غلاف رواية «السحر والعرش» الصادرة عن دار فاصلة للنشر
لا تزال العودة إلى التاريخ واقتفاء آثاره واستلهام حكاياته ملهمة للكثير من الكتّاب والروائيين، يعتمدون عليه ويخوضون من خلاله تجاربهم في الكتابة الروائية، ولكن كان من الشائع أن تكون تلك الكتابة بعد أن يتمرّس الكاتب في عالم الكتابة ويخوض فيها أكثر من تجربة لتأكيد اسمه من جهة، ولتلمس موطئ أقدامه في عالم الأدب من جهة أخرى، حيث إنه من المعروف أن لعالم الكتابة التاريخية أسلوبه المختلف وعالمه شديد الخصوصية، بل وربما قرّاءه أيضًا الذين قد لا تجذبهم هذه العوالم والمواضيع.
كل هذا يجعلنا نعتبر الرواية التي بين أيدينا مغامرة أدبية من نوعٍ خاص، وإذا عرفنا منذ السطور الأولى، بل وربما من العنوان، أن الكاتب يتناول تاريخ قدماء المصريين، وليس حقبة زمنية معروفة أو مطروقة في كتابة التاريخ بشكل عام، فإن ذلك يجعل المغامرة أكثر تحديًا وصعوبة.
من جهة أخرى تصدر هذه الرواية في الوقت الذي تحتفي فيه مصر والعالم كله بافتتاح المتحف المصري الكبير (نوفمبر 2025)، الذي يعدّه الكثيرون أحد أهم الإنجازات المعمارية حديثًا، حيث جمع بين عراقة الماضي وتحديات الحاضر، وكأن الرواية بذلك ترديد صدى لذلك المبنى الهام الذي أصبح الوجهة الأولى لكل من يهتم بالتراث المصري القديم، وكأنها تسعى لأن تكون واجهة أخرى للقارئ حتى يتعرّف بشكل مختلف على جزء من تاريخ الحضارة المصرية القديمة.
وإذا كان ذلك المتحف يحتوي على عدد كبير من القطع الأثرية المميزة والفريدة، من بينها كنوز الملك الذهبي توت عنخ آمون، فإن الرواية تعتمد على واحد من أهم الاكتشافات الأثرية، والتي لفتت أنظار العالم أيضًا وقت اكتشافها، بل وغيّرت من تعامل الغرب مع الحضارة المصرية القديمة كلها، إنه «حجر رشيد» الذي تم اكتشافه في مدينة منف عام 1799م، واعتُبر وجوده ميلادًا للغة المصرية القديمة، حيث استطاع المكتشفون من خلاله أن يعتمدوا عليه لقراءة والتعرّف على اللغة الهيروغليفية التي كُتبت بها العديد من النقوش على الأحجار في حضارة المصريين القدماء.
في روايته الأولى يعود وليد شحاتة إلى عصر حكم بطليموس لمصر القديمة، أو «كيميت» كما كانت تسمى، وذلك في 197 قبل الميلاد، ويختار مرحلة تاريخية شديدة الأهمية والإثارة، مليئة بالأحداث والمغامرات والمفاجآت، تبدو لمن يقرأ عنها لأول مرة كأنما هي عزفٌ على أوتار عالم اليوم، رغم اختلاف الأسماء وتغيّر الأحوال، إذ يبدو أن كل سلطة تحرص على بقائها وتهمل مع توالي السنوات أحوال شعوبها، مما يدفع ببعض الفئات إلى التمرّد والثورة، وبين هذا وذاك يبقى قهر البسطاء وإضعاف أحوال المهمّشين ليبقوا هم الضحايا في كل زمان ومكان.
