجة رصاصة، بل نظام تصاريح يوظف الزمن ذاته كسلاح. الخريطة على شاشة مكتب الهلال الأحمر، التي تظهر مسار سيارة الإسعاف مغلقة بمناطق عسكرية، تصبح رمزًا للسيطرة النيكروبوليتيكية – بتعبير أخيل ميمبي – على الفضاء العام. صناع العمل استخدموا هذا الإيقاع «الإثارة البيروقراطية» لإثارة شعور العجز لدى المشاهد، تمامًا كما شعر موظفو الهلال الأحمر. عندما يأتي «الضوء الأخضر» أخيرًا، يتضح أنه فخ يؤدي مباشرةً إلى استهداف سيارة الإسعاف.

تقدم ذروة الفيلم تحديًا أخلاقيًا عميقًا للمشاهد. يرفض الفيلم الإغلاق البصري ويستخدم شاشة سوداء في النهاية. تتعامل نظرية الصدمة مع الأحداث «غير القابلة للتمثيل» – أحداث مروعة تتحدى التصور أو اللغة.

في المشهد الأخير من الفيلم، مع ذروة الأحداث بسكون خط الهاتف وإدراك الأبطال موت الجميع، تنتقل بن هنية إلى شاشة سوداء ثقيلة. لم تكن مجرد لمسة أسلوبية؛ بل موقف أخلاقي صارم. بحرمان المشاهد من صورة القتل في لحظة الوفاة، يرفض الفيلم المشاركة في الإباحية المؤلمة المرتبطة بتغطية موت الفلسطيني.

بعض الصور تضر بكرامة الضحية وعدالة القضية إذا استهلكها الاستعراض السينمائي. بإزالة الصورة، تجبر بن هنية الجمهور على الاستماع. الاستماع هنا أكثر تدخلًا؛ يمكنك إغلاق عينيك لكنك لا تستطيع صم أذنك. شاشة سوداء في دار عرض سينمائي مظلمة تحبسك للحظات في الظلام مع هند، تحاكي فيها تجربة الطفل المحبوس في السيارة ليلًا محاطًا بالظلام والموت. حتى الأفلام المأساوية تهتم بأن توفر لك إحساسًا بالنهاية بإبطاء إيقاع النهاية وتجميلها. (صوت هند رجب) بوعي ينكر هذا. في عالم عاشته هند، وتحياه أنت، لا تستحق مشهد إنقاذ، ولا تستحق تمهيدًا بصريًا للأمان، وبالتأكيد لا تستحق النهاية السعيدة.

بدلًا من ذلك، ينتقل الفيلم من الشاشة السوداء للحدث إلى لقطات وثائقية لما بعده. سيارة مدمرة وجثث المسعفين (زينو والمدهون) كما عُثر عليها بعد 12 يومًا. لقطات ضبابية لكنها مخيفة لا تعمل كحل سردي، بل ككسر للجدار الرابع ومواجهة للجمهور بواقع الإبادة المتعفن. الممثلون كانوا بدائل لوجود ودماء حقيقية تم تدميرها، ولفلسطين تم انتهاكها.

خاتمة

ردة فعلي بعد المشاهدة كانت مركبة. غادرت دار العرض في حالة غيبوبة، بتمنٍّ غير عقلاني أن تكون القصة خيالية. خرجت في صمت لا تجرؤ على قطعه نهنهات البكاء بين الحضور، كنا جميعًا أشبه بعشرات الزومبي الصامتين البطيئين، كلنا نعاني من نفس الغيبوبة. من بين كل المشاعر، كان غياب الصدمة هو الأكثر إزعاجًا؛ كنت أريد أن أشعر بالحزن الكافي لأقول لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا، لكن الواقع أن قصة هند واحدة من آلاف الفظائع المماثلة. كان الاعتراف بأن هذه المأساة متكررة ومستمرة هو الاستنتاج الأكثر رعبًا.

فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم (الأسد الفضي) في مهرجان البندقية 82، وتلقى تصفيقًا قياسيًا مدته 23 دقيقة. لم يكن التصفيق انبهارًا، بل فعلًا سياسيًا خالصًا من الجمهور. حولت هتافات الحرية لفلسطين القاعة إلى موقع سياسي. ودخل الفيلم القائمة القصيرة للأوسكار.

«صوت هند رجب» هو تحدٍّ ضد المحو. كما قالت كوثر بن هنية:

«السينما مقاومة لفقدان الذاكرة»

من خلال الحفاظ على صوت فتاة تبلغ من العمر 6 سنوات تتوسل من أجل حياتها، يضمن الفيلم ألا تبقى إبادة غزة مجرد إحصائية، بل تظل جرحًا مفتوحًا في الوعي العالمي، لا يطالب بالمشاهدات فقط ليندمل، بل بالعدالة، أن نستمع، وأثناء الاستماع، أن نتحمل ثقل السينما كشهادة.

top-ads

# منحة محمد أبوالغيط 2026 # سينما عالمية # سينما

هل حقًا توجد حياة بعد سهام؟
من الدعوة للسلام إلى إحراق غزة: كيف تورّط اليسار الإسرائيلي في التطرف؟
آخر أيام «الجريمة والعقاب»: سيرة «الكوميديا الإلهية» لمخرج في شوارع طهران

فن