صورة تعبيرية ( غلاف مقال للكاتب الكبير أحمد أمين نشر بمجلة الهلال عن النبي صلى الله عليه وسلم عام 1978)
لعل من أهم الفروق التي تميز المسلمين في أول أمرهم وفجر حياتهم عن المسلمين اليوم، خلق الرجولة؛ فقد غنى العصر الأول بمن كانوا عامة الشرف، وغُرّة المجد، وعنوان الرجولة.
تتجلى هذه الرجولة في محمد ﷺ إذ يقول:
«والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه».
كما تتجلى في أعماله في أدوار حياته؛ فحياته كلها سلسلة من مظاهر الرجولة الحقة، والبطولة الفذة: إيمان لا تزعزعه الشدائد، وصبر على المكاره، وعمل دائب في نصرة الحق، وهيام بمعالي الأمور، وترفع عن سفسافها... حتى إذا قبضه الله إليه لم يترك ثروة كما يفعل ذوو السلطان، ولم يُخلّف أعراضًا زائلة كما يخلّف الملوك والأمراء، وإنما خلّف مبادئ خالدة على الدهر، كما خلّف رجالًا يرعونها وينشرونها، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم من أجلها.
وتاريخ الصحابة ومن بعدهم مملوء بأمثلة الرجولة؛ فأقوى ميزات عمر أنه كان رجلًا، لا يراعي في الحق كبيرًا، ولا يمالي عظيمًا أو أميرًا. يقول في إحدى خطبه: «أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه». وينطق بالجمل في وصف الرجولة فتجري مجرى الأمثال؛ كان يقول: «يعجبني الرجل إذا سيم خطه ضيم أن يقول: لا، بملء فيه».
ويضع البرامج لتعليم الرجولة فيقول: «علّموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا، ورووهم ما يجمل من الشعر». ويضع الخطط لتمرين الولاة على الرجولة فيكتب إليهم: «اجعلوا الناس في الحق سواء، قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم، إياكم والرشا والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب». ويعلمهم كيف يسوسون الناس ويربّونهم على الرجولة فيقول: «لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمّروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتُكفّروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيّعوهم».
من أجل هذا كله كان هذا العصر مظهرًا للرجولة في جميع نواحي الحياة. تقرأ تاريخ المسلمين في صدر حياتهم فيملؤك روعة وتعجبًا: كيف كان هؤلاء البدو، وهم لم يتخرّجوا في مدارس علمية، ولم يتلقوا نظريات سياسية، حكّامًا وقادة لخريجي العلم ووليدي السياسة! إنما هي الرجولة التي بثّها فيهم دينهم وعظماؤهم، هي التي سمت بهم وجعلتهم يفتحون أرقى الأمم مدنيّة وأعظمها حضارة.
ثم هم لا يفتحون فتحًا حربيًا يعتمد على القوة البدنية وكفى، إنما يفتحون فتحًا مدنيًا إداريًا منظمًا، يعلّمون به دُرّاسي العدل كيف يكون العدل، ويعلّمون علماء الإدارة كيف تكون الإدارة، ويُلقون بعملهم درسًا على العالم أن قوة الخُلق فوق مظاهر العلم، وقوة الاعتقاد في الحق فوق النظريات الفلسفية والمذاهب العلمية، وأن الأمم لا تُقاس بفلاسفتها بمقدار ما تُقاس برجولتها.
هل سمعت قولًا في العدل يحققه مثل ما يقوله عمر: «إذا كنت في منزلة تبجيل الناس، فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أُسوة للناس»؟ أو هل رأيت حزمًا في الإدارة كالذي فعله في مسح سواد العراق، وترتيب الخراج، وتدوين الدواوين، وفرض العطاء؟ حقًا لقد كان عمر في كل ذلك رجلًا. ولئن كان هناك رجال قد امتصوا رجولة غيرهم، ولم يشاؤوا أن يجعلوا رجالًا بجانبهم، فلم يكن عمر من هذا الضرب؛ إنما كان رجلًا يخلق بجانبه رجالًا، فأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، والمثنّى حارث بن حارثة، وكثير غيرهم كانوا رجالًا نفح فيهم عمر من روحه كما نفخ فيهم الإسلام روحه، وأفسح لهم في رجولتهم كما أفسح لنفسه في رجولته.