منذ السطور الأولى نتعرّف على خلفيات صراعٍ محتدم بين سلطة الرئيس القادم لكيميت «بطليموس» وسلطة الكهنة «حور ورفاقه» ومحاولاتهم الدؤوبة على السيطرة، وظهور زعيم لمنس يموّه أنفسهم بالثوار يسعى لكي يسترد الناس حقوقهم وقدرتهم على الحياة، وبين هؤلاء يرسم الكاتب في لقطاتٍ موجزة أحوال الرعية وما هم فيه من تدهور للأحوال الاقتصادية، بينما هناك رومان على أبواب المدينة يهددون وجود الجميع!
ربما تبدو الرواية لأول وهلة صعبة على التناول، لا سيما إذا لم يكن القارئ ملمًّا بأحداث وتفاصيل تلك الحقبة الهامة من تاريخ مصر والمصريين، ولكن مع توالي الصفحات لا شك سيشعر بتماهٍ مع الحكاية وأبطالها، بل وربما يتعرّف في بعض الشخصيات على شخصيات تشبه ما رآه وعاشه في السنوات الأخيرة من حياتنا، لا سيما بعد ثورة يناير 200، وما حدث فيها:
«تملّكته الحسرة والأسى فتساءل في صمت: أحقًّا آلت الأمور في هذه البلد الأبية لتلك العصبة الضعيفة كي تحكمها بكل رعونة وتخبط، تاركة حباتها تنفرط الواحدة تلو الأخرى؟! أليس عسيرًا على الفؤاد أن يرى أساطير وأمجاد الأجداد آفلة في الأفق، مديرة ظهرها لكيميت، مكتفية بما سطرته لها في صفحات التاريخ من مجد، تاركة تاريخها العظيم يتلاشى خلف سحابة من النسيان؟!»
نتنقّل على مدار الرواية، ومن خلال صفحاتها التي تجاوزت 370 صفحة، بين أروقة البلاط وساحات المعابد والأسواق وبيوت البسطاء، وبين مدينتي منف وطيبة، ينقلنا الكاتب لتفقد أحوال كل طائفة من سكان مصر القديمة/كيميت، ولنتعرّف على طبيعة الحياة هناك بين الدسائس والمؤامرات وتقلب الأحوال، وسعي كل فئة إلى السيطرة من جهة، ومحاولات الناس التعايش مع كل تلك الصراعات والمشكلات، وكأن الرواية ترديد خفي لأوجاع المصريين التي بدأت منذ قديم الزمن، ويبدو أنها لا تنتهي!
تتوزع الرواية على ثمان فصول كبيرة، يتخللها مشاهد من كل مكان، يتنقّل فيها السرد بين أبطال الرواية بانسيابية، وقد حرص الكاتب أن يجعل في مقدمة كل فصلٍ من الرواية جزءًا من تراث الحضارة القديمة، فيترك سطورًا من كتاب الموتى، أو أشعار اليونان التي تمجّد الآلهة، أو تعاليم الحكماء وصلوات الملوك وغيرها، وقد أضفى كل ذلك طابعًا خاصًا للرواية يجعل القارئ متعايشًا مع تفاصيلها وعالمها بتلك اللغة التي تحمل بعض القداسة والحنين لإرثٍ ماضٍ ربما نجهل عنه الكثير، ويجعلنا في الوقت نفسه نتعرّف على العديد من الطقوس والعادات والتقاليد وتفاصيل الحياة بكل ما فيها من صراعات منذ ذلك الزمان الذي نظن أنه بعيد، ولكنه يشبه في تفاصيله الكثير مما نعيشه ونعرفه.
