تخيل فضاءً دائريًا واسعًا، وفي مركزه برج مراقبة صامت، وحوله غرف لا حصر لها، ومن الداخل لا يرى القابعون في الغرف سوى نافذة واحدة تطل على البرج، لكنهم لا يعرفون أبدًا إن كانت هناك عين تراقبهم الآن أم لا.
هذا هو البانوبتيكون الذي تخيّله جيرمي بنثام:
«هندسة بسيطة لفكرة عميقة، وهي أن يكفي احتمال الرصد ليغير الإنسان سلوكه».
إغلاق دائرة الخوف
لاحقًا سيحوّل ميشيل فوكو هذا النموذج إلى استعارة للمجتمع الحديث، حيث لا تعمل السلطة دائمًا بالقوة المباشرة، بل بصناعة شعور دائم بإمكانية المراقبة.¹ في هذا النموذج كانت المراقبة تعني الخوف، وتعني السيطرة والقهر، وكان الإحساس بالنظر من بعيد يخلق انضباطًا مشوبًا بالقلق. غير أن زمننا الرقمي يقدم مشهدًا مختلفًا؛ فالتريند اليوم لم يعد برجًا في المنتصف، بل شاشة في كل يد.
التريند الذي كان يضاعف الإحساس بالاضطراب والفوضى، ويشعرنا أن الطمأنينة تتسرب من بين أيدينا، حيث تُنتشر المخاوف أسرع من المخاطر نفسها، لقد حولته وزارة الداخلية إلى شعور بالأمن، بما يمكن أن نسميه «إغلاق دائرة الخوف». وهنا انقلبت المعادلة، وما كان مصدر توتر تحول إلى عامل طمأنة، وما كان يُشعر بالهشاشة يصبح دليل حضور.
بهذا المعنى لسنا أمام بانوبتيكون تقليدي، بل أمام صورته المعكوسة، حيث لا يولّد احتمال الرصد خوفًا من العقاب، بل يقينًا بأن الفوضى لن تبقى بلا إطار. ومن هذه المفارقة تبدأ قراءة جديدة لدور وزارة الداخلية في زمن الترند.
إن أول حضور حقيقي للسوشيال ميديا في واقعنا العربي والمصري كان عندما أسس مجموعة من الشباب صفحة باسم «كلنا خالد سعيد»، التي تابعها أكثر من مئة وثمانين ألفًا في أول عشرة أيام من تأسيسها، وتحول الحضور الرقمي إلى واقع فعلي في ميادين مصر. وهكذا يكون الحال عندما يصبح الخوف بلا إطار والمطالب بلا استجابة، وأسقط هذا الحراك النظام في مصر.
وقد عبّر عن هذا زيجمونت باومان في مقابلة له مع ديفيد ليون، تم تفريغها كتابيًا في كتاب «المراقبة السائلة»، حيث قال: «اجتمعت الحشود على إسقاط النظام وتركوا الغموض يحيط بصورة العالم في اليوم التالي لهدم النظام، وهنا تكمن قوة الناس في الشوارع وضعفهم أيضًا. ولدينا بالفعل دليل كافٍ بأن حركات السخط والاحتجاج تملك قدرة كبيرة على الفعل مثل جماعات الهدم، ولكن الدليل على قدرتها باعتبارها جماعات تخطيط وبناء ما زال ناقصًا. وقبل بضعة أشهر شاهدنا هذا جميعًا في حالة من الإثارة والقلق والإعجاب المتزايد بالمنظر العجيب للربيع العربي. إنني أكتب هذه الكلمات في نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر، ولكننا ما زلنا ننتظر إلى الآن من دون جدوى الصيف العربي».²
وقتها فقد الناس ثقتهم في وزارة الداخلية المصرية، وتحولت إلى عدو لا يمكن الوثوق فيه أبدًا، ولم يكن يخطر على بال أحد أن الثقة المفقودة يمكن استعادتها. فكيف باستعادة الثقة بهندسة معكوسة لنموذج جيرمي بنثام؟ بهذا المعنى لم يعد البانوبتيكون قائمًا على الخوف من العين، بل على الثقة في حضورها؛ فالبرج الذي كان في نموذج بنثام رمزًا لردع نفسي ذاتي محاطًا بقلق وخوف، أصبح في صورته الرقمية رمزًا لإمكانية الاستجابة.
عدسة مكبرة للهشاشة
إن الفرق بين القهر والانضباط، وبين الطمأنينة والنظام، يكمن في الإحساس بالغاية. حين يشعر المواطن أن الرصد يهدف إلى حمايته لا إلى مراقبته، تتغير المعادلة بالكامل لتصبح استجابة لاحتواء فوضى التريند، الذي كان من الممكن أن يتم استغلاله في إحداث الفوضى عن طريق تعظيم المخاطر التي يشعر المواطن فيها بأن قوات الأمن فقدت السيطرة على ضبط النظام.
لقد خلقت وزارة الداخلية نموذجًا رقميًا من خلال الاستجابة لكل الحالات التي تطفو على سطح السوشيال ميديا، والتعامل معها باحتراف شديد. ولكن هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى ألا يصل الأمان لمن لم يبلغوا بعد حد التريند المطلوب للاستجابة؟ وهل يمكن أن تخلق الوزارة المعادلة الصعبة بين احتواء التريند وبين أن يكون التريند هو الطريقة الوحيدة للاستجابة السريعة؟
غير أن هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية التحول نفسه، بل تكشف عن مرحلة أكثر نضجًا في العلاقة بين المجال الرقمي ومؤسسات الدولة. فالمشكلة لم تكن يومًا في وجود الترند، بل في فراغ المعنى الذي كان يحيط به؛ فالترند في ذاته مجرد تضخيم رقمي لحادثة ما، لكنه حين يُترك بلا إطار مؤسسي يتحول إلى خوف وقلق، وإلى عدسة مكبرة للهشاشة. أما حين يدخل في معادلة واضحة من الرصد والاستجابة، فإنه يفقد قدرته على بث الفوضى ويكتسب وظيفة جديدة، وهي خلق الطمأنة.
لقد كان الخوف في السنوات الأولى لانتشار السوشيال ميديا مرتبطًا بفكرة الانفلات (انفلات المعلومة_وانفلات السرد_وانفلات الصورة)، فصورة واحدة قد تكفي لإقناع الجمهور بأن النظام كله يتداعى، وهنا تحديدًا يكمن جوهر التحول.
لم تعد الصورة تُترك لتفسر نفسها أو تُترك ليفسرها مستغل ما، ولم يعد الترند يُترك لينمو بلا نهاية؛ فالتدخل السريع، والإعلان العلني، وإغلاق الدائرة بإجراء واضح، كلها عناصر ساهمت في تحويل التجربة النفسية للمواطن من شعور بالعجز إلى شعور بأن هناك آلية تعمل.