صورة تعبيرية (غلاف مقال للكاتب الكبير أنيس منصور نشر بمجلة الهلال عن النبي صلى الله عليه وسلم عام 1978)
في العشرين من عمره صعد جبلًا على مدى ثلاثة كيلومترات من مكة، الجبل اسمه الآن جبل النور أو جبل حراء، تسلقه عشر سنوات في أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفي أيام الجمعة والسبت والأحد ينزل يعيش بين أهله غريبًا عن الناس.
وبعد سنة واحدة من ذهابه إلى غار حراء تزوج السيدة خديجة، وكان في الخامسة والعشرين من عمره، يصعد الجبل ومعه القليل من خبز الشعير ولبن الماعز، ويقضي النهار والليل في صمت، فلم يكن وحده، إنما كان مع كل معاني الكون..
فليس أعظم من أن يكون الإنسان فوق ليرى كل شيء صغيرًا، الناس وحياة الناس، وهذه الدنيا، ويرى الله كبيرًا في خلق الناس، وهذا الكون.. في السماء والأرض وفي العقل وفي النفس.. كل شيء ذاهب إلا الله باقٍ، كل شيء كثير إلا الله واحد.. كل شيء صغير إلا الله جليل..
فهو من الغار الذي أقام فيه عند قمة الجبل يرى الكعبة، حولها أناس وكلاب ولصوص ومخمورون ونساء، كلهم يتزاحمون وبسرعة يختلفون وترتفع السيوف وتسيل الدماء ويجيء الذباب..
هذه هي مكة، سميت مكة لأنها جافة من المال، ويقال: مك الشيء أي امتصه، فهي إذن تمتص الذنوب، ولكن ذنوب هؤلاء الوثنيين عندما تمتصها مكة تتجدد من جديد.
هنا المعبود اسمه هبل.. إنه تمثال من حجر العقيق بذراع واحدة، وتجيء القبائل تضع للتمثال ذراعًا من ذهب، وأمام هبل يستغرق الناس في لعبة الزهر، وعلى كل واحدة من الزهر مكتوبة كلمة: لا أو نعم، هي كلمات لذلك المعبود هبل! والناس يلتفون حول التمثال، يرمون الزهر أمامه ويذبحون الجمال، ويأكلون ويشربون ويقدمون القرابين لهذا الحجر الذي صنعه بشر، ويحميه بشر، ويدعوه ويدعو عليه ويبصق عليه بشر أيضًا.. لكنهم يعبدونه ويستحلفون به ويصدقونه.
وهناك حجر اسمه اللات، يعبدونه أيضًا. وهناك ثلاث نخلات اسمها العزى يعبدونها، ويلقون عندها همومهم وكروبهم، ويذبحون أغنامهم وإبلهم ويقولون إن النخلات الثلاث تكلمهم وتكشف أسرارهم وتفضح بعضهم أمام بعض، فهم جاءوا من أقصى الصحارى ليتعروا أمام الآلهة.. وهكذا لتحكم فيهم الحجار وعادات قبلية أكثر قسوة من الأحجار.. والكثيرون يدورون حولها ويبيعون، ويأكلون، ويشربون، ويتسولون، هم وحيواناتهم، ويعلقون على جدرانها ثرواتهم، وفي داخلها يضعون عقودهم ومواثيقهم، ولكن لا قداسة للمكان لأنه لا قداسة لأحد.. فلا أحد إلا الأوثان، وإلا الأحجار، وإلا السيوف، والدم، والفجور، والبطش، والجوع، وحروب القبائل.. وإلا ثروات الأغنياء وجشعهم وذل الفقراء وهوانهم.
ومن هناك، فوق، ما الذي يراه الرسول محمد من غار حراء؟ يرى من بعيد حجر الصفا وحجر المروة، والطريق بينهما من تراب وذباب، وهناك تمثال من حجر يعبده الناس ويمسحون به أيديهم ووجوههم وأطرافهم الموجوعة، وتمثال آخر تمسح عنده النساء بطونهن وصدورهن ويتمنين شيئًا من الذرية أو من السعادة الزوجية…
وليس هذان التمثالان لأحد من الناس الطيبين، إنهما لاثنين من الفاسقين، ففي ذلك الوقت كان كل شيء هناك خانقًا، كل شيء في مكة، وحول الكعبة، الشمس محرقة، والناس يهربون منها إلى الخيام وإلى النخيل، وإلى النوم، وجاء الليل فازدادت الحرارة واختفى الناس، وتسلل رجل وامرأة إلى داخل الكعبة وتجاورا والتصقا حتى تحولا إلى تمثالين من حجر. وأصبحت فضيحتهما عملًا فنيًا، تمثالين بارزين، دليلًا ملموسًا مقنعًا، ورحمهما الناس ولعنوهما، وتكاثر الرجال حول الكعبة، ونسي الناس من هما صاحبا التمثالين، وظن الناس أنهما من الآلهة، وانتقل تمثال الرجل واسمه أساف، والمرأة واسمها نائلة، أحدهما عند الصفا، والآخر عند المروة، وعبدهما الناس..
