مجتمع

أحمد حسن الزيات يكتب: عيد الأضحى

العيد ليس زينةً وذبائح فقط؛ بل مودةٌ ورحمة وذاكرةُ قريةٍ كانت تعرف كيف تجمع الناس على الفرح والدعاء والمحبة الصافية.

future صورة تعبيرية تصف فرحة المسلمين بعيد الأضحى
— نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة الرسالة 26 مارس 1934
 
وفي مارس أيضاً يُقبل عيد الأضحى أو يوم الله، بعد ما أقبل عيد الضحايا أو يوم الوطن! والإيمان بالله وبالوطن أسمى شواعر النفس، والتضحية لله وللوطن أصدق شعائر الإيمان، والاحتفال بيوم الله ويوم الوطن أقدس مظاهر الإنسان، وعيد الأضحى أجلُّ أعياد المسلمين خطراً، وأبلغها في حياتهم أثراً، وأبلجها في نفوسهم دلالة. تجمعت فيه مبادئ الإسلام وغاياته كما تتجمع صور الوجود في العين، ومحاسن الربيع في الزهرة.
 
فهو موجة من النور الهادئ الهادي في خضم الزمان المضطرب، وفترة من السلام الإلهي بين خطوب الجهاد المضطرم، ونفحة من النعيم السماوي تندى لها القلوب اليابسة بالوداد المحض والبر الخالص، وسبب من الروح المؤاخي يصل بين الغني والفقير بالإحسان، وبين القوي والضعيف بالرحمة، وبين القريب والبعيد بالمودة، وبين الله والإنسان بالصلاة، وبين المسلم والمسلم بالحج!

واحات الحياة 

الأعياد الدينية واحات في صحراء الحياة، يستريح إلى نبعها الحران واللاغب، ويطمئن إلى ظلها الهيمان والشارد، ويجد الكاسف المعمود في نسيمها النديِّ برد السرور ونشوة العافية، ويذهل السائر المجهود برهةً من العمر عن مخاطر الطريق ومكايد الرفاق ومساوئ القافلة، ويذكر أن له عواطف صالحة طغت عليها المنافع، وقرابةً واشجة قطعت بينها المطامع، وصلات شابكة أوهنتها الجفوة، وتبعات واجبة أعجزه عن حملها كلال الضمير، وغاية إلى الخير المطلق أضله عن سبيلها غرور الحياة.

عيد الأضحى هو عيد الأسرة والأمة والملة، يفيض المسرة والبهجة على البيت، ويجدد المودة والألفة في الوطن، ويسفر بالتعارف بين وجوه الأخوة في عرفات، فإذا ردّه اليوم فساد العيش في المدينة إلى ما نعرف من خروف يُذبح ولا يُضحّى، ومساجد تؤذن بالمآذن والمدافع ولا تُجاب، وبيوت تُفتح للتهاني ولا تُزار، وأيام كنقاهة المريض كلها خمود ونوم وأكل، فإن له في القرية صورة لا تزال منذ الطفولة في ذهني فتّانة الجمال، أخّاذة السحر، شديدة الروعة.

عيد الأضحى في القرية

لا يكاد يفرغ القرويون من صلاة المغرب ليلة العيد حتى ترى طريق المقبرة يسيل بالفوانيس الشاحبة الخافتة. ثم تنتشر آخر الأمر على وجوه القبور انتشار الحباحب، وتنتقل القرية الحية إلى القرية الميتة فتقضي موهناً من الليل في الاستعبار والاستذكار والقراءة، ثم يعودون وقد كفاهم الفقهاء مؤونة ما حملوا من الكعك والفاكهة، فيقطعون الهزيع الثاني من الليل في طسوت الحمام أو في دار المزين!

والغسل بالماء الساخن لا يعرفه الفلاحون إلا ليلة العيد وليلة الزواج ويوم الموت، ثم يعدّون زينة العيد فيكوّرون العمائم ويصبغون الأحذية، ومن لا يحسن لوث العمامة، أو لا يلمُّ بملء علبة الورنيش، ذهب بطربوشه أو بحذائه إلى قريبه أو جاره، والقرية كلها أسرة واحدة يكمل بعضها نقص بعض، فإذا فرغوا من ذلك ناموا على هدهدة الأحلام ومناغاة المنى، وتركوا النساء أمام المواقد ينضجن الخبز ويطهين اللحم ويصنعن الحلوى حتى الصباح!

تشرق شمس العيد على القرية في غير وجهها المألوف، فلا النور كان باهراً كهذا النور، ولا الشعاع كان ساحراً كهذا الشعاع، وتستقبلها القرية في غير زيها المعروف، فلا الوجوه كانت ضاحكة كهذه الوجوه، ولا الجلابيب كانت ناصعة كهذه الجلابيب، ولا العمائم كانت زُهراً كهذه العمائم، ولا الدروب كانت مطرزة بألوان الربيع كما هي اليوم!

لا يتخلف عن صلاة العيد من أهل القرية غير النساء! أما الرجال فهم صفوف وراء الإمام يؤدون الصلاة، وأما الأطفال فهم وقوف على الأبواب يشهدون الخطبة! ثم تُقضى الصلاة فيقبلون الخطيب جميعاً، ويقبل بعضهم بعضاً، ثم يذهبون رِتلاً جميل النسق إلى المقبرة، ويرجعون من طريق أخرى إلى الحارات المكنوسة المفروشة، فيجلسون أمام المنازل إلى الطعام الشهي الفاخر، يتبادلون الألوان، ويتهادون الصحاف، ويتركون على موائدهم محلاً رحيباً للفقير!

ترفع الصواني وتوضع القهوة، ثم يقوم العمدة في أهل حارته فيزورون الحارة الأولى، فيهنئون ويجلسون ريثما تدار القرفة وتوزع السجائر، ثم يقومون جميعاً إلى الثانية فالثالثة فالرابعة وهلم جراً إلى آخر البلد، وكلما مروا بحارة أخذوا أهلها إلى الأخرى، حتى تجتمع القرية كلها آخر المطاف لدى العمدة فيقضون في مجلسه أكثر اليوم.

ذلك أمر الكهول والشيوخ، أما الشباب واليفاع فيطوفون زمراً بالبيوت يهنئون الصبايا وأيديهن لا تزال في الطعام، فيطبعن بالقبلات الخجلى على الخدود البرنزية خاتماً رقيقاً من الدمعة، ويرسمن بالأنامل المخضبة على الثياب البيض طغراء جميلة من الدسم، ثم ينصرف بعد ذلك الشباب إلى لعب الكرة في ساحة البيدر، والأطفال إلى الأراجيح على أشجار الترعة!

تلك صورة العيد في القرية رسمتها بغير ألوانها الزاهية، وجلوتها في غير إطارها المذهب، فبالله ربك! أهي على علّاتها أخلق بالإنسان وأقرب إلى الدين وأشبه بالخلق، أم هذه الصورة التي تراها اليوم في شوارع المدينة وجوامع المدينة وقصور المدينة؟

نسأل الله مخلصين أن يعيد هذا العيد على الأمة المصرية والدول العربية والممالك الإسلامية ونحن وهم على خير من هذه الحال.

top-ads

# دين # عيد الأضحى

أفراح الزمن الحزين ممكنة
أحمد حسن الزيات يكتب: رمضان
أنور الجندي يكتب: شخصية الشافعي على ضوء علم النفس الحديث

مجتمع