وكان أدبهم في ذلك العصر صورة صحيحة لرجولتهم، يتغنّون فيه بأفعال البطولة ومظاهر الرجولة. وخير الشعر أشرفه رجالًا، وشر الشعر ما قال العبيد. يعتدّ الشاعر بنفسه ويسمو بها عن النعماء والبأساء فيقول:
قد عشتُ في الناس أطوارًا على طرقٍ شتّى
وقاسيتُ فيها اللينَ والفظعا
كلا بلوتُ، فلا النعماء تُبطرني
ولا تخشعتُ من لأوائها جَزَعًا
لا يملأ الهولُ صدري قبل موقعه
ولا أضيق به ذُرعًا إذا وقعا
ويعتزّ بشرفه وقوته وإبائه الضيم فيقول:
وكنتُ إذا قومٌ رموني رميتهم *** فهل أنا في ذا يا الهمدانَ ظالمُ
متى تجمعِ القلبَ الذكيَّ وصارمًا *** وأنفًا حميّا، تجتنبك المظالمُ
ويمدح رجلٌ قومًا فيقول: «إنهم كالحجر الأخشن، إن صادمته آذاك، وإن تركته تركك». ويقول أميرهم: «والله ما يسرّني أني كُفيت أمر الدنيا كله». قيل: ولم أيها الأمير؟ قال: «لأني أكره عادة العجز».
إلى كثير من أمثال ذلك. وعلى الجملة، فأدبهم تامّ الرجولة، قد شعّت فيه الحياة، وامتلأ بالقوة، حتى اللاهي الماجن كأبي محجن الثقفي: كان يغازل، وكان يشرب، ولكن إذا جدّ الجدّ وعزم الأمر كان رجلًا يبيع نفسه لدينه، ويبيع كل شيء لشرفه وشرف قومه.
ولم يضنّ التاريخ على المسلمين من حين لآخر برجال لفتوا وجه الدهر، وغيّروا مجرى الحوادث، ودفعوا عن قومهم الخطوب، وأنزلوهم منزل العز والمنعة، وتضيق عن وصف أعمالهم الكتب. ثم توالت الأحداث وتتابعت النوب، تُغِلّ من شوكتهم، وتفتّ في رجولتهم، حتى رأيناهم بدّلوا الشرف بالمال، وقد كان آباؤهم يبذلون المال للشرف. ولم ينظروا إلا إلى أنفسهم وذويهم، وكان آباؤهم ينظرون إلى دينهم وأمتهم. وتفرّقوا شيعًا وأحزابًا يُذيق بعضهم بأس بعض، فكانوا حربًا على أنفسهم بعد أنفسهم، بعد أن كانوا جميعًا حربًا على عدوهم.
ورضوا في الفخر أن يقولوا: «كان آباؤنا»، مع أن شاعرهم يقول:
إذا أنت لم تَحْمِ القديمَ بحادثٍ *** من المجد لم ينفعك ما كان من قبلِ
وناثرهم يقول: «لم يُدرك الأول الشرف إلا بالفعل، ولا يُدركه الآخر إلا بما أُدرك به الأول».
ورأينا خير ما في الأمم حاضرها، وخير ما فينا ماضينا.
أريد بالرجولة صفة جامعة لكل صفات الشرف من اعتداد بالنفس واحترام لها، وشعور عميق بأداء الواجب مهما كلّفه من مصاعب، وحماية لما في ذمته من أسرة وأمة ودين، وبذل الجهد في ترقيتها، والدفاع عنها، والاعتزاز بها، وإباء الضيم لنفسه