ومن جبل حراء هذا بُنيت الكعبة، ويقال إن شيث بن آدم عليه السلام أخذ أحجار هذا المكان المقدس من جبال سيناء، ولبنان، وحراء، ولما جاء إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل أقاما الكعبة من أحجار جبل حراء..
وعندما كان النبي عليه الصلاة والسلام شابًا كان يحمل الأحجار من جبل حراء على كتفه وعلى رأسه، ولما اختلفت القبائل أيهم يضع الحجر الأسود في مكانه احتكموا إلى رسول الله، ووضع الحجر الأسود في ثوبه، وأمسكت القبائل ثوبه، كلٌّ من ناحية، وامتدت يده هو ووضعته في مكانه، واستراحت القبائل إلى أنها شاركت في وضعه، فلا فضل لقبيلة على أخرى، وكان وضع الحجر إشارة إلى أن الرسول سوف يضع حجرًا وراء حجر لدين كريم.. لقريش وكل القبائل الأخرى والشعوب..
وهناك، ومن غار حراء الذي يتسع لخمسة جالسين معًا، كان الرسول يرى كل هذا الكفر والفسوق ولا يطيقه، ولكنه لا يعرف ما الذي يمكنه أن يفعله أو ما الذي يستطيعه. إنه واحد وهم كثيرون، ثم إنه فقير وهم أغنياء..
إنه يتيم، إنه نظيف، إنه أمين، إنه مختلف.. إنه لا يستطيع أن يشارك، أن يمد يدًا، أن يغمض عينًا، إنه فوق وإنه بعيد، وإنهم في أسفل السافلين..
ولما تزوج السيدة خديجة كانت ترى أن شيئًا عجيبًا يضاف كل يوم إلى هذا الزوج الصالح.. أول ما رأت أنه إذا نام وقام وروى لها حلمًا، يكون الحلم صادقًا، فكل ما يراه يقع، فلم يكن حلمًا وإنما هي رؤيا صافية صادقة أنه يرى ما سوف يحدث.. وليس هذا بالقليل، إن الإنسان يحدث له ذلك مرة كل سنة أو مرة في العمر كله..
عندما يكون في حالة توازن للجسم والنفس، أي إذا ما كان في حالة سواء صافية وشفافية. إن علماء النفس يجدون في الرؤى الصادقة دليلًا على أن هناك قدرات خارقة عند بعض الناس، بعض الوقت، وهذا معناه أن الإنسان يستطيع أن يرى أبعد مما يرى الناس، فأنا إذا رأيتك الآن فأنا أراك في هذا المكان، وفي هذه اللحظة، وإذا ابتعدت عني عشرة آلاف متر، فإنني لا أراك لأن قدرتي على الرؤية في المكان محدودة، وإذا أنت جئت إلى نفس المكان الذي تقف فيه، فأنا لا أراك إذا لم تكن موجودًا، فشروط الرؤية أن نكون معًا على مسافة واحدة في المكان والزمان.
ولكن الذي يرى ما يحدث على مدى ألوف الأميال وعلى مدى ألوف الدقائق أو الساعات، هو العجيب الغريب.. إنه يرى ما سوف يجيء في المكان والزمان وبوضوح كل يوم.
وبعد ذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتأمل كثيرًا، يصمت ويطيل النظر، وينشغل تمامًا كأنه يستمع إلى أحد غيره أو يستمع إلى أصوات لا يسمعها الناس، فهو بعيد النظر وبعيد السمع أيضًا..
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام عندما اختار غار حراء، اختار العزلة العالية والوحدة الرفيعة والسمو الشاهق، وأن يكون في معية الكون كله، قوانين الكون، وحكمة الحياة، وأصل الوجود.. هناك بعيدًا، عاليًا عن الناس والأشياء.
وفجأة جاءت الأحداث الجليلة، لقد رأى وسمع، رأى وسمع من يقول له: اقرأ، وهو لا يعرف القراءة ولا يعرف ماذا يقرأ.. فيعود فيقول له: اقرأ مرة ثانية وثالثة، والرسول يقول: «ما أنا بقارئ». فيقول له: «اقرأ. وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم».