«تسللت الكاهنة إيا إلى داخل خلوة حور على أطراف أصابعها بحرص لبؤةٍ تتأهب للانقضاض على فريستها. كفجرٍ مندسٍّ بين ثنايا الظلام، أعلنت عن نفسها دون مقدمات، دلفت إلى الغرفة مكسوّة برداء ضيق من كتان أبيض أبرز نهديها المنتصبتين في شموخ، تدلّى شعرها المستعار على كتفيها وظهرها في كبرياء وعنفوان، وازدان بحُليّ ذهبية لامعة وبراقة، تطلّعت إلى حور بعينها الآسرة من تحت أهدابٍ طويلة تدعوه في صمت»
وهكذا لم تقتصر الرواية على حكاية الصراعات بين السلطة والكهنة، أو حتى بين السلطة والثوار، وتلك المؤامرات والدسائس التي كانت تُحاك في الأروقة والبلاط بين هؤلاء وأولئك، ولكنه استطاع أن يدخل بنا إلى البيوت والزوايا والأسواق، ورغم أن الرواية تمتلئ بالشخصيات التاريخية والحقائق التي قد تدفع بالقارئ إلى العودة للمصادر التاريخية للتأكد منها، إلا أن نسيج الحكاية متضافر بعناية، ومكتوب بلغة سلسة تنحو إلى الشاعرية أحيانًا، لا سيما في وصف الأحوال والأماكن.
بالإضافة إلى ذلك جاء «السحر» حاضرًا في تفاصيل تلك الحكايات الشيّقة، فلم يقتصر الأمر على الوقائع التاريخية المثبتة والمعروفة، أو تلك المتخيّلة من عقل الكاتب، بل انطلق إلى مساحة واسعة عُرفت بها الحضارة القديمة، وهي استخدام السحر للتغلب على صعوبات الحياة، أو حتى دخولهم ساحات المعارك، أو تقريب الزوجة المحبّة من عشيقها، وغيرها من أمور وتصرفات لا تزال تماثل ما يحدث في واقعنا اليوم، فكان للسحر في الرواية ذلك الحضور الغريب الفانتازي، الذي يصبغ الرواية صبغة خاصة.
«أخذ بطليموس يعدو داخل متاهة مترامية الأطراف بخطوات متسارعة، يسترق النظر خلفه ليتأكد أن أحدًا لا يتبعه، خفق قلبه في صدره خفقًا مرعبًا، ممرات المتاهة ملتوية تمتد أمامه بلا نهاية، الجدران عالية مشيدة من حجارة خشنة وقديمة، ترتفع حتى تبتلعها ظلمة مبهمة، مزينة بنقوش ورموز باهتة، في أرجاء المتاهة تقف تماثيل غامضة متجهمة تحرس الممرات وتراقب بطليموس بنظرات ثاقبة، تتراقص ظلالها على الجدران بطريقة تبعث على القلق»
هكذا استطاع وليد شحاتة في روايته الأولى أن ينقل للقارئ تجربة سردية شيّقة، ينتقل بها إلى عالم تاريخي قديم مليء بالأسرار والمغامرات التي تأخذ صبغتها الحقيقية من كتب التاريخ، ولكنه يبنيها بطريقته وخياله الثري بشكل فعّال، كما يُحسب له ذكاء استخدام فكرة «حجر رشيد» أو «مرسوم منف» الذي كان العامل المساعد أو العامل الأخير الذي أدى إلى نجاة ذلك الحاكم في ذلك الزمان القديم، وكأن ذلك الحجر وتلك النقوش بمثابة تميمة الخلاص.
تجدر الإشارة إلى أن رواية «السحر والعرش حجر رشيد» هي الرواية الأولى لوليد شحاتة، وهو مهندس اتصالات يعمل في تقنية المعلومات، شارك في العديد من المسابقات الأدبية، فازت قصته في مسابقة Ireads عام 2023، أما الرواية فكانت من نتاج ورشة «سنة أولى كتابة» التي نظمها الروائي خالد زيدان، وهي مبادرة ثقافية مستقلة تأسست منذ 2020 بهدف اكتشاف وتطوير المواهب الأدبية الواعدة، كما تحرص على صقل المهارات وتوجيه الكتّاب الجدد نحو إنتاج أدبي احترافي، صدرت الرواية هذا العام عن دار فاصلة للنشر.