وكان الصوت مليئًا عميقًا، هزه من رأسه حتى أصابع قدميه، تفجرت فيه الحرارة والعرق والبرودة والخوف والفزع.. شيء عجيب غريب ما رآه قبل ذلك، ولا انتظره، ولا عرفه، ولا سمع به..
هبط الرسول من جبل حراء إلى زوجته يطلب إليها أن تزمله، أن تمسك به، أن تحميه، أن تعينه على ما هو فيه، وهي تعرف أنه صادق، وأنه أمين، أن شيئًا لا تدريه هي أيضًا سوف يحدث له، وحدث له.. وأخذته إلى راهب قرأ في المسيحية واليهودية، ولما روت له ما حدث أكد لها أنه نبي.. وأنه سوف يكون نبي هذه الأمة.. فالذي جرى له وجرى عليه قد حدث لموسى من قبل، وحدث للنبيين من بعد موسى.
والقرآن يقول: «إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده»، هذا هو الوحي..
ينزل صورة وصوتًا يملأ كل شيء حوله.. إن قوة هائلة طولها السماوات والأرض تدخل في جسمه الصغير، تفيض فيه، تتدفق بغزارة وحرارة.. إن تيارًا كهربائيًا عاليًا يلمسه فيهزه بعنف… وكان الرسول لا يقوى عليه، كان يصاب بما يشبه الحمى.. وكان هذا الوحي ينزل عليه جالسًا وماشيًا وراكبًا.
فإذا نزل عليه وهو فوق ناقته كانت الناقة تبرك على الأرض وتلهث، كأن الذي يجلس عليها جبل.. فإذا فرغ الوحي من تبليغ الرسالة عادت الناقة ترفع رأسها كما يعود الرسول إلى حالته العادية.
والله يقول له: «إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا»، والرسول يقول: «شيبتني هود وأخواتها»، أي سورة هود، وسور أخرى كثيرة، فقد كان نزولها عليه يهزه، ومعاني آياتها تشيبه..
وظل الرسول يتلقى الوحي ويدعو إلى دينه الجديد سرًّا، وجاءه الوحي يدعوه إلى أن يجاهر بالدعوة، يقول الله تعالى: «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين»، وجاهر الرسول بالدعوة، وجاهر المشركون بالإيذاء له ولأتباعه من المسلمين، ولكنه مضى يدعو في كل مكان، واستمر الناس يتربصون به في كل مكان.. وطارت الأحجار وأحشاء الحيوانات والدماء يلقونها عليه أينما ذهب - وهو صابر على دعوته، إنه يدعو الناس إلى عبادة الأوثان، إلى السلامة، إلى النظافة والطهارة والرحمة والتواضع.. وإلى أن متاع الدنيا قليل، وإلى أن الله أبقى من كل ما في أيديهم وفي نفوسهم.
وازدادت قريش، قبيلته، قسوة عليه وعلى المؤمنين به من الأطفال والشبان والنساء والعبيد، وقالوا: دين الضعفاء - ولكنهم أقوياء بدينهم وبربهم.
عشر سنوات يدعو فيها علنًا في مكة، وحول مكة، والعذاب والتهديد والوعيد والإغراء بالمال والسلطة - يرفضها الرسول والمؤمنون.
والرسول يدعو الله قائلًا: «يا مقلب القلوب، ثبتني على إيماني بدينك». ويوم ذهب الرسول إلى الطائف على مدى ستين كيلومترًا من مكة يدعو ويبشر وينذر، طردوه ووقفوا صفين، ثم جلسوا صفين، وكل واحد في يده قطعة حجر.. سار الرسول بين الصفين، وكلما وضع قدمًا دقوها بالحجارة، حتى دميت قدماه.. ومن أعماقه قال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس»، ذلك الدعاء الجميل الصبور.
ونزل الوحي يطلب إلى الرسول أن يهاجر.. وكان الرسول قد رأى في نومه أنه سوف يهاجر إلى مدينة فيها نخل، وفي المدينة ذاق طعم التمر لأول مرة في حياته..
وهاجر المسلمون إلى الجنوب، وهاجر منهم آخرون إلى المدينة. وكان الرسول ينظر إلى مكة حزينًا ويقول: «والله إنك لأحب البلاد إلى نفسي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت».
وذهب الرسول وأبو بكر إلى غار ثور وأقاما فيه ثلاث ليال، وكاد المشركون يمسكون بهما، وفزع أبو بكر، وقال له الرسول: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» ونزل القرآن يقول: «إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا. فأنزل الله سكينته عليه. وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم».
وبعد ثمانية أيام أو عشرة، وصل الرسول إلى مشارف المدينة المنورة، واستقبله الأنصار يفنون:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا
جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة
مرحبًا يا خير داع
طلع البدر